ما الحب إلا للمكان الأول الشعراء السعوديون في مدن الآخرين
خاص: أحوال المعرفة
كيف قرأ الشاعر السعودي مدن الآخرين؟ وكيف عبر عنها في شعره؟ وما أبرز هذه المدن التي جعلها فضاء مكانيا جماليا لاستيلاد قصيدته من وجهة فنية وتعبيرية ؟
حين ودع الشاعر والروائي الدكتور غازي القصيبي لندن ، لا نتقاله لعمل آخر، كتب متسائلا:
" ماذا تستطيع ان تقول عن مدينة قضيت فيها جزءاً من حياتك، يكاد يعادل خُمسها، وشهدت مولد ابنتك، ومولد ثلاثة من احفادك، وعرفت فيها شواهق السعادة كما انحدرت فيها الى وهدات الالم؟ ماذا تستطيع ان تقول عن مدينة عشت فيها طالباً يزاحم الناس في الحافلة لأنه لا يملك اجرة التاكسي، وعشت فيها سفيراً يتنقل بأفخم السيارات المصفحة؟ ماذا تقول عن مدينة شهدت مخاض روايتك الأولى، وميلاد عدد من دواوينك وكتبك؟ ماذا تقول عن مدينة تترك فيها حين تغادرها عدداً من أصدق أصدقائك، بالاضافة الى عدد ممن لا يستهان به من «الآخرين»؟ لا يمكن للوداع أن يكون سهلاً، ولا يمكن لكلمات الوداع أن تكون خالية من العواطف المتناقضة، ولا يمكن لاحساسك أن يكون بريئاً من مزيج غير متناسق من اللهفة إلى البقاء، ومن الشوق إلى الرحيل.
تلك، باختصار شديد، حكايتي مع لندن التي عرفتها طالباً وزائراً وسائحاً ومقيماً، حتى ليخيل اليّ، أحياناً، أنها، بدورها، عرفتني. إلا أن لندن لا تعرف أحداً: لا تحب أحداً ولا تكره أحداً، لا تهّش للقاء أحد ولا تجزع لفراق أحد. من يلوم لندن التي شهدت ما شهدته من مدن العالم مجتمعة إذا فقدت قدرتها على الانفعال؟ لندن التي رأت صراع الجبابرة، ومصارع الملوك، وأنهار الدم والحرائق والطواعين، هل يمكن أن يطرف لها جفن اذا وقع حادث عابر هنا أو هناك؟ لندن التي انجبت رجالاً صنعوا امبراطوريات، ورجالاً فككوا امبراطوريات، هل يمكن أن تذعر اذا ظهرت دولة هنا او اختفت دولة هناك؟ لندن التي حضنت عقولاً غيّرت مجرى العلم، وبالتالي حوّلت مسار التاريخ، هل تتوقع منها أن ترقص طرباً لاكتشاف علمي، هنا أو هناك؟ لندن، شبيهة بليلى الاسطورية، التي يدعي الجميع وصلها، وهي لا تحب إلا نفسها " ( صحيفة الشرق الأوسط الخميـس 03 شعبـان 1423 هـ 10 اكتوبر 2002 العدد 8717)
ومن هنا كتب فيها قصيدته المعروفة:" قراءة في وجه لندن" وفيها يقول:
وجه لندن
واجمٌ .. تكسوه حباتُ المطرْ
وجهها.. وجه حبيب
راعه يوم الفراقْ
فتغضّنْ
وهو يجتازُ تعابير الكدرْ
والشجرْ
ذكرياتُ الورق الساقط
والطير الذي هاجرَ
والصيف الدفيء المختصرْ
الشاعر لم يتضامن ولم يتعايش مع وجه لندن تماما، فالوجه متغضن، ويبدو الكدر على ملامحه، وآثار الضجر في هذا الوجه الشاحب، كأن الشاعر لم يألف هذا الوجه تماما، وظل الشعور بالاغتراب قائما .
وفي القاهرة كتب القصيبي من قبل قصائد عن القاهرة ، وكتب روايته الشهيرة:" شقة الحرية" .
