تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

أصالةُ التجربة الحوارية في الصالونات الثقافية في المجتمع

أصالةُ التجربة الحوارية في الصالونات الثقافية في المجتمع

بقلم الشيخ عبدالمقصود بن محمد سعيد خوجة

 

تعريف " الحوار" فيما نحن فيه أحسب أنه يعني ( المراجعة أو المناقشة أو المفاهمة بين فردين أو مجموعتين أو أكثر للوصول إلى نتائج مرضية) ويتندرج تحت مسمى الحوار : المفاخرة والمناظرة والمداولة، والمفاهمة، والمناقشة، والمشاحنة، والمجادلة، والمساءلة، والمناجاة، والمناصحة) .

ومن المعلوم بداهة أن الحوار معروف في كل المجتمعات، وبداياته نشأت مع بدايات اللغات، وقد عرف في مجتمعات الجزيرة بدءًا من " الخباء" حيث يجتمع القوم مع زعيم القبيلة يتشاورون يتحاورون في شؤونهم سلمًا أو حربًا، ولا تخلو ساحتهم من أغراض الشعر كالفخر والهجاء والرثاء وغيرها، والتي كانت تدار فيها أشكال معروفة من الحوار النثري والشعري، حيث كان الرواة يسهمون في نقل ما يدور في هذه المواسم الثقافية إلى أصقاع جزيرة العرب.

كما شهدت فترة ما قبل الإسلام بيوتات عريقة للحوار مثل دار عبدالله بن جدعان التي تعرفي فيها الرسول الأمين بأبي بكر الصديق رضي الله عنه، ودار الندوة، ودار الأرقم بن أبي الأرقم، وبظهور الإسلام أخذ المسجد دوره الطليعي في استقطاب الحوار .

وباعتبار أن لكل أمر بداية فليكن الحديث عن بداية العهد السعودي في الحجاز أي سنة 1343هـ الموافق 1923م ، وباعتبار أن المسجد يمثل قطب الرحى في حياة كل فرد في المجتمع، خاصة في الحرمين الشريفين بمكة المكرمة والمدينة المنورة، حيث كان الناس بدون استثناء يؤدون الفرائض الخمس في الحرم، وبطبيعة الحال يدور حوار بين المصلين قبل وعقب الصلاة، خاصة الفترة التي تأخذ القسط الأكبر من الحوار وهي بين العشاءين إذ تمتد لأكثر من ساعة، فيغتنم المصلون هدأة الليل وروحانية المكان لتكوين مجموعات ذات خصوصية في تناول ما يهمها من موضوعات ثقافية وفكرية. 

وعلى صعيد آخر نجد أن ما يعرف ب " البشك" كانت تجمع بعض ذوي الميول المتقاربة في منزلة أحدهم وتدار فيها الأحاديث المتنوعة والترفيه عن النفس واللهو البريء، وكانت بعض هذه "البشك" ذات ميول أدبية يتناول روادها الشأن الثقافي ، ومن أشهرها ما كان للأساتذة محمد سعيد عبدالمقصود خوجة، ومحمد سعيد العامودي، ومحمد عمر توفيق – رحمهم الله – ومن البشك المعروفة في المدينة المنورة ما كان للسيدين عبيد وأمين مدني، والسيدين علي وعثمان حافظ وحسن صيرفي " رحمهم الله " 

كما عرفت في ذلك الوقت ما يسمى ب" الجلسات" في مكة المكرمة، وب" الدكك" في المدينة المنورة، وكانت تعقد أمام المنازل بين العصر والمغرب،، وكان منها لبعض المثقفين مثل الشاعر الكبير أحمد إبراهيم الغزاوي وعبدالرحمن بابصيل، والشاعر الكبير حسين عرب – رحمهم الله – في مكة المكرمة، ومن أشهرها في المدينة المنورة " دكك" أحمد الرفاعي ودياب نصر وعباس قمقمجي ( رحمهم الله ) وتزامنت معها ما يسمى ب" المراكيز" في مكة المكرمة، و" المجالس" في المدينة المنورة، وهي عبارة عن مقاهٍ في أطراف المدن يجتمع فيها الناس لتناول الشاهي بين العصر والمغرب، ويرتادها مختلف الطبقات الاجتماعية ومنهم كبار الأدباء، حيث ينقسم المثقفون إلى مجموعات لكل منهم " مركازه" وكان هناك " مراكيز " لكبار الشعراء والأدباء أمثال حمزة شحاته ومحمد سعيد عبدالمقصود خوجه، والقنديل، وغيرهم – رحمهم الله – وقد أفرزت مثل هذه " البشك" و" المجالس" كتاب " وحي الصحراء" عام 1355هـ وتقويم أم القرى وجريدة " البلاد السعودية" عام 1365هـ وغيرها . 

