حكايات إيتالو كالفينو الخرافية.. رحلة بين مائتي قصة من التراث الشعبي الإيطالي
حجاج سلامة
في مشروعها الأدبي لترجمة روائع من الآداب الإيطالية، قدمت لنا المترجمة والأكاديمية المصرية، نجلاء والي، كتاب "حكايات شعبية إيطالية.. حكايات إيتالو كالفينو"، والتي جاءت في أربعة أجزاء، حملت بين صفحاتها الكثير من الدهشة والمتعة، ومنحت القارئ فرصة الولوج إلى عالم إيتالو كالفينو الخرافي، ومنحته أيضا متعة استكشاف العوالم الخاصة للقصص الشعبي الإيطالي خلال المائة عام الأخيرة.
وإيتالو كالفينو.. هو واحد من أبرز كتاب إيطاليا في القرن العشرين، وأحد كتاب ما يسمى بعصر التنوير الحديث في إيطاليا، وهو أيضا عُرف بنضاله وثورته وانتمائه إلى "عصر الإنسانيين الحر".. ويجمع في كتاباته وعوالم أدبه تيارات مختلفة ما بين الواقعية الجديدة والأدب الرمزي الخيالي.
واشترك "كالفينو" في حرب تحرير إيطاليا ومقاومة الفاشية، وبعد الحرب وفور تخرجه من كلية الآداب في جامعة تورينو، اتجه للكتابة.. وفي العام 1948 نشرت أولى رواياته، والتي حملت عنوان "ضرب أعشاش العنكبوت".. وفي العام 1950، انضم ككاتب لدار نشر كبيرة، وأصبح كاتبا شهيراً.
وبجانب عشرات المقالات التي نشرت خلال عمله في بعض الصحف، فقد ترك إيتالو كالفينو إرثا كبيرا من المؤلفات المتنوعة، بينها "حكايات إيطالية" و "اسلافنا" و"مدن لا مرئية" و "العواطف الصعبة" و "مسافر في ليلة شتاء".. وصدر له قبل وفاته عام 1988 "الدروس الأمريكية".
وكان إيتالو كالفينو.. من بين أبرز كتاب الرواية الإيطالية والعالمية أيضا، وتأثر كثيرا بالمدارس النقدية والفلسفية لدي الفرنسيين، وهو الأمر الذي منح كتاباته "عمقا فلسفيا" وجعلت نظرته للحياة من حوله نظرة جادة.. وقد حقق نجاحا كبيرا في كتابته للرواية التاريخية، والتي جمع فيها ما بين الأسطورة والواقع، واستطاع أن يسطر اسمه بين قائمة الأدباء الخالدين في العالم.
العودة للطفولة
وبالعودة إلى الحديث عن "حكايات إيتالو كالفينو" وما جمعه وصاغه وترجمه من قصص وخرافات التراث الشعبي الإيطالي، من اللهجات المحلية المختلفة في بلاده، فقد كتب "كالفينو" ما بين صيف وخريف عام 1956 قائلا: "الآن انتهت الرحلة بين الحكايات وأتممت كتابة العمل".. ثم راح يسأل نفسه "ترى هل سأنجح في وضع قدمي فوق الأرض؟".. وقد جاء ذلك السؤال بعد رحلة عمل في جمع الحكايات، والقصص، والخرافات الشعبية الإيطالية استمرت أكثر من عامين.
ومثًلت تلك الحكايات بالنسبة لإيتالو كالفينو، ما يُشبه العودة للعبة افتقدها في طفولته، حيث لم يكن كالفينو شغوفا في سنوات طفولته بالحكايات والقصص والأساطير، ولذلك فقد جاء كتابه - الذي هو موضوع حديثنا هنا - وكأنه يعيد إحياء طفولته.
وقد أظهرت الحكايات التي قدمها لنا إيتالو كالفينو، في كتابه مدي الرغبة التي كانت بداخله في الكشف عن مخزون الأساطير الشعبية الإيطالية، وهي الأساطير التي اعتبرها " كنز ثري ونقي ومتنوع " يجمع بين الواقع والخيال في آن.
ومن الجدير بنا أن نذكر هنا، ما اختتمت به المترجمة نجلاء والي – التي تعمل أكاديمية في كلية الآداب بتورينو - كل جزء من أجزاء كتاب إيتالو كالفينو، في هامش قالت فيه " ان كتاب حكايات شعبية إيطالية، هو عالم مغلق ظاهريا، ولكنه يتعدد وينشأ عنه عدد لا نهائي من العوالم المحتملة.. فليس هناك حد لعدد الحكايات التي يُمكن أن يكوِنها قارئ شغوف بالحكايات الإيطالية، وعندما يُغلِق الكتاب لا يتبقى أمامه سوى البدء في إنتاج نصوص أخرى كأحد الكتب اللانهائية التي نتجت عن الكتاب الأول الي نجح إيتالو كالفيتو في قراءته وفهمه".
حضور لخصائص الفن الشرقي
ومن المعروف أن كتب الحكايات الإيطالية، كانت قد سبقت مثيلاتها في البلدان الأخرى، وكما يقول إيتالو كالفينو في مقدمة كتابه – حكايات شعبية إيطالية – فإنه في منتصف القرن السادس عشر في فينسيا، وفي "ليالي سعيدة" لـ "ستر ابارولا"، أفسحت القصة مكانا للحكاية الشعبية القائمة على السحر والعجائب، مع عودة خيال يجمع بين خصائص الفنين " القوطي " والشرقي "على طريقة" كاربتشو "مع مسحة من اللهجة على طريقة "بوكاتشو" في كتابته.
ويلفت "كالفينو" أنظارنا إلى أنه وفي القرن الثامن عشر – استطاع كارلو جوتسي، أن يقدم الحكايات على المسرح.. وأن الحكاية ظهرت كنوع أدبي منذ عهد الازدهار الفرنسي، حي اخترع شارل بيرول، نوعا أدبيا استطاع من خلاله أن يصور بالكتابة ما يضاهي الحكاية الشعبية التي تنقل فيها الحكاية من فم لفم، وأصبح هذا النوع موضة أدبية جديدة – آنذاك – وقد تغيرت طبيعتها من الرواية إلى الكتابة، فكانت سيدات الطبقة الراقية من النبيلات "يكتبن الحكايات ويخترعنها".. وقد تجملت الحكايات وتأنقت في المجلدات الواحد والأربعين لـ "بيت الجنيات" لتموت بعد ذلك في مجلدات الأدب الفرنسي، الذي اتسم بمزج الخيال بعقلانية ديكارت.
وبحسب قول "إيتالو كالفينو" فقد ظهرت الحكايات الشعبية – في أوروبا – في مطلع القرن التاسع عشر، على يد الأخوين جريم.. وجاءت تفاصيلها حزينة ومرعبة كفرع أدبي من الرومانسية الألمانية، وكانت عبارة عن مجموعة حكايات شعبية قديمة.
ومن اللافت أن تلك الفترة شهدت انتشار ظاهرة البحث في الأدب الشعبي كتعبير عن حب الوطن بين أدباء أوروبا آنذاك.
تشابه الكتابة مع الحقيقة
وقد أراد إيتالو كالفينو، من حكاياته التي قدمتها لنا المترجمة المصرية نجلاء والي، التعرض لكل الحكايات الشعبية الموثقة في اللهجات الإيطالية، وتقديم حكايات كل المدن في إيطاليا.
وقد احتوى الكتاب على قصص دينية، وحكايات عن الحيوانات، وقصص تاريخية، وبعض الأساطير الشعبية.
ولعل جمال القصص والحكايات التي جمعها لنا إيتالو كالفينو في كتابه " حكايات شعبية إيطالية " يكمن في استخدام المجاز، وتشابه الكتابة مع الحقيقة.
كما الوحشية المعتادة في الحكايات الشعبية تخضع في الحكايات الإيطالية لقاعدة من التوازن والتناغم، فلا نجد الدماء المسفوكة باستمرار – كما في مجموعة حكايات الأخوين جريم، ومن النادر أن تتضمن الحكاية الشعبية الإيطالية عناصر قسوة ووحشية، بل نجد فيها دائما قصص حب، لكنها قصص حب مضطرب يعاني الكثير من المشاكل، كما يؤكد لنا ذلك إيتالو كالفينو.
النزعة إلى الخيال والعجائب
وإن كانت بعض القصص التي يرويها لنا كتاب "حكايات شعبية إيطالية.. حكايات إيتالو كالفينو" تحكي عن صرخات وبكاء فتيات وزوجات تُركن وحدهن في الغابة وأيديهن مبتورة، فإننا نجد أنها لا تسهب في الحديث عن التفاصيل الوحشية، وإنما توظفها في القصة التوظيف المناسب، وتنتهي دوما بتحقق العدالة والانتقام من الشر.
ونجد أن النزعة إلى الخيال والعجائب سائدة أيضا، وأن الحكمة في الحكاية غير مباشرة وملخصة دائما في انتصار الخير في أبسط اشكاله، ومعاقبة الشر.
وهناك الحكاية التي تحكي لنا عن عالم الفلاحين، وبطلها فلاح يعزق الأرض ويفلحها، مع عوالم من السحر والأعمال العجيبة في هروب متكرر من الواقع واللجوء لعالم الخيال.

