الفكر الاسلامي وبصماته على الفكر الاوربي
بقلم: رندا صادق
توافــر كثيــر من العلماء والباحثين لتحديد تعريف أو أكثر للفكر الإســلامي، ومن أبرز هذه التعريفات هو أنه: (كل ما أنتجه فكر المسلمين منذ مبعث الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- إلى اليوم في المعارف الكونية المتصلة بالله سبحانه وتعالى والعالم والإنسان الذي يعبر عن اجتهادات العقل الإنساني لتفسير تلك المعارف العامة في إطار المبادئ الإسلامية عقيدة وشريعة وسلوكا، أو كل ما ألفه علماء المسلمين في شتى العلوم الشرعية وغير الشرعية بغض النظر عن الحكم على مدى ارتباط هذا لانتاج الفكري بأصل العقيدة الإسلامية، أو نتاج الفكر الذي لمنهج الإســلام و هو الحكم على الواقع من وجهة نظر الإسـلام، أو المنهج الذي يفكر به المسلمون أو الذي ينبغي تصدى للفلسفات والنظريات الغربية ناقدا لها وواضعا البديل الإسلامي محلها، أو كل نتاج للعقل البشري الموافق أن يفكروا به).
مــن هنا يمكن القول إن الفكر الإســلامي يتمتــع بمجموعة خصائص يمكن تلخيصها بالتالي:
أولا هوليس فكرا وضعيا بل هو فكر رباني أي من عند الله سبحانه سلوكيا، حيــث يكون فيه الإنســان ملتزما بما أنزله الله تعالى، والغاية منه هداية البشــرية ســواء فكريا، أو اعتقاديا، أو تعاليم قرآنية، الفكر الإسـلامي هو الفكر الوحيــد الذي أصله رباني، والــذي لم يتعرض للتغير في مبادئه بالرغم من التطور والتقدم الذي يطرأ على الظواهر الحياتية من النواحي المختلفة يبقــى ثابتا لا يتبدل، كما أنه لا يقبل الجدال وخاصة في أركانه والحقائق العقائدية الثابتة التي أوردها من جهة أخرى هو فكر شمولي ، بمعنى أنه يشمل جميــع متطلبات الحياة مــن (اقتصاد وفكر واجتماع)، الإسلام منهج شامل ومتكامل للحياة يقوم على مبدأ عدم التعارض بين الدين والحيــاة، وذلك استنادا لقوله تعالى: {وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} (ســورة ياســين .12) ومــن مميزاته أيضا أنه متــوازن لا يجنح ألي طــرف من الأطراف، ويكون في مجالات العبادات كعدم تكليف النفس فوق طاقتها، وحتى في المعاملات كالوســطية في الإســراف وعدم التبذير أو البخل.
وإضافة الى كل مــا تقــدم هو يتمتع بالواقعية ، فهــو فكر متصل من هنا فإن الإسلام كمنظومة فكرية وثقافية واقتصادية وانسانية يلائم الواقع وليس بعيدا عن الواقعية.
وحتى وإن تطرق إلى الظواهر الطبيعية الفلسفية فإنه يناقشها بما ومتفاعل مع الواقع، يراعي جميع ظروف الحياة التي يمر بها الإنسان، هو دستور شرعي ليس للأمة المسلمة فقط بل لكل الأمم لذلك الإسلام كفكر ترك أثره في الفكــر الغربي وقد بدأ هذا التأثير يظهر من خلال ترجمة المؤلفات العربية إلى اللغــة اللاتينية وقد قــام بذلك العالم اللاهوتي (ريمون)، رئيس أساقفة طليطلة في سنة 1130 إلى سنة 1150 ميلادية، وفي تلك الفترة بطليطلة كان المسلمون يعيشون جنبا إلى جنب المسيحيين، وكان وجودهم في عاصمــة الملك ومقر الأساقفة مما دفع جيرانهم إلى الاهتمام بالحياة العقلية الإســلامية، وفي طليطلة أســس (ريمون) ديوانــا للترجمة، مهمته ترجمة أمهات الكتب العربيــة، فنقل كثيرا كثيــرا من مؤلفات (الفارابي)، (وابن سينا)، و (ابن رشد).
وكان لنقــل المؤلفات العربية إلى اللاتينية أثرا كبيرا عند الغرب حيث دفعهم ذلك إلى الاهتمام بالفكر الإسلامي واجتهدوا في ترجمته والإطلاع على مضمون ما جاء فيــه، ومن يبحث في بداية هذا التأثر يصــل الى أمر اتفق عليه جميــع المهتمين وهو أن للفارابي أثرا كبيرا في الفكر السائد في العصور الوسطى حيث تم ترجمة كتابه (إحصاء العلــوم) إلى اللغة اللاتينية، وأصبحت هذه المؤلفات لا يستغنى عنهــا كمرجع في المــدارس، إن منفعة الكتــاب الحقيقية إنما هي في توجيه انتباه الغربيين إلى العلوم العربية التــي أقبل عليها طلاب المعرفــة منهم، وجدوا في تحصيلها، والاستزادة منها، وقد أكد فارمر (هنري جورج فارمر )(1882 - 1965 م) هو مستشرق وباحث في مجال الموســيقى وقائد أوركســترا (بريطاني) أن كتاب [المعلم الثاني] قد ســاق الباحثين الذين تقاطروا من أنحاء الدنيا إلى إسبانيا الإسلامية لينهلوا من معين المؤلفات العربية في الموسيقى، على يدى رجال مثل: الكندي،والفارابي، وابن سينا، وابن رشد.
وفيما يلي نماذج لمفكرين مسلمين تركوا بالغ الأثر في الفكر الغربي الأوروبي. فمــا كاد ينقضي قرن عــلى الترجمــات الأولى للمؤلفات العربيــة، حتى كان الرأي استقر عند المفكرين الغربيين على اختيار فكر (ابن ســينا) كمرجع أساسي في دراســة الفكر الإسلامي فقد ترجم (جنديســالينوس) كتــاب (الشــفاء) إلى اللاتينية وترجــم (جيراردي مختلــف الكليات الأوروبية من القرن الثالث عشر حتى القرن الســابع كريمون) كتاب (القانون في الطب) وهذان الكتابان باتا يدرسان في عشر.
وقد بين الأســتاذ (جيلســون) في سلســلة من البحوث القيمة، مدى الأثر الذي كان (لابن ســيناء) في الفكر الأوربي في العصور الوسطى المســيحية، كما أوضح الصلات الوثيقة بينه وبين اللاهوتيين وقد تجلى ذلك في مذهب القديس (أوغســطين)، حيث خلص إلى أن كل ما أنتج من فكر غربي في القرن الثالث عشر عبارة عن مختلف المواقف المأخوذة عن (أرسطو) و (ابن سينا) و(ابن رشد). واقترح (جيلســون) أن يطلق على هذا التيار الفكري في أوروبا اســم: (الأوغسطيسية النازعة إلى السينوية).
وإلى جانب أوغسطينوس وغيره ممــن تأثر بالفكر الإســلامي وجد مفكرون آخرون كانوا متأثرين بفكر (ابن ســينا) حتى في المواضيع التي تخالف العقيدة المسيحية، وهؤلاء هم الذين أطلق عليهم الأب (دوفو) اسم (السينويين اللاتنيين).
وأول مفكر مســيحي تأثر (بابن ســينا) هو (جنديســلاينوس) رئيس ديوان الترجمة في إســبانيا كتب رســالة (في النفــس) بدأ فيها (بابن ســينا) وانتهى (بأوغســطين)، وقد اقتبس براهين ( ابن ســينا)عن وجــود النفــس، مبينــا أنهــا جوهر لا عرض، وأنهــا خالــدة وروحية، واقتبس من (ابن ســينا) أيضا رمزه المشـهور المســـمى برمز: (الرجل المعلق في الفضــاء) الذي لا صلة لــه بالعالم الخارجي، ولكن فكره يكشف له أنه ذات مفكرة، وأنها موجودة، وهذا الرمز قد ذكره كثيرون من مؤلفي العصور الوسطى المسيحية، ولذلك كان من الممكن أن يكون (ديكارت) قد اطلع عليه، فكان له صدى في تأملاته، ولا سيما أن (الكوجيتو الديكارتي) قريب منه مؤيد له.
ولعل مما يشهد بأثر (ابن سينا) عند المسيحيين في العصور الوسطى تلك الحملة العنيفة التي رفع لواءها (جيوم الأوفرني) المتوفى سنة 1249 لمقاتلة (أرسطو) وأتباعه، ويعني بهــم (الفارابي)، و(ابن سينا)، و(الغزالي).
وهذا اللاهوتي يذكر (ابن ســينا) في كتبه حوالي أربعين مرة، معارضا أقواله تارة، و مقتبسا تعريفاته وأمثلته تارة أخرى.
أما (ابن رشد) فقد نال إعجابا كبيرا بشروحاته لفكر (أرسطو) مما ترك أثرا عظيما في أوربا حتى سماه (دانتي) الشارح الأكبر، ومن المشهور أن مدرســة (بادوا) بإيطاليا كانت تهتم بفكر (ابن رشــد)، وقد تزعم (ســيجي دوبرابان) ما كان يعرف بالمدرسة الرشــدية في فرنسا إبان القرن الثالث عشر.
ولقــد ظل فكر (ابن رشــد)، متدارســا عند الأوربييــن في الكتب وفي الجامعــات، من منتصف القرن الثالث عشر حتى أوائل القرن الرابع عشر..
مــن هنا نجــد أن طبيعــة الحضــارة العربيــة الإســلامية والثقافات المترتبة عنها، حضارة تقوم في أساســها على الدين، ولكنه دين أتى معبــرا عــن مرحلة متأخرة من تطور الحياة البشــرية حيــن بلغ الوعي الإنساني نضجه واكتماله. وتحلل من كثير من قيود الخرافة والتفكير الغيبي الأسطوري، وكان كل ذلك مرتبطا بتطور اجتماعي لا يقل عنه أهمية، إذ كانت جمهرة الإنسانية تنتقل من مرحل اقتصادية متخلفة – إلى مرحلــة الرعي والبداوة والزراعــة التي تكبلها قيود الإقطاع والتسلط في مناطــق الحضــارة المجاورة – إلى مرحلــة اقتصادية متقدمة هي مرحلة التجارة وحياة المدن والاستقرار.
إذا كان المفكرون العرب قد احتلوا كل هذه الأهمية بالنسبة للفكر الأوروبي فإن ذلك لم يحصل فجأة بين عشية وضحاها. وانما تمت الأمور على مراحل وقد ابتدأت كما قلت سابقا بالترجمات التي استغرقت اكثــر من قــرن وانتهت حوالي عــام (1230م) وقد شهد القرن الثاني عشــر في أوروبا ظهور بعض الكتابات المترجمة عــن العربية، ولكن سبقتها الترجمات العلمية المحضة في الفلك، والطب، والفيزياء، الخ.
ونلاحظ مثلا أن (أديلاد دوباث) يثني على العلم والمنهجية العقلانية التي تعلمها لدى أساتذته العرب. وحوالي عام 1150 ميلادية يقول أحد كبار رجالات المسيحية الأوروبية إن المســلمين اشــخاص أذكياء وعلمــاء. فمكتباتهــم مليئة بالكتب التي تعلم العلوم المختلفة من منطق، وفلسفة، وعلوم طبيعية. وقد استفاد منها المسيحيون كثيــرا وترجموهــا. وهنــاك مفكر آخر في نفس الحقبة يتحدث عن الفوائــد التي أخذناها عــن كنوز العرب المعرفية. وعــى الرغم من أن القرن الثاني عشــر كان مشغوال بالحروب الصليبية إلا أن ذلك لم يمنع مفكري أوروبا من الاستفادة من علوم أعدائهم التاريخيين.
في الواقع إن الأصوليين المسيحيين المتشددين هم وحدهم الذين أفتوا بمنع الأخذ عن المســلمين. ولكــن المعتدلين الأذكيــاء أفتوا بعكس ذلك وقالوا: نأخذ العلم حيث وجدناه. ولحسن حظ أوروبا فإن هــذا التيار الثاني هو الذي انتصر، وأدى بالتالي الى نهضة أوروبا. ولو ظلمات الجهل. ان التيار المتشنج او المتشدد هو الذي انتصر لظلت أوروبا تغط في وقد تمت تلك النهضة أساساً على أكتاف الترجمات العربية.
هــذا البحــث الصغير الــذي اعتمدت به عـلـى قراءة بعــض المقالات والمراجــع التــي تناولت هــذا الموضــوع يؤكد بما لا يقبل الجدل كم الأثر الذي تركته الفلسفة الإسلامية في الفلسفة الغربية فقد كانت النبع الذي شربوا منه لوضع أفكارهم وآرائهم حول الكثير من الأمور مثل النفس والعقل والروح إلخ ..

