تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

عمرها أكثر من 900 عام .. صناعة النشر في روسيا نهوض المجتمع القارئ...

عمرها أكثر من 900 عام .. صناعة النشر في روسيا نهوض المجتمع القارئ...

بقلم: صالح سليمان

القراءة من أهم المهارات التي تحقق الفائدة للفرد والمجتمع فهي من أسباب تحصيل العلم والمعرفة وزيادة خارطة البحث العلمي ومن ثم نهوض المجتمع القارئ، بل القراءة سبيل الانتعاش صناعة النشر وإصدار الكتب، وإذا أردت أن تعرف حال صناعة نشر الكتب في بلد ما فاسأل عن حال شعبه مع القراءة، ولهذا اهتمت الدول في العصر الحديث بنشر ثقافة القراءة والحث عليها وتوفير أسبابها وآلياتها، ومن هذه الدول جمهورية روسيا الاتحادية، التي تحتل المركز الرابع في قائمة الدول الاكثر نشرا للكتاب[888،116 كتاب]

 

الأدباء ينعشون النشر

ربما قليلون هؤلاء الذين اطلعوا على الأدبُ الروسي وما عرف عن تألقه وعظمته وروعة القضايا الإنسانية والأدبية والفلسفية التي يتناولها..

من منا لم يسمع برواية {الحرب والسالم} لتولستوي، ورواية {الأم} الرائعة لنفس الكاتب، ومن منا لم يسمع على لأقل عن رواية {الاباء والبنون }  لأيفان تورغينيف ، و{دكتور زيفاجو} لبوريس باسترناك، و{الأخوة كرامازوفؤ} لدوستويفسكي وغيرها، أنا شخصيا أتيح لي قراءة معظم هذه الأعمال مترجمة منذ سنوات، ومثل غيري وجدت في هذا الأدب معالجات إبداعية لكثير من القضايا الانسانية، فهذا الأدب الروسي والإنتاج الروائي المبكر استطاع جذب اهتمام القارئ داخل روسيا وخارجها، وقد كان القارئ الروسي من قبل منشغلا بمتابعة الأدب الغربي، وكان أحد الأشياء المشتركة بين روايات الكتاب الروس، أنها صمدت أمام تحدي الزمن، فضال عن البراعة الفنية التي تميزت بها، والأصالة والقدرة على إشراك القارئ في تفكير شخصي عميق بحثا عن أجوبة للأسئلة الأهم في الحياة. وظهرت لأول مرة بعد طول غياب، في المكتبات الروسية مؤلفات كتاب وشعراء الحقبة الممتدة من نهايات القرن التاسع عشر، وحتى مطلع العقد الثالث من القرن العشرين، كما عادت إلى المكتبات الروسية مؤلفات كتاب مثل ألكسندر سولجينيتسي.[1]

ومنذ ذلك الوقت أصبح الأدب الروسي محكوما إلى حد بعيد بقوانين السوق، وأصبح الكتاب يأخذون بالحسبان مزاجية الشارع، خلال وضعهم المؤلفات الجديدة، حرصا على تحقيق أكبر قدر ممكن من المبيعات. حينها كان التنافس قاسيا، كما هي قوانين السوق، بين المؤلفين والإصدارات الروسية من جانب، والمؤلفين والإصدارات الأجنبية المترجمة من جانب آخر، ألن القارئ الروسي كان في بداية عصر الانفتاح يعطي الأولوية للكتب الأجنبية، ودفعته إلى ذلك حاجته للاطلاع على كل ما هو جديد وغير مألوف، وحينها برزت توجهات رئيسية في الأدب الروسي حاولت مجاراة [مزاجية السوق]، ورغبات القراء ومن هنا انتعش سوق الكتب وراجت الكثير من المؤلفات وعملت المطابع ساعات طويلة لاستيعاب المؤلفات والإنتاج الأدبي وزادت بشكل كبير حركة النشر ودخلت صناعة النشر ضمن الصناعات المهمة التي تدر على أصحابها مكاسب طائلة.[2]

ومنذ عام 2016 حققت كثير من الروايات والمؤلفات، مبيعات عالية جداً، وظهرت مسميات [الرواية الأكثر رواجاً وقراءة]. وترجمت العديد من الأعمال ونشرت باللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية والإيطالية والصينية والدنماركية، والنرويجية والبولندية والبلغارية والرومانية والأرمينية.

