تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

الرسوم المتحركة فن يصنع الملايين

الرسوم المتحركة فن يصنع الملايين

بقلم: سهيل نجيب مشوح

البداية من هناك ..

بالرغــم من ظهوره الحديث نســبياً إلا أن فن الرســوم المتحركــة أو أفلام الكارتون كما يصفها العرب، أدار رؤوس الصغار وبعض الكبار نحو الشاشــة الصغيرة لمتابعة قصصها الخفيفة وشــخوصها الطريفة والغرائبيــة والمتخيلة، فاقتطع وقتاً ليس بالقليل من ساعات البث اليومي في بلادنا العربية. وكان السبق لدول الغرب بعقود  في صناعتــه وبثه وجماهيريته، ثم   دخلت اليابان على خط   الانتاج، إلى أن تصدرت الرسوم المتحركة قمة صناعة الترفيه في العالم.

فالرســوم المتحