سرديات متنوعة من التراث البصري .. متحف فاطمة بنت فايع : جداريات وفخاريات ومنسوجات تبرز جماليات فن القط العسيري
أحوال المعرفة – خاص
ازداد الاهتمام في المملكة بفن القط العسيري منذ أن تبوأ موقعه في مصاف العالمية كفن إبداعي عالمي من طراز خاص، حيث تم تسجيله في قائمة التراث العالمي غير المادي في اليونسكو، في 9 ديسمبر 2017م ومن هنا قامت الفنانة السعودية فاطمة بنت فايع الألمعي بإنشاء متحف خاص بفن القطّ العسيري، يتضمن مجموعة من الجداريات واللوحات والملابس وأدوات الزينة وأدوات الحياة اليومية المنقوش عليها فن القط، كما يضم المعروضات الفخارية، والأصناف المبتكرة على الأواني والمنسوجات، وتجارب القط على الأحجار أو القطع الخشبية بعد التعرف على ألوانه الطبيعية المأخوذة من بيئة المنطقة وطرق استخراجها، بحيث أصبح المتحف يعكس صورة أصيلة عن مدى ارتباط المرأة العسيرية بالفنون، وكيف شكلت ذائقتها، وارتباطها بطبيعة منطقتها.
تشكيلية المتحف:
يقع متحف فاطمة في مدينة أبها في منطقة رجال ألمع في بناء حجري يمثل أحد الأنماط العمرانية في منطقة عسير، محاط بنباتات وأشجار الزينة، وتُعرض داخله شروحات مصورة عن التراث والفنون في عسير، ويتشكل من ثلاثة أركان رئيسية: الأول مخصص لفن القط في منطقة رجال ألمع، والثاني لفن القط في منطقة السراة وبلاد قحطان، أما الركن الثالث فقد تم تخصيصه للملابس التقليدية والمصوغات والحلي الفضية لنساء المنطقة، والمتحف أيضا عبارة عن محترف ومعرض في الوقت نفسه، من أجل الترويج لفن القط العسيري ، وإظهار جمالياته، حيث تقام دورات تعليمية للنساء على هذا الفن والموروث الجميل .
وفي حوار لها عن فن القط العسيري تقول فاطمة الألمعي إنها كانت مهتمة ومطلعة على أعمال فنانة عسير الأولى فاطمة أبو قحاص، أشهر فنانات منطقة عسير في مجال القط. وكانت تلازمها للتعلم منها. وبالتالي كان المحترف الأول الذي باشرت فيه عملها الفني هو منزل أبو قحاص. وبُعيد وفاة الفنانة الكبيرة قبل أربع سنوات، رأت الألمعي أن الوقت قد حان لتأسيس محترفها الخاص. وخططت مشروعها لهذا المحترف بحيث يكون فيه متسع لاستقبال المتدرِّبات من الفنانات والحِرفيات الراغبات في إتقان هذا الفن التراثي الخاص بالمنطقة.
وتمثِّل الأثواب المعروضة في المتحف ملابس الفلاحة والرعي، إضافة إلى المصوغات والحلي النسائية المشغولة من الفضة. وإلى ذلك، يضم المتحف ركناً لبعض المؤلفات عن تراث عسير
كما يضم 400 قطعة فنية، إضافة إلى الفضيات القديمة ، جمعتها الفنانة وأسرتها، عبر سنواتٍ من البحث والتوثيق والتجوال بين القرى والجبال والبيوت العتيقة. تتنوّع المعروضات بين الحليّ المصنوعة من الفضة التي كانت تتزين بها نساء المنطقة في المناسبات، والأواني الفخارية المزخرفة ، والكراسي الخشبية المعروفة محليًا بـ “التختات”، والصناديق المطرّزة، ولوحات القط ، كما يحتوي المتحف على مجموعة من الألبسة التقليدية التي تُجسد أنماط الأناقة الجنوبية بطبقاتها المتعددة. من الثوب النجراني المكمم بطابعه النجراني، إلى “الميل” المطرز بألوان جازان، مرورًا بـ “المجيب” و”المجنب” و”النطع” و”المزر”، وصولًا إلى “حلة العروس” التي تحمل رمزية المرأة في أوج فرحها.