والإحساس بالاغتراب يهيمن كثيرا على الأعمال الإبداعية السعودية خاصة في الشعر، حيث لا يألف الشاعر السعودي المدن الخارجية التي يعيش فيها للعمل أو الدراسة تماما، لكنه يبرز متعة حواسه الشاعرة بالأماكن، ويظل حنينه لأماكن الوطن الأم قائما. على الرغم مما نجده في قصائد الشعراء السعوديين من تعبيرات عن مدن عاشوا فيها أ زاروها مثل: لندن، وباريس، وروما، ونيويورك، ومدريد، وموسكو، والقاهرة، وبيروت، ودمشق، وصنعاء،
وعند الشاعر الدكتور عبدالعزيز خوجة عدد من القصائد عن مدن كثيرة عاش فيها وعمل فيها سفيرًا، وحملت أشعاره العناوين التالية:
عذراء الرصافة، لقاء في باريس، ليلة شتاء في موسكو، قلب بيروت حجر
ويرى الدكتور عبدالله المعطاني في محاضرة ألقاها ببيروت في 7 ديسمبر 2010م بمعرض بيروت الدولي للكتاب أن بيروت تتحول عند بعض شعراء المملكة الى كيان غرامي ينصهر في معشوقته الحقيقية فتتشابك وتتعالق الإشارات الدلالية للنص فتصبح بيروت هي المرأة المعشوقة ومن ثم يلتقي الرمز البشري بالرمز المكاني.
ويقول الدكتور عبدالعزيز خوجة في قصيدته: لقاء في باريس:
ليلاي إن الليل في عينيك قد ثملا
رشف الطلا من قبلة طابت وما سألا
صهباء من شفة ومن عينين ترسلني
شيطان من لهب وقديسا ومنذهلا
باريس في أعطافها حط الهوى قدرا
عرفت مفاتنه فما بخلت وما بخلا
جئناك يا باريس عشاقا على أمل
قلبان فاضا بالهوى لم يعرفا مللا
لما ارتحلنا في فضاء الكون فرقنا
بعد المكان وإنما الوجدان ما ارتحلا
وليلى هي التي تلهم الشاعر بالذكرى وبجماليات المكان الأول، فهو يقول:
ليلاي والليل في موسكو بلا قمر
والليل فيها بلا نجم ولا شهبِ
إن المدينة ليست مجرد مكان في القصيدة يتم التعبير عنه، ولكنها تشكل خلفية تاريخية وجغرافية وزمنية وثقافية واجتماعية في وقت واحد داخل القصيدة، هي تمسرح النص وتعطيه أبعادًا أخرى غير أبعاده الدلالية الأولية، إنها تلهمه بما يفجره المكان من ذكرى وحنين، في الوقت نفسه تلهمه جملة من العناصر التصويرية البازغة كحضور الشخصيات التي تنتسب لهذه المدينة أو تلك، والتناص مع معجمها الشعري أو السير- ذاتيّ، أو حضورها في المجتمع الغربي أو الشرقي، فيما تلهم الشاعر بجملة من الصور والأخيلة والابتكارات البلاغية الاستعارية والكنائية، وتصوغ له جملة من المشاهد التعبيرية المغايرة.
وهناك طرق كثيرة متنوعة للتأمل في مشاهد المدن المتعددة التي ابتدعها الشعراء السعوديون خلال معايشتهم لهذه المدن سواء بالتعبير عنها ووصف أماكنها وأبرز معالمها، أو استيعابها لابتكار دلالات جديدة متعددة المعاني، وشكلت (القاهرة) مجالا للتعبير الأدبي لعدد من الأدباء السعوديين سواء من درسوا فيها وأقاموا فيها فترة من الزمن مثل الشاعر حمزة شحاتة ، فيما إن التعبير عن المدن خارج الوطن يتم بالاستلهام أو الاستدعاء أحيانا كما نجد لدى الشاعرة فوزية أبو خالد، التي درست في بيروت وكتبت عنها، لكنها استلهمت مدنا أخرى كالقاهرة وبغداد والقدس في قصائد متنوعة كما في العناوين التالية: السفر على جناح المراوح الإسبانية، نشيد بنات المكلا إلى عرائس النيل، من دخل تل الزعتر، وهي تركز على البعد الوطني في هذه القصائد وغيرها، وتكتب:
مشهد موتنا اليومي على الشاشات
هلة التتار
العراق هل أرض الخراب الأخيرة
بيروت ما قبل الطوفان.
فيما تكتب عن مصر:
يا مصر . هل قلت تبت عن حبك
هل قلت تبت عن عشق كتبك
عن عشق قصب السكر
الطالع من لون جرحك
مصر ما كانت يوما هبة النيل
ما كانت يوما أصحاب الأطيان.
تتغير المدن وتتغير الأسفار ويتغير الشعور الوجداني بها، ويظل المكان الأول. مكان الوطن هو الأكثر ألفة مهما تبدلت منازل الشعراء.

