أخلص للقصيدة وعاش لأجل الشعر: عودة الحياة إلى الأعمال الشعرية للعراقي قيس لفتة مراد
حجاج سلامة
يمثل الشاعر العراقي قيس لفتة مراد، صوتاً شعرياً مهماً، وهو ينتمي إلى الجيل الستيني الذي جدد في القصيدة العربية، ولا سيما في المضمون، كاللغة، والصور، والفكر الوجودي.. لكنه كان ينتمي لهؤلاء الشعراء الذين يطلق عليهم "أصحاب الحظوظ القليلة"، حيث جاء قيس لفتة مراد، في مرحلة ملتهبة بالتحولات السياسية والانقلابات. والأيدولوجيات التي دفعت بماكنتها الإعلامية أغلب الشعراء، وأهملت آخرين، فعزلت قيثارته في متحف تمنع الزيارة عنه.
أما الآن، وبعد أن نجحت الباحثة والناقدة العراقية، موج يوسف، في جمع وتحقيق ودراسة الأعمال الشعرية لقيس لفتة مراد، ونشرها في كتاب حمل عنوان "قيس لفتة مراد.. الأعمال الشعرية"، وصدر عن الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، فلم يبقى سوى الشعر سيد المنتصرين في هذا الوجود، وكأن الحياة عادت مرة أخرى للشاعر بعد رحيله، وكأنه أيضاً عاد إلى بيته الدائم القصيدة، ولم لا يعود وهو من أفنى روحه مخلصاً لقصيدته، كما تدلنا على ذلك مقدمة الباحثة والناقدة موج يوسف، والتي تؤكد لنا على أن الشاعر قيس لفتة مراد لم يعش إلا لأجل الشعر، وكأنَّه كان لا يرى نفسه الا أن يكون شاعراً... ولنقرأ له هنا تلك الأبيات التي توضح مدى إخلاصه لعالم الشعر:
وقصيدتي تنمو.. فأذهل عن
ساعات ليلي.. وهي تنصرف
أنا والقصيدة نبض خافقة
في صدر ليل حائر يجف
يوم تبعث القوافي
لكن، وكما تقول الباحثة والناقدة العراقية موج يوسف، فإن هذا الشاعر المخلص لشعره، لم يحفظ الإرث الذي يبقيه على قيد الشعر إلى يوم تبعث القوافي، لأنه كان يكتب القصيدة ويودعها عند أصحابه، أو يكتب ديواناً ويضع تخطيطاته، ويتركه عند صديق ما.
ومن ثم فإن عملية جمع أعماله الشعرية التي قامت بها "موج يوسف" كانت عملية شاقة، وما أن بدأت حتى توقفت جراء التداعيات التي فرضتها جائحة كورونا، إلى أن استؤنفت في شهر آيار/ مايو من عام 2022.
وحول تلك التجربة التي خاضتها في جمع الأعمال الشعرية للشاعر قيس لفتة مراد، تقول الباحثة والناقدة موج يوسف، إنها كانت مهمة شبه مستحيلة، وبدأت عندما كانت تبحث عن أحد قصائد الشاعر فلم تجد له ديوانا في مكتبات المتنبي، ولا على شبكة الانترنت، الأمر الذي أثار فضولها كباحثة، واشتد موج عنادها في البحث والسؤال عن هذا الشاعر وشعره، وبعد بحث وجهد تواصل معها ابنه الأستاذ طيف قيس لفتة مراد، وابلغها بأنه جمع القصائد، والدواوين من بعض الأدباء الذين جمعتهم الصداقة بأبيه، وعرض عليها أن تتولي عملية الجمع والتحقيق. لتكون بمجلد واحد.
يقول قيس لفتة مراد:
وحي النبوءات ان مرّ الزمان به
فالشعر للشاعر الموهوب إرث نبي
ويقول أيضاً:
تشُكّين أني شاعر أنا شاعر
كبير ولكن الحظوظ عواثر
ولا ذنب لي إن لم ينلني ناقد
يُعرف بي.. أو لم ينلني خابر
لأني أأبى أمرغ جبهتي
بأعتابهم إن مرّغ الوجه شاعر
حرام على قيثارتي أن أهينها
بزيف كما هانت لغيري القياثر
ولعل الأبيات السابقة، كما تروي لنا الباحثة والناقدة موج يوسف، تؤكد مدى إيمان الشاعر قيس لفتة مراد المطلق، بالشعر يحفظ له قصائده حتى وإن مرّ الزمان، فالشعر الإبداعي هو إرث نبي، لا يورث لمن بعده، ويظل محفوظاً في لوحة الإبداع مع يقين الشاعر قيس بأنه سيعاد بعثه مرة أخرى بعد سنوات، وهذا ما أخبره لاينه قبل موته، عندما قال له الابن: ما لا تجمع شعرك؟
فرد عليه: "سأموت وأُنسى ويُنسى شعري، وسيأتي جيل جديد يبحث عني ويُعيد بعثي مرة أخرى" وقد تحققت تلك النبوءة بالفعل.
المفقود من دواوينه
وقد تمثلت المرحلة الأولي من مشروع جمع الأعمال الشعرية للشاعر قيس لفتة مراد، تمثلت في جمع شعره كلّه، والمفقود من الدواوين والمسرحيات الشعرية التي لم تكن كاملة لما فيها من نقص بعدد الأوراق كـ "ملحمة جميلة"، و"الضحك ممنوع في المدينة"، وهي مسرحية شعرية، وأما المرحلة الثانية فهي الأصعب كما تقول الباحثة والناقدة موج يوسف، لأن نُسخ الدواوين كان قديمة، وعوامل التعرية الزمنية لم تتركها كما هي، فهناك العديد من القصائد ممسوح حبره ، وحاولت الباحثة قدر المستطاع أن تصل إلى الكلمة الموجودة في البيت الشعري، فوضعت هامشاً ورجحت عدة كلمات قد تكون إحداهن هي الصواب، ومنطلق الترجيح هنا لم يأت عبثياً، وإنما بمراعاة عدة أمور مثل الوزن الشعري، ومعنى البيت، والسياق العام للقصيدة، وترابط اللفظ مع المعنى.
المنهجية العامة في التحقيق
وأما المنهجية العامة في التحقيق، وجمع الأعمال الشعرية للشاعر العراقي قيس لفتة مراد، فقد بدأتها الباحثة والناقدة موج يوسف، بوضع أول ديوان مطبوع للشاعر عام ١٩٦٦ وكان بعنوان "أغاني الحلاج"، إلى آخر ديوان "الهزيع الأخير" عام ١٩٩٢. ومن ثم وضعت في النهاية القصائد التي لم تنشر بشكل نهائي، كذلك قامت بتعريف ما ورد في متن القصائد من أسماء أو قصص أجنبية، وأحيانا عربية في أبيات شعرية كان يضعها الشاعر تناصاً مع شعره.
وتلفت الباحثة والناقدة موج يوسف، إلى أن الأعمال الشعرية لقيس لفتة مراد، لا تقول عنها "الكاملة" وأشارت إلى أن بعض القصائد لم تجد إلا بعضاً من أبياتها كقصيدة "القلم" التي كتبها في تسعينيات القرن الماضي، في يوم شتاء قارص البرد، خرج الشاعر إلى الشارع وكان حذاؤه ممزقاً، فلم يكن لديه سوى قلم فباعه، واشترى بثمنه حذاءاً، فعاش بهاجس الندم: لبيع القلم "الباركر"، الذي ورثه عن أبيه، وأحاطه غيوم الغم لتفريطه بهذا القلم، وكتب القصيدة بعنوان: "في وداع قلم" يعتذر له عن بيعه:
أبيعك مرغماً ولأنت أدرى
فمثلك لا يباع وليس يُشرى
وما ملكت مثيلك في الليالي
أنامل قيصر أو كف كسرى
أبيعك مرغماً وأحس أني
بحقك حين بعتك نلتُ وزرا
فأخلق ألف تبرير لذنبي
وما أبقت لي الأعذار عذرا
يجوع المرء في الدنيا ويشق
ويلقى الضر مضطرا ويعرى
ولكن الحفى يؤذي ويزري
ولا يخفى إذا أخفيت أمرا
وتلك القصيدة هي أنسنة للجماد الناطق. وقد باح الشاعر بحزنه وهمه الأحد أصدقائه من التجار في بغداد، وعن أهمية القلم الذي فرط به، فأعطاه صديقه ثمن القلم لاستعادته، لكنه كيف يستعيده من الباعة في منطقة باب الشرقي وهم كُثُر وكانوا يأتون إلى المارة، ويعرضون عليهم شراء حاجياتهم الخاصة، فالبحث عن مشتري القلم يكاد يكون مستحيلاً. ويروى على لسان الشاعر أنه رأى أباه بالمنام يبلغه عن عودة القلم، فعاد إلى نفس المكان بمنطقة باب الشرقي فوجد الشخص الذي اشترى القلم، فإذا الشخص المشتري نفسه، جاء إلى الشاعر وأخبره أيضا أنه رأى أباء بالمنام، وحثه على إعادة القلم للشاعر، وهذا الأخير أعطاه ثمنه واستعاده من جديد.
وعلى شاكلة ذلك فإن هناك قصائد أخرى كتبها قيس لفتة مراد، ولم تعثر عليها المحققة والباحثة والناقدة موج يوسف، كما أنه له ديوان بعنوان "إله الرماد"، لم يتم العثور عليه إطلاقا، وله أيضا ديوان مخطوط من الشعر الشعبي، ومنعت عائلته نشره ضمن هذا الكتاب الذي بين أيدينا.
سيرة ذاتية
والشاعر فيس لفتة مراد (١٩٢٩ - ١٩٩٥)، ولد في مدينة تقع جنوب شرقي العراق تغفو على نهر الفرات، وتحتضن الأهوار، ونشأ بهذه المدينة كثير من الأدباء والكتاب، والفنانين، وظلت روح الحضارة السومرية كتميمة تحصنها من أيادي الشر التي تحاول العبث بها، إنها مدينة الناصرية التي يعود تاريخها إلى أولى الحضارات، فهي مهد الأنبياء الأوائل (ابراهيم عليه السلام). ولهذه المدينة أثر كبير بشعره، فقد عاد إلى ممالكها الأولى (أور، أوروك)، التي سماها (مدينة الشعر والحزن) في إحدى قصائده التي قال فيها:
وخطوطنا الخضر الشرائع
كلما ولد الضحى فبمالها يتعمد
ومنابت القصب الندي جذورها
من عهد (أور) لعهدنا تتجدد
مذ كانت الدنيا.. وفي آجامها
صيد يلوذ.. وصائد بترصد
ما ثقلت قصباته يد زامر
الا ورجع حنينها يردد
إن مدينته لم تكن إلا ناراً تُدفئ عروقه التي جمدها الاغتراب في بغداد، فالشاعر قيس لفتة مراد، من مواليد سوق الشيوخ في 1/7/1929، ابن المحامي لفتة مراد المولود في قضاء الرفاعي، ولم يكن أبوه مجرد محامٍ، بل كان أديباً، وكاتباً وقد أنشأ أول صحيفة في مدينة الناصرية واسماها (المنتفك): ويقال بأنه هذه التسمية هي التسمية القديمة للناصرية. وكان يمتلك مكتبة كبيرة فيها كتب التراث النادرة، بكافة المشارب الثقافية الإنسانية التي غذّت الشاعر منذ نعومة أظفاره، فكانت النهر الأول الذي يصب في عقله.
بعد الولادة بسوق الشيوخ عاد أبوه إلى الحضن الأول (قضاء الرفاعي)، فنشأ الشاعر هناك، ودرس بمدرسة الرفاعي الابتدائية، التي لم يقضي فيها سوى الطفولة الأولى بعدما انتقلت عائلته إلى المدينة ليتربى على كتب والده، فالدواوين الشعرية لكبار الشعراء هي من ربته على الشعر، وصقلت موهبته، كأبي العلاء المعري، والمتنبي، والحلاج، وأبي نواس، وهؤلاء تسللوا إلى قصائده.
ولم يقف عند هذا الحد من القراءة، بل قرأ رائعة ألف ليلة وليلة ، وكليلة ودمنة، ورسالة الغفران للمعري، وهذه المغذيات الأدبية ، جرت في شرايين قصيدته، وشكلت مرجعياته الثقافية، و سبكت لغته الشعرية، فلم يُصبها فقرأ أو خمولاً ولم ينقطع عن القراءة ، فظلت تعيش معه، إلى أن وقع في شباك الفلسفة الوجودية التي صعد تيارها في أوربا، ووصلت إلى العراق في نهاية الخمسينيات وبداية ستينيات القرن الماضي، فصار الوجود أزمته في هذا الكون، وديوانه الأول أغاني الحلاج الصادر عام ١٩٦٦ يظهر مدى قلقله الوجودي، ومدى تأثره بسارتر، وألبير کامو لكنه مزج الوجود بروح التصوف.
وكانت تلك هي الأفكار التي آمن بها الشاعر قيس لفته مراد، وبثها في قصائده. وكل ديوان شعري له نراه يتجدد بكافة المستويات (اللغة، الصور، الموضوعات) محافظاً على الشكل الشعري للقصيدة (بين العمود، والتفعيلة)، وكان يمانه بالشعر ينطلق من أن "الكتابة هي لعبة يومية مع الموت".
ولعل ما مميز شعر قيس لفتة مراد، أنه لم يسر على خط الشعراء من أبناء جيله، فلم يسمح للأيديولوجيات أن تسيطر على قصائده في مرحلة صعودها والتي تزامنت مع ديوانه الأول (أغاني الخلاج عام (۱۹٦٦، فصار ينأى بشعره عن الدخول في الصراعات السياسية، والانقلابات، وكأنه لم يعش في العراق، فحاول أن يكون الإنسان المتفرد عن زمنه، وعن عصره، وعن طبيعة أهله، فلم يلب نداء إيمانه هذا سوى الحلاج. وهذا الأخير لم يكن قناعاً لقصيدة وإنما وظفه بديوان كامل هنا المفارقة التي اختلف بها الشاعر عن اقرانه الشعراء الذين اتخذوا من الشخصيات التراثية قناعاً لقصائدهم.

