تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

المعرفة المستدامة في عصر الاتصال

المعرفة المستدامة في عصر الاتصال

بدر الحسين


لا يكاد يمر يوم أو ساعة من غير أن تطرق أسماعنا كلمة " المعرفة" مرات وكرّات عبر البرامج الثقافية، والفنية في برامج الإعلام الرسمي ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي المتنوعة ، إضافة إلى الصحف والمجلات الورقية والإلكترونية . 

فما السر وراء انتشار هذه الكلمة؟

وأيّ سحر تمتلكه؟

المعرفة بوصلة العقل وغذاؤه، ودليله إلى الوصول إلى العلم الذي يُجلي بدوره التصورات ويثبت الحقائق، وهي الركيزة التي يقوم عليها الفكر المستنير في إدراك الظواهر المختلفة، ومن ثم تفسيرها وفق أسس منهجية وعقلية وعن طريق المعرفة تنكشف أسرار العالم من حولنا ويصبح المجهول معلوما والحلم حقيقة، والمعرفة قوة مولدة للمعاني ، تمنح الأشياء معاني جديدة وتجدد المفاهيم وتُلبسها حُللًا قشيبة، وهي فرصة ذهبية لتعزيز التمازج الثقافي بين أبناء الإنسانية في فضاءات مفتوحة.

والمعارف الإنسانية المتراكمة على اختلاف أصنافها وتعدد اتجاهاتها وتنوع مشاربها أنارت الطريق أمام البشر على مر العصور ووسعت آفاق مداركهم وضاعفت طموحاتهم فجابوا الفضاء، ومخروا عباب البحار والمحيطات وسبروا أغوار الأرض، ليشيدوا الحضارات التي تعكس القدرات الهائلة للإنسان الذي إنما هو سفير الخالق عز وجل إلى المعمورة.

وفي العصر الراهن ضاعف العقل البشري نطاق تساؤلاته وفضوله وحوّل الأخيلة إلى حقائق ملموسة كاشفًا عن حجب المكان والزمان فقرّب البعيد واختصر المسافات والأزمنة من خلال التطور التكنولوجي الذي تجلّى في الثورة الرقمية التي يشهدها العالم ، إذ أصبح العالم قرية كونية يتصل أقصاها بأدناها وتنتقل الأخبار والأحداث من قارة إلى أخرى بطرفة عين من خلال شاشة لا تزيد مساحتها على راحة اليد، ولا يقف العقل البشري عند هذه الحدود بل راح يتبطن أسرار النفس البشرية ، ويزيل اللثام عن كثير من مكوناتها الدقيقة ، ليقدم نظريات جديدة ومعارف مبتكرة أغنت الساحة الثقافية في مجال التنمية البشرية وتطوير الذات، وألهمت القوى الشبابية الرائدة أفكارًا إبداعية تحمل في طياتها روح العطاء ومعاني الإنجاز وقوة التأثير وصناعة الفرق. 

وفي سياق متصل فإن المعرفة تعمق الوعي وترتقي بالتفكير وتنقل الإنسان من مربع محدود إلى فضاءات لا متناهية، وتساعد على فهم الذات وتحديد مواطن الميول الشخصية، إضافة إلى كونها تمهد الطريق لتتبادل المجتمعات الخبرات والمهارات ما يوسع نطاقات الفكر ويولّد مساقات جديدة تعود على البشرية جمعاء بمزيد من النفع. 

ومما لا شك فيه أن المعرفة خير وسيلة لمدّ جسور الحوار والتواصل البنّاء لتحقيق التفاهم الثقافي بين الشعوب، الأمر الذي يسرّع من عجلة التنمية البشرية على المستويات كافة ويعزز فرص السلام المستدام، ويخلّف إرثًا حضاريًّا نافعًا للأجيال القادمة.

ويبقى السؤال قائمًا: كيف نحصل على المعرفة؟ وكيف نوظفها في الاتجاه الرشيد؟

لم يعرف التاريخ عصرًا تقوضت فيه سبل احتكار المعرفة وتوافرت فيه قنوات تحصيلها كهذا العصر الذي زوّد القاصي والداني بطاقات هائلة للتواصل وتطوير القدرات وتنمية المهارات وابتكار الأفكار والمبادرات، ووفّر للجميع فرصًا عظيمة لإدارة دفة التغيير عبر مشروعات استراتيجية مصحوبة بقيم إنسانية راقية ومطلقة لغد أفضل وأجمل للعالم أجمع.

ولم يقف الأمر عند ذلك بل تجاوزه لتصبح المعرفة موردًا أساسيًّا من موارد اقتصادات الدول عن طريق إعادة إنتاجها باحترافية وتركيز، ووضعها في قوالب إبداعية ليُصار إلى استثمارها وتسويقها لدعم برامج التعلم والبرمجيّات المتنوعة في مؤسسات التنشئة والتعليم والمساهمة في صناعة مجتمعات المعرفة المرنة بما يوائم تغيرات العصر ويواكب عجلة التطور المتسارعة. 

وختامًا فإن أجمل وجه للمعرفة يتمثل في صناعة الحوار وإرساء قواعد التفاهم وتقويض أسباب الاختلاف وإزالة الحواجز الوهمية بين الإنسان وأخيه الإنسان والعناية بنقاط الالتقاء وتقبل الاختلاف والتنوع، وتسخيرها في إغناء المعرفة وإمدادها بروح جديدة.

وبالإرادة الخيّرة يسير مركب الحياة بانسياب نحو شواطئ الأمان والسلام، والعزيمة الصادقة والجهود الحثيثة بتحقق التقارب والائتلاف بين المجتمعات الإنسانية كافة، كما أن تعزيز المشتركات الإنسانية خطوة عملاقة نحو البناء وفرصة عظيمة أمام البشرية جمعاء نحو عالم يسود فيه الاستقرار والأان وتشرق في سمائه شموس الازدهار والسلام. 

وعندما تسري الطاقة الإيجابية في النفوس يتألق الوفاق والوداد وتتسع دروب الأمل، وتكثر مساحات التفاهم وتفوح زهرة التسامح والائتلاف وتقوى أواصر الألفة ويعم الخير والرخاء جميع أنحاء المعمورة . 



المعرفة المستدامة في عصر الاتصال
Ehsan Logo