تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

التاريخ ميدان للدراسة والاعتبار

التاريخ ميدان للدراسة والاعتبار

عبدالله بن حمد الحقيل

 

للمؤرخ رسالةٌ جليلةٌ يستهدف من خلالها الحقيقة التاريخية صافية نقية بعيدة عن أي غرض أو هوى أو تيارات سياسية ونزوات عاطفية، وهناك عوامل لابد أن تبرز عند كتابة التاريخ ينفعل بها ضمير المؤرخ، ومن العبث أن نحاول تجريد التاريخ – ولا سيما الإسلامي- من القيم والمثل التي يحفل بها وما لها من وقع وتأثير . وأهم خاصية للتاريخ الإسلامي أنه تاريخ ضخم فاعل يملأ نفس صاحبه بالشعور والأمل والعيش في جو الإسلام وفتوحاته وانتشاره كعقيدة وفكر ونظام وحياة، وهي من دعامات التاريخ. 

ولقد ارتبطت كتابة التاريخ منذ البداية بعلم تقويم البلدان والجغرافيا، وإن التاريخ العربي الإسلامي تاريخ ثر وحافل، جسّد حضارة المسلمين التي بلغت أوجها، فلنجعل منه مناسبة لتقوية العزائم واستنهاض الهمم وتجديد الأمل، والتاريخ مدرسة يستفيد فيها اللاحقون من تجارب السابقين ليتمكنوا من فهم الأحداث التاريخية وربط بعضها ببعض وإدراك ما بينها. 

ومن المعروف أن التاريخ لا يشبه العلوم السائرة فالحادثة التاريخية لا تتكرر، وقلما ينقلها اثنان بأسلوب واحد لأن أثرها في شخص ما قد يختلف عن أثرها في شخص آخر، ولقد كان مؤرخونا من أحرص الناس على تحري الصدق في رواية الأخبار، وقد نشأ عدد كبير من المؤرخين الثقات خطّوا تاريخ أمتنا في كتب ومؤلفات نفيسة، ولاشك أن بعض هذه الكتب تحتوي على مبالغات، وإنّ التاريخ اليوم كغيره من المواد والعلوم أصبح له قواعد علمية ومناهج راسخة وأساليب حديثة ووثائق تعتمد عليها الكتابة التاريخية، والرواية التاريخية بدون الوثائق والأسانيد التي تدعمها وتثبت صحتها، تحتمل التغيير والتبديل والزيادة والنقصان على مر العصور والأجيال. 

حقيقة إن الأجيال في حاجة إلى تاريخ أمين صادق يتعرف على هؤلاء من خلاله على تاريخ أمتهم، وما يحفل به من علوم ومعارف وآداب وفضائل، وخاصة أن أعداء الإسلام يعمدون إلى تشويه سمعته وإلصاق التهم به، ويتعمدون الانحراف بالتاريخ عن طريق التلاعب بأحداثه، فهناك من يزيف التاريخ على هواه لغايات في النفوس أو الجهل بالحقيقة. 

إن في تاريخنا عبرًا ودروسًا لم يريد الاعتبار والفائدة في مختلف المجالات، في الحرب والسلم والداء والتضحية والقوة، والضعف والتسامح والإيثار والتآخي والوفاء وكرم النفس والعفو عند المقدرة.. ولقد قيل: 

ومنْ وعى التاريخ في صدره

أضاف أعمارًا إلى عمره 

 

يروي المسعودي المؤرخ المعروف أن معاوية بن أبي سفيان كان يستمر إلى ثلث الليل في سماع أخبار العرب وأيامها والعجم وملوكها وسياستها لرعيتها، وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة .

ويحق للتراث الإسلامي أن يفخر بعدد كبير من المؤلفات لا يرقى إليه تراث أي حضارة أخرى في العصور القديمة والوسطى، فمن خلال قراءة التاريخ نتعرف على أشياء كثيرة وحقائق عديدة وتجارب مختلفة، فحوادث التاريخ ليست منقطعة الصلة بين عصر وعصر، فالتاريخ مدرسة واسعة ووسيلة مثلى للارتقاء بالمفاهيم والأفكار ، كما أنه يعتمد على التسلسل الزمني، فالتاريخ مصدر صالح لعدة أنواع من الدراسات وذلك لتنوع مادته وخصوبتها، ومازال التاريخ في حاجة إلى الشرح والتحليل ليجلو ما انطوت عليه نفوس كتاب التاريخ الغربيين من حقد وحسد وعداوة للإسلام والمسلمين، وتلاعب بأحداثه وحوادثه المتلاحقة. 

إن علينا أن نكون حذرين تجاه كل المقولات والدعوات الظاهرة والمستترة التي تريد مسخ ذلك التاريخ وتشويهه عن نية مبيتة من الأعداء الذين يحرصون على ألا نجد في تاريخنا ما نفتخر به ونعتز، ليظل الإعجاب والإكبار لغيره والتأثير لسواه. 

ويروى عن السلطان الظاهر بيبرس أنه كان يردد دائما عبارة " سماع التاريخ أعظم من التجارب" ولذا علينا ألا نتجاهل تاريخنا بل يجب أن نحرص على تثبيت ما كان صحيحا منه، وإبعاد المكذوب فيه، وأن ندرس التاريخ الإسلامي دراسة صحيحة تساعدنا على فهم أحداثه، والعوامل التي أدت إلى تقدم المسلمين وتأخرهم في الفترات المختلفة من التاريخ الإسلامي، ومن كل نواحيه الاجتماعية والفكرية والسياسية والاقتصادية. 

ومن هنا يتبين الدور الكبير لرسالة المؤرخ ودوره في الحياة، ما دام الهدف هو الوصول بالتاريخ إلى المستوى المنشود والمنهج التاريخي السليم والأمانة العلمية. 

التاريخ ميدان للدراسة والاعتبار
Ehsan Logo