وقد انفردت المدينة المنورة بما حباها الله من بساتين تحيط بها، مما أتاح لمثقفيها عقد عدد من المجالس الأدبية، فيها مثل مجلس الشاعر عبدالجليل برادة المدني"رحمه الله" بالإضافة إلى مجلس الشيخ عمر كردي الكوراني، وهو أحد قضاة المدينة المنورة وشعرائها المرموقين، وكانت تعقد المجالس بين المغرب والعشاء، أما مجلس الأستاذ عبدالقدوس الأنصاري" رحمه الله" فقد انتقل إلى جدة عام 1360هـ وقد أفرزت تلك المجالس مشاريع ثقافية مثل مجلة" المنهل" التي انطلقت عام 1355هـ وتلتها جريدة " المدينة المنورة" عام 1356هـ كما كان هناك مجلس يقام في بيت الأستاذ علي آل مبارك بالأحساء. 

كما واكب ذلك الحراك الثقافي مجالس أدبية تعقد في مكاتب رؤساء تحرير الصحف بدءا من سنة 1355هـ وتحديدا ما كان يعقد في رئاسة تحرير جريدة " أم القرى" وفي مطبعة الحكومة عندما تولى الأستاذ محمد سعيد عبدالمقصود خوجة – رحمه الله – رئاسة تحريرها، ومن ثم " صوت الحجاز" و" البلاد السعودية" الجريدة اليومية الأولى في تاريخ المملكة، بمكتب رئيس تحريرها الأستاذ عبدالله عريف – رحمه الله – واستمرت هذه المسيرة بصدور صحف : الندوة، وحراء، وقريش، وعكاظ، وكان يشارك في هذه اللقاءات الأساتذة: محمد حسين زيدان، ويس طه، وأحمد القنديل، وحمزة وأخيه محمد نور شحاتة، وعبدالسلام، والساسي، وأحمد عبدالغفور عطار وغيرهم " رحمهم الله " كما صدرت في الرياض مجلة " اليمامة" عام 1372هـ وانبثقت عنها جريدة " الرياض" سنة 1385هـ ولم يغب عن الساحة أدباء كبار أمثال الأستاذين : عبدالله بن خميسن وعبدالله بن إدريس، وخلال فترات الإعداد لصدور الصحيفة يدور حوار بين المثقفين حول مختلف شؤون الساعة، والقضايا الأدبية والثقافية والفكرية التي على الساحة آنذاك، والملفت للنظر أن زوار المملكة من علماء وأدباء وشعراء وزعماء بعض الدول العربية والإسلامية، كانوا يرتادون هذه المجالس، ويلتقون بأدبائها ويشاركون فيما يدور من حوارات أدبية وثقافية وفكرية متنوعة. 

وكان زخم ما ذكرت وقطب دارته العاصمة مكة المكرمة حيث كانت آنذاك تدار منها جميع الشؤون كعاصمة للمملكة العربية السعودية، وعندما انتقل جزء من هذه الإدارة إلى جدة في منتصف الستينيات الهجرية، بدأت تتغير الكثير من الملامح الأدبية والثقافية في مكة المكرمة بالذات باعتبار أن أكثر موظفي الدولة كانوا من كبار الأدباء والشعراء أمثال الأساتذة السيد حسن كتبي، ومحمد عمر توفيق، ومحمد حسين زيدان، وأحمد قنديل، وحمزة شحاتة، وعزيز ضياء وغيرهم. 