جماليات القط العسيري:
يقوم هذا الفن، وهو أساس جداري، على رسم خطوط رئيسية مستقيمة أفقياً وعمودياً، تتقاطع معها، وفي داخلها خطوط ثانوية بزوايا من 30 أو 45 أو 60 درجة، لتشكِّل مساحات هندسية متفاوتة المقاييس، ولكنها ذات إيقاع متكرر، وفي حين أن هذه الخطوط هي عادة أو دائماً سوداء، يتم تلوين المساحات المتشكلة من تقاطعات الخطوط بألوان مختلفة يغلب عليها الأحمر والأزرق والأخضر والأصفر الرملي. بحيث يبقى الرسم في صيغته النهائية ذا بُعدين: طول وعرض، ولا عمق ولا بُعد ثالث. وفي هذا صلة قُربى واضحة مع الزخارف الهندسية في الفن الإسلامي الكلاسيكي.
ويرى الدارسون لهذا الفن أنه قد تأثر أيضا بالثوب النسائي التقليدي في المنطقة، فالمربعات والتقاطعات هي من «قُطَبْ» تطريز القماش، وكذلك الشكل الهندسي الذي نراه عند حافة خطوط التطريز والمسمَّى «أبراج»، الذي نراه أيضاً يعلو الكثير من لوحات القط. وهذا النمط من «التطريز الهندسي للخطوط» هو عربي إسلامي، أما الألوان المعتمدة في القط، كلها ألوان زاهية. و قوتها البصرية مستمدة بالدرجة الأولى من خلفياتها، وهي الجدران الكلسية البيضاء، إضافة إلى ما يتخلَّل هذه الرسوم من مساحات بيضاء صغيرة. من المرجَّح جداً أن مصدر استلهام هذه الألوان الحية والزاهية هو الغطاء النباتي في منطقة عسير باخضراره وما يحتويه من زهور وزرقة السماء الجبلية.
ويرصد الباحثون والمعنيون بهذا الفن التراثي المتعدد الألوان والرسومات نحو عشرة أشكال للنقش في هذا الفن وهي: البناه، ويرمز هذا الشكل إلى الأنثى، ويأتي غالبا في أعلى القط سواء كان في البترة أو الجدار في الختام، والأرياش وهي على شكل نباتات، والمحاريب، والركون، وهي أشكال مثلثة، والبلسنة وتُحلى بما يسمونه" النقْط" والأمشاط وهي خطوط متوازية تتجه للأعلى والأسفل، والتعذيق، والمثالث والمخامس، وهي ثلاثة خطوط أو خمسة خيوط متوازية، والكف، والشبكة.
ونظرًا للأهمية التراثية الكبيرة لهذا الفن فقد شاركت الفنانة فاطمة فايع ـ بالتعاون مع الفنان العالمي أحمد ماطر، والسيد ستيفن والأستاذة أروى النعيمي، وبرعاية من آرت جميل ـ في تنفيذ جدارية القط العسيري “بيوت أمهاتنا” التي زُيّن بها بهو مبنى الأمم المتحدة في نيويورك عام 2015م بطول 18 متراً، لتكون أول جدارية سعودية وعسيرية تعرض في المنظمة الدولية .
وامتد حضورها إلى واشنطن عبر مؤسسة “مسك”، كما شاركت في الأيام الثقافية السعودية في الجزائر، والمؤتمر العالمي للتسويق السياحي في دبي، كما شاركت في فعالية “باص حرفي” مع المعهد الملكي للفنون التقليدية، ومهرجان “قمم الدولي” مع هيئة المسرح والفنون الأدائية، وفعاليات يوم التراث العالمي بالتعاون مع هيئة التراث، وفي معارض فنية أقيمت في مركز الملك فهد الثقافي في المفتاحة، وجمعية الثقافة والفنون في أبها، كما عملت مع مؤسسة “جبل التركواز البريطانية”، على تطوير مشاريع فنية تهدف إلى صون التراث الفني وتقديمه بطريقة معاصرة .
أما أهم ما أنجزته فاطمة الألمعي في متحفها فيتمثل في تطوير مهارات 140 سيدة قصدن هذا المتحف للتدرب على يديها منذ افتتاحه قبل سنوات ، ومن ثم انتشرن في أرجاء عسير ليمارسن هذا الفن الجميل، ويطبِّقن ما تعلَّمن على جدران بيوت المنطقة.
إشارات:
· https://discoveraseer.com/places/mthf-fatmh
· https://sanews.sa/13886778/
· https://ajel.sa/tourism/tkcwnt
· https://ar.wikipedia.org/wiki/
· https://al-ain.com/article/saudi-arabia-lisbon-heritage-culture
· https://www.alyamamahonline.com/2028
· https://archive.qafilah.com/ar