 

سوق الكتاب عمره أكثر من 900 عام

والذي يدعو ربما للدهشة أن قصة النشر الروسي قديمة، وصناعة الكتاب هناك عمرها أكثر من 900 عام، حيث يعد كتاب [حياة آباء دير بيخيرا في كييف] المنسوخ سنة[1112م] أول إشارة إلى تجارة الكتب في روسيا القديمة. وبعد دخول الطباعة إلى موسكو سنة [1564م] أنشئت إدارة خاصة بالطباعة عرفت بمكتب الطبع العمومي. وأول كتاب مطبوع باللغة الروسية طبع عام[1564م] وهو كتاب [عمال الرسل]. واعتبارا من سنة [1714م] بدأت تنتشر المطابع الأهلية في [سان بطرسبورغ] بسبب قيام [أكاديمية العلوم] فيها والتي ألحقت بها ما عرف وقته ب[غرفة الكتاب] لبيع مطبوعات هذه الأكاديمية عام[1728]. وفي تاريخ النشر السوفييتي يبرز اسم [ن. أ. نوفيكوف] (1744 - 1818م) كأول منظم لصناعة النشر الروسية، وبسبب تأثيره أنشئ

أكثر من أربعين متجرا للكتب مملوكة للأهالي، وتوسعت عملية نشر الكتب توسعا كبيرا، وأقيمت ورش التجليد، ودرب الرجال على بيع الكتب. وفي القرن (18) نشر أكثر من خمسة عشر ألف كتاب باللغة الروسية، وصدرت أول جريدة روسية سنة(1702م) واسمها [الجازيت] وصدرت أول مجلة سنة (1728) وهي مجلة [الملاحظات]، وقد حاول المؤتمر الأول والثاني للناشرين وتجار الكتب (1909 و1911), العمل على اسقرار سوق الكتاب الروسي. في عام (1955) كان عدد دور النشر في الاتحاد السوفييتي (6183) دارا، وأصبح في عام (1968) 13986 دارا للنشر.وفي العقد الأخير من الاتحاد السوفييتي كانما بين (7000)و(9000) قائمة ببليوغرافية.(3)

 

الكتاب الروسي.. صناعة رابحة

أما في العصر الحديث فقد أصبح نشر الكتاب في روسيا قطاعا اقتصاديا ينمو بشكل ديناميكي، وصناعة رابحة تنافس صناعات أخرى ويدل على ذلك الإحصائيات الواقعية في هذا المجال، حيث يوجد في روسيا نحو ألف دار نشر، فإذا كان عدد مدن روسيا (150) مدينة فإن نصيب كل مدينة هو سبعة دور نشر وهو معدل مرتفع يكشف عن صناعة متقدمة بالفعل، خاصة وأن 80 في المئة من الكتب الصادرة في روسيا من تأليف الكتاب الروس النشطون جدا في التأليف والإنتاج الأدبي والعلمي.لقد ازداد نشر الكتب في روسيا في العشر سنوات الأخيرة أكثر من مرتين. وشهد عام 2006 طباعة أكثر من 100 ألف عنوان، وفي عام 2008 أصدرت روسيا 130 ألف عنوان مقابل نحو 80 ألفا في منتصف حقبة الثمانينيات من القرن الماضي. وبقي هذا الرقم ثابتا في عام ،2009 ووصل النمو السنوي في نشر الكتب في روسيا في المتوسط إلى 9.4 ،% وبالنسبة لعدد النسخ فإن النمو السنوي قد وصل إلى 5 .%ووصل معدل قراءة الفرد في روسيا إلى 7 ساعات و6 دقائق وهو معدل عال مقارنة بدول كثيرة. ووفق الدراسة التي أصدرتها منظمة اليونسكو سنة 2011 والتي شملت جميع أنواع الكتاب وفي شتى المجالات، فإن روسيا تحتل المركز الرابع في قائمة الدول الأكثر نشرا للكتاب (،116 888 كتاب سنويا) ولا يسبقها في الترتيب سوى الصين والولايات المتحدة وبريطانيا، وفيما يتعلق بالكتب المؤلفة للطفل فإن الطفل في روسيا يحظى بنصيب (1458) كتابا في السنة الواحدة في حين أن الطفل العربي ال تزيد الإصدارات الموجهة له على (400) كتاب!(4)

أما فيما يتعلق بالكتب الإلكترونية في روسيا فقد سجلت زيادة سنوية كبيرة في مبيعاتها بشكل قانوني في السنوات الأخيرة. وأشارت التقارير إلى أنه في الأشهر الستة

الأولى من عام ،2018 نمت مبيعات الكتب الإلكترونية بما يقرب من 45 في المئة خلال نفس الفترة من عام 2017 ويعزى ذلك أساسا إلى الحماس السريع في نمو التطبيقات النقالة بين المستهلكين الروس. وقد ازدادت مبيعات الكتب الإلكترونية من خلال التطبيقات مرتين إلى ثالث مرات في الأشهر الأخيرة، إلى جانب زيادة في الطلب على الكتب الصوتية. (5)

ومع ذلك فإن حجم مبيعات الكتب الإلكترونية في روسيا مازال ضئيلا مقارنة بدول مثل الولايات المتحدة التي سجلت قيمة مبيعاتها من هذا النوع في نفس الفترة مبلغ (1.3 مليار دولار)، وبريطانيا 186 جنيه إسترليني (300 مليون دولار). فدور النشر الروسية تواجه خسائر كبيرة جراء القرصنة ونشر الكتب الإلكترونية دون ترخيص.

 

المكتبات وحركة النشر

وجود المكتبات ومخازن الكتب في أي مجتمع برهان ساطع على انتعاش سوق الكتاب وحركة النشر في هذا المجتمع وهذا ما نراه في المجتمع الروسي الذي يضج بالمكتبات العامة ومراكز بيع الكتب. وقد جرى منذ زمن إنشاء المكتبات العامة وتطويرها فيما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي ثم الآن روسيا الاتحادية فقد بدأ تطوير المكتبات العامة

والرقي بخدماتها منذ عام ،1917 وتنتشر هذه المكتبات بطول البالد وعرضها وتبلغ مجموعات كل مكتبة الآلاف من المجلدات بل الماليين. وتملك كل جمهورية مكتبة مركزية كبيرة وقوية بالإضافة إلى مكتبات البلديات والمكتبات الإقليمية ومكتبات الجامعات والمدارس والمكتبات العسكرية وأيضا مكتبات المؤسسات والجمعيات.

ويقف على رأس المكتبات العامة في روسيا المكتبة الوطنية الروسية التي تعد من أعظم مكتبات البالد وثاني مكتبة في العالم بعد مكتبة الكونغرس الأميركي من حيث حجم مخزوناتها. حيث تحتوي المكتبة على مجموعة فريدة من نوعها من المطبوعات والمخطوطات الوطنية والأجنبية، التي ألفت بـ (347) لغة من لغات شعوب العالم.

ويزيد مخزون المكتبة على (42) مليون نسخة من الكتب والمخطوطات والدراسات العلمية والنشرات الدورية. كما أنه، وإلى جانب مخزون الكتب الرئيسي تحتوي المكتبة الوطنية الروسية، مجموعات خاصة مؤلفة مما يزيد على )150(ألف خريطة و(350) ألف نوتة موسيقية وتسجيل صوتي، وكتب نادرة ومراجع مصورة وأطروحات علمية وجرائد، وما إلى ذلك. وتجسد المكتبة في العموم، قبلة المثقفين ودرة الباحثين. وقد تأسست المكتبة الحكومية الروسية في الأول من يوليو عام 1862 كونها أول مكتبة

عامة مجانية في موسكو. وضم مخزونها الأولي مجموعة غنية من الكتب والمخطوطات. وكتشجيع لدعم المكتبات ومن ثم حركة النشر في روسيا أطلقت موسكو مشروع [الإسعافات الأولية للمكتبة] في مارس 2018 استطاعت من خلاله أن تجمع (6) آلاف كتاب خلال شهر واحد فقط وال تزال هذه الكتب المستعملة تحافظ على شكلها العملي،، ويمكن لسكان العاصمة الروسية جلب مثل هذه الكتب إلى مكتبة الأعمال المركزية الحكومية، كما شاركت في هذه الحملة مكتبات العاصمة المختلفة

التي تبرعت وتبادلت الكتب المهداة إليها من قبل دور النشر والمنظمات المختلفة والأفراد.

 

المكتبات الرقمية

ومنذ عام 2015 نهضت روسيا بمكتباتها وجعلها متاحة بين أيدي مواطنيها بشكل ٍ رقمي حديث، وذلك من خلال تطوير مكتبات رقمية في أنحاء روسيا، وتحويل المكتبات المحلية إلى مراكز معلوماتية وثقافية حديثة، لتمكين القراء والباحثين من الوصول إليها عبر شبكة ”الإنترنت“.

 

المراجع

1.   موقع مجلة فكر الثقافية /5 2019/2

2.   جريدة الشرق الأوسط 2017/3/12

3.   موقع الوراق

4.   الموسوعة الحرة (ويكيبيديا)

5.   موقع البيان كتب3 يوليو 2015

 

عمرها أكثر من 900 عام .. صناعة النشر في روسيا نهوض المجتمع القارئ...
Ehsan Logo