وبدأت تعقد المجالس في جدة ومن أشهرها وأقدمها مجلس الأفندي محمد نصيف، في دار نصيف، التي نزل بها الملك عبدالعزيز عند قدومه جدة لأكثر من مرة، وكان مجلسا يرتاده رجالات الأدب والثقافة والعلم وغيرهم لعلم وثقافة صاحبها وفخامة ورحابة الدار، بالإضافة إلى مجلس الشيخ البسطي الصباحي الذي كان يرتاده الأمير عبدالله الفيصل وبعض الأدباء مثل الأستاذ الشاعر الكبير السيد محمد حسن فقي " رحمه الله" ومجلس الأستاذ عبدالعزيز الرفاعي الذي كان يعقد مساء في دارته وغيرهم. 

وقد تبلورت هذه المجالس إلى منتديات- وأتمنى أن نشير دائما إليها بكلمة منتديات بدلا عن صالونات- وبانتقال العاصمة إلى الرياض سنة 1375هـ الموافق 1955م انتقل إليها الأستاذ الرفاعي وتبلور أول منتدى أدبي بالمملكة وعقد أسبوعيا وسمي ب" الخميسية" لأنه يعقد مساء كل خميس، وارتاده كل الرواد ممن عاصروا تلك الحقبة زمن زار المملكة من العالم العربي والإسلامي ومن هنا بدأت تظهر هذه الواحات الجميلة لهذه المنتديات في مدننا المتناثرة، ومن أبرز منتديات الرياض ضحوية الشيخ حمد الجاسر، وإثنينية الشيخ عثمان الصالح – رحمهما الله – وانتشرت المنتديات الأدبية والثقافية والشعرية بشكل كبير في مختلف مدن المملكة، ومما لا شك فيه أن النهضة الاقتصادية والعمرانية والحضارية كان لها دور كبير في هذا الانتشار المشكور، وكلها واحات خيّرة ونوافذ عطاء مهما تنوعت أطرها وفعايلاتها، واختلفت نوعيات عطائها، هذه التجربة والتواصل بين المثقفين لم تخلق مشاحنة أو بغضاء بين مختلف التيارات الأدبية، ومما لا شك فيه أن هذه المنتديات قامت بدور كبير في تأطير الحوار بين المثقفين .

وكان هناك أيضًا منتدى " الاثنينية" الذي شرفت بعقده في دارتي بجدة منذ 1403هـ وهو المنتدى الأدبي الوحيد بالمملكة والعالم عبر التاريخ الذي وثقت فعالياته بالصوت والصورة، والرصد على الإنترنت، ثم نشرت في سلسلة مجلدات صدر منها حتى الآن اثنان وعشرون جزءا في أربعة وعشرين مجلدا، وفي أقراص مدمجة ( CD ) بالإضافة إلى كتب أخرى مجموعها تسعة وستون عنوانا في مائة وخمسة وعشرين مجلدا . 

وإذا أردنا أن نتكلم عن تجربة هذا الحوار الثقافي فيمكننا القول إنه قد أسفر عن مساجلات أدبية مشهورة على صفحات الصحف، منذ عهد جريدة " أم القرى" بين محمد سعيد عبدالمقصود خوجة وصديقه الحميم الأستاذ الكبير أحمد السباعي " رحمهما الله" في بعض حلقات " الغربال" و" المنسف" وموضوع " جيم جدة" بين الأستاذين الكبيرين عبدالقدوس الأنصاري وحمد الجاسر – رحمهما الله- وسلسلة مقالات " البهاء زهير – شاعر حجازي" وشهدت الصحف مشاكسات بين الأستاذ ين الكبيرين أحمد عبدالغفور عطار ومحمد حسين زيدان – رحمهما الله – والمعارك الأدبية التي كان يختلقها الشيخ أبو تراب الظاهري – رحمه الله – إلا أنه من الملاحظ أن كل هذه المعارك كانت حوارات ثقافية متكئة على آداب الحوار وعلى المصادر العلمية، مبتعدة في مجملها عن خدش أسس الحوار الحضاري، وكان يؤطرها حسن القول وبلاغة الحجة والبرهان والدليل ، وقد كانت كلها محركات ثقافية جيدة. 

