تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

الكتابة .. ودورها في النهوض الثقافي

الكتابة .. ودورها في النهوض الثقافي

يسري عبد الغني عبد الله*


قد لا تكون مبالغين إذا قررنا أن: البذرة الأولى في تكوين التراث العربي الإسلامي نشأت مع نزول أول آية من آيات القرآن الكريم، ودليلنا على ذلك أن أول كلمة من أول سورة نزلت على الرسول محمد هي:( اْقرَأْ ).... وهذا يعني أن الإسلام يطلب من الناس جميعاً الاهتمام بالعلم والمعرفة قراءة وكتابة.
وكلمة (اْقرَأْ) إنما تعني القراءة تلاوة لا تستوجب مكتوباً، أو تلاوة شيء مكتوب، والأولى خص بها رسول الله محمد، والثانية تستوجب على كل من آمن وأسلم أن يتعلم الكتابة ليقرأها، وهذا يعني كل مسلم ومسلمة. كل على قدر ظروفه وقدراته وطاقته. ومن المؤكد أن العرب قد عرفوا القراءة والكتابة قبل الإسلام، بل إن هناك كتباً ظهرت وعرفت في القرن الأول الهجري تعتمد على مدونات قبل الإسلام. ومن هذه الكتب: كتاب يتناول تاريخ الحميريين في بلاد اليمن، وعنوانه: (أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها). من تأليف عبيد بن شربة الجرهمي، وهناك كتاب آخر عنوانه (كتاب الملوك)، كتبه: وهب بن منبه، الذي ذكر أنه ضمَّن كتابه هذا مؤلفات سابقيه في الموضوع نفسه.
وإذا نظرنا في كتب الأنساب العربية القديمة فمن المرجح أن أكثر مشهوري النسابين الذين ألفوا كتباً في الأنساب معظمهم عاش قبل الإسلام، ومنهم المخضرم أي الذي عاش فترتي الجاهلية والإسلام. ومن أقدمهم: النسابة: سطيح الذنبي، الذي توفي سنة ٥٥٢هـ - ٤٧٢م. ويقال: إنه كان عرافاً وحكيماً، ولم يكن يعتمد على الذاكرة فقط في حفظ المعارف في الأنساب والحكمة وغيرهما، بل كان يعود إلى كتب سابقة عليه. وينطبق على ذلك قصص الأيام التي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون من مخترعات كاتب في بغداد العراقية، أو دمشق السورية (1),.
وعليه; فقصص الأيام العربية، وتراث الأنساب بالإضافة إلى بعض الأشكال التاريخية التي كان مهدها أواسط الجزيرة العربية والحجاز خاصة ; كانت مسجلة بفعل وتأثير بعض الأقطار المجاورة للعرب والتي كانت أقرب للتأثير الثقافي مثل اليمن والشمال (2).
أما عن الخطوط التي ظهرت في هذا الوسط، فقد كان أولها الخط المكي، ثم تلاه الخط المدني، وكلاهما ألفاته تعويج إلى غية اليد وأعنى الأصابع، وفي شكله انضجاع يسير (3). كما أنه لم يمنع أمر صعوبة الوسائل المستخدمة في الكتابة العرب من عدم التسجيل أو التدوين أو الكتابة فقد كان لديهم: العصب، واللخاف ، والأفتاب، وعظام الأكتاف، والجلود التي كانت تدبغ في الطائف العربية، وعدم صعوبة الكتابة عليها، فقد استخدموها، وورثها اللاحقون من السابقين.
وإذا كان المؤرخ البلاذري صاحب كتاب: (فتوح البلدان) قد أشار إلى قلة الكتاب في قريش حين قام فيها الإسلام، وحدد عددهم بسبعة عشر فقط لا غير (4) ، فإنه بالدرس والتمحيص قد ثبت من المصادر التي جاءت بعد البلاذري، وكذلك الأسماء العديدة التي وردت عند غيره من المؤرخين والكتاب: عدم دقة المعلومات التي ذكرها.
واذا كان محمد بن سعد، صاحب كتاب ( الطبقات) قد نحى نحو المعلومات التي قال بها البلاذري في ذكر هذا الأمر : فإن أحد الباحثين المحدثين، وهو الأستاذ الدكتور ناصر الدين أسد، قام بفحص كتاب الطبقات لابن سعد بصفة خاصة، وكذلك المصادر الأخرى بصفة عامة ( التي عاصرته أو جاءت قبله أو بعده ) وقام بدراستها دراسة متأنية.
يقول الدكتور أسد: وابن سعد ينسى عدداً كبيراً من الرجال كانوا يكتبون في الجاهلية، ولكنه لا يكاد يذكر ذلك حتى يعقب عليه بقوله: (وكانت الكتابة في العرب قليلة). وذلك عند ذكر ترجمة كل الذين يكتبون في العصر الجاهلي، فإن عدد الذين ذكرهم ابن سعد من الكثرة بحيث لا يصح له أن يكرر عبارته تلك كلما ذكر قارئا جاهليا (5) .
ونقول بدورنا: إنه من المؤسف حقاً أن هناك فراغاً جسيماً عند كثير من الباحثين حول مسألة الكتابة عند العرب، وكلهم يعتمدون على رواية البلاذري دون تمحيص أو دراسة، ولعل هذا ما دفع إلى الإساءة إلى العرب عامة، ومن ثم الإساءة إلى الإسلام الحنيف - دين العلم والمعرفة - بأسلوب خفي.
وممن كان له دور في ذلك جورجي زيدان - الذي نقدره ونحترمه رغم خلافنا معه في العديد من المسائل - الذي أراد أن يعطي شيئاً من التعليل المنطقي في محاولة للتأثير على الفكر العربي بوجه عام، والإسلامي بشكل خاص، حيث أرجع تأخر الخط والقراءة والكتابة في بلاد الحجاز وعرب مضر إلى سبب البداوة الغالبة عليهم !! والكتابة من الصنائع الحضرية ( 6) .
ورغم ما على كلام جورجي زيدان من الملاحظات العديدة; فإننا سوف نكتفي بما تناوله بعض الباحثين المحدثين الذين بحثوا القضية، وردوا رداً علمياً مفنداً للروايات التي سبق وأشرنا إليها.
تقول: إن كلمة القراءة ومشتقاتها المختلفة وردت قبل الإسلام، وكرمها الإسلام في القرآن الكريم ، حينما نزلت بها أول آية من آياته المطهرة، يقول المولى تعالى: (ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ (1), خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ (2) ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ (3) ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ (4) عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ (5))
إن المقرون بالقراءة الكتابة ووسائلها، وقد عرفت الكتابة عند العرب القدماء بالقلم، وجاء ذلك في قوله سبحانه وتعالى: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسَطُرُونَ ) (القلم:1),، والسطر هذا الكتابة.
وجاء في قوله تعالى: ( أَوۡ يَكُونَ لَكَ بَيۡتٞ مِّن زُخۡرُفٍ أَوۡ تَرۡقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤۡمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيۡنَا كِتَٰبٗا نَّقۡرَؤُهُۥۗ قُلۡ سُبۡحَانَ رَبِّي هَلۡ كُنتُ إِلَّا بَشَرٗا رَّسُولٗا) (الإسراء : ٩٢).
والمعنى: ويكون لك بيت من ذهب، أو ترقى في معارج السماء، ولن نؤمن أنك رقيت إليها حتى تنزل علينا منها كتاباً نقرؤه يشهد لك بصدق النبوة، فقل أنزَّه ربي أن يتحكم عليه بمثل هذه الخيالات، فهل أنا إلا بشر رسول من الذين يرسلهم الله تعالى إلى أقوامهم (7) .
والآية تعبر عن مقترحات الوثنيين أو العرب الجاهليين، ونستنتج منها بوضوح أن الأمة التي لا تعرف الكتابة ولا القراءة لا تطلب أن ينزل عليها كتاباً ، والأمة التي لا تملك إلا القليل من أهل القراءة من المستحيل أن تطلب الكتاب بوصفه دليلاً عاماً لها.
كما جاء في آية أخرى من آيات الذكر الحكيم : ( بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ) (المدثر:53 ).
و(صُحُفًا مُنَشَّرَةً ) أي قراطيس تنشر وتقرأ، والمعنى بل يريد كل امرئ منهم أن تنزل عليه صحف خاصة منشورة ومعنونة باسمه (8) .
أي: أنهم يطلبون الكتب ليقرؤوها بطريقة جماعية أو فردية، بل يطمع كل منهم أن ينزل عليه كتاب خاص به من السماء، فهل بعد ذلك يمكننا أن نقبل القول : بأن الكتابة كانت قليلة في بيئة ينزل عليها القرآن الكريم ؟القرآن المجيد بما يتضمنه من تصوير كامل لهذا المجتمع المنتشر فيه القراءة والكتابة بجانب ملكة الحفظ التي برع فيها العرب (9). ونقول: إن القرآن الكريم ذكر أدوات الكتابة التي كانت شائعة ومألوفة ومستعملة في البيئة العربية، والتي يعرفها المجتمع العربي جيداً ، وإلا لما ذكرها القرآن الكريم، ومن ذلك ما جاء في قوله عز وجل : ( وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) (الأنعام :7 ).
والقرطاس ( بكسر القاف أو ضمها أو فتحها )هو الصحيفة التي يكتب فيها، والمعنى: لو نزلنا عليك كتاباً مكتوباً على ورق فلمسوه بأيديهم، لقال الذين كفروا : ما هذا إلا سحر مبين (10) .
ويقول تعالى: ( وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (الأنعام :7 ).
والمعنى : ولو أن ما في الأرض من الشجر أقلام، والبحر مداد تمده سبعة أبحر مثله، ما فنيت حكم الله وآياته المحكمات، إنه عزيز حكيم (11), .
ويقول العلي القدير: ( وَالطُّورِ (1), وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3)) (الطور).
(وكتاب مسطور ) أي مكتوب ، يقال: سطر، يسطره، سطراً، أي كتبه، والمراد بالكتاب في الآيات القرآن الكريم ، أو ما كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ، وفي تفسير : في ألواح نبي الله موسى السلام.
و( رَقٍّ مَنْشُورٍ) الرق هو الجلد الذي يكتب عيه، على عادة القدماء، قبل اختراع الورق (12) .
نعود لنقول: إن هذه الآيات جميعها تؤكد معرفة العرب القدماء بالكتابة وأدواتها المختلفة، بل لا تقتصر على ما ذكرنا لك، بل تمتد إلى أكثر من ذلك، حيث تذكر الجلود، والقراطيس (الورق من بردي أو غيره) ، والوسيلة المستخدمة في الكتابة هو القلم، والسائل المستخدم هو المداد (الحبر).
وختاماً : كان ذلك ما أمكنا التوصل إليه ، من مطالعتنا لبعض كتب التفسير المعروفة لكتاب الله المجيد، وكذلك ما توصل إلى استنتاجه والخروج به بعض الباحثين الأجلاء، نذكر منهم : الأستاذ محمد عزه دروزه في مقالته المعنونة بـ: (نظرة في رواية تأخر الخط العربي)، والمنشورة في مجلة مجمع اللغة العربية في القاهرة سنة 1964/1965م. وكتاب الأستاذ أمين مدني (التاريخ العربي ومصادره)، والذي نشره ضمن سلسلة ( العرب في أحقاب التاريخ) – الكتاب: (مصادر الشعر الجاهلي) ، للدكتور ناصر الدين الأسد، وغيرها مما استفدنا إليه في هذه السطور.


الهوامش والأسانيد:
1. حسين محمد سليمان ، التراث العربي الإسلامي : دراسة تاريخية و مقارنة ، دار الشعب ،القاهرة ، 1987م ، ص 316 وما بعدها ، بتصرف.
2. رورلتال ،علم التاريخ عند المسلمين ، ترجمة :صالح العلي ،الطبعة الثانية ، بيروت ،لبنان ، ص 21-25 .
ابن النديم ،الفهرست ،دار المعرفة ، بيروت ، لبنان ، ص 7 وما بعدها .
3. البلاذري ،فتوح البلدان ،القاهرة ، 1956م ، 2/580.
4. ناصر الدين الأسد ، مصادر الشعر الجاهلي وقيمته التاريخية ،الطبعة السادسة ، القاهرة ، ص 42 – 43 .
5. جورجي زيدان ، تاريخ التمدن الإسلامي ، تعليق : حسين مؤنس ،دار الهلال ،القاهرة ، 2/51.
6. محمد فريد وجدي، المصحف المفسر، دار الشعب، القاهرة، 1977م، تفسير سورة الإسراء.
7. محمد فريد وجدي، المصحف المفسر، مرجع سابق، تفسير سورة المدثر.
8. حسين محمد سليمان، التراث العربي الإسلامي، مرجع سابق، ص218، يتصرف.
9. محمد فريد وجدي، المصحف المفسر، مرجع سابق، تفسير سورة الأنعام.
10. محمد فريد وجدي، المصحف المفسر، مرجع سابق، تفسير سورة لقمان.
11. محمد فريد وجدي، المصحف المفسر، مرجع سابق، تفسير سورة الطور.


الكتابة .. ودورها في النهوض الثقافي
Ehsan Logo