إن قضية الأصالة في هذا السياق مسألة نسبية وأعتقد أن اللغة الحوارية السائدة التي أشرت إليها تمثل عتبات الأصالة، وأن التوافق والرؤى الموحدة تؤكد أن نجاح الحوار يجنح إلى الاتفاق في الأفكار والمبادئ والرؤى، وليس بالضرورة تطابق وجهات النظر، كما لا ينبغي أن يكون توافقيًّا أو منقسمًا على نفسه أو مختلفًا بالكلية في كل الطروحات، لأن هذا يؤدي بالتأكيد إلى الفشل الذريع، وفي ذات الوقت نرحب بالاختلاف الحضاري، وهو اختلاف وجهات النظر مع احترامها، وهو يشكل الجزئية القيمة والمدخل الأساسي إلى مجال الأصالة .

وإذا أردنا أن نستفيد من هذه التجربة، ونستمزج منها روح الأصالة لهذا الحوار فإننا بهذا نرتقي بها لنصل إلى المبتغى من درجات التحضر، وليس من سبيل إلا إذا اتبعنا سبل الحوار المطلوب والتقاليد والآداب المؤطرة بالكتاب والسنة التي لا خلاف عليها حتى يستقيم على ضوئها الحوار ، والتي من أهمها: 

أولا: الاختلاف واقع لا مفر منه، وأمر فطري وطبيعي، ورد فيه قوله سبحانه وتعالى ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين) 

ثانيا: الحوار مع الآخر لا يعني محاولة إثبات أحدهما أنه على حق، وإنما هو وسيلة لغاية مأمولة وهي التعايش وتبادل الاحترام. 

ثالثا: أخذ دورك في إبداء وجهة نظرك ثم تركك الفرصة للآخر ليبدي رأيه. 

رابعا: نهاية الحوار قد تكون بالإقناع وسيادة الحق، أما اتخاذ الحوار كنوع من الإطاحة بالآخر فهذا أمر مرفوض. 

خامسا: حسن الاستماع، لأن قدرة الإنسان على الاستماع وضبط أعصابه وإنصاته يمنحانه القول بما يتفق مع العقل. 

سادسًا: حسن الظن بتقديمه على سوئه، والتسامح بين المشاركين في الحوار .

سابعًا: النصيحة يجب أن تؤدى سرا، وألا تكون جهرا لئلا يشيع الجفاء بين الناصح والمنصوح ، وللحفاظ على الخصوصية. 

إن المحاضن التربوية ومراكز الأحياء والإعلام بجميع جوانبه ، والمجالس البلدية، والغرف التجارية، وأي تجمعات كانت ، مسؤولة عن تنمية ونضج آليات ثقافة الحوار ، فالجميع مسؤولون عن ضبط لغة الحوار، والبعد عن كل ألوان التشنج والانفعال وتبادل التهم حتى نصل إلى مجتمع راق ونزيه. 

ومن المؤكد أن لكل صاحب منتدى قدر من المسؤولية المناطة به، وكلهم قادرون بإذن الله على الحفاظ على الثوابت وأهمية إعادة الحوار إلى شكله الموضوعي إذا حدث خروج عن الأسس المتفق عليها للحوار. 

وكما هو مفهوم فإن الاستماع إلى مختلف وجهات النظر لا يعني بالضرورة الأخذ بها، لكنه من الخير أن نقف على عتبات بعضنا البعض ومعرفة بعضنا البعض، مع الحفاظ على خصوصية هذه المنتديات دون تدخل من أي جهة كانت ، وأن تمنح مساحة كافية ومناسبة من خلال وسائل الإعلام بجميع أوجهها باعتبارها جزءًا مكملًا للنسيج الثقافي بناء لارتكازها على قاعدة عريضة، ولكونها شريحة مهمة من شرائح المجتمع. 


أصالةُ التجربة الحوارية في الصالونات الثقافية في المجتمع
Ehsan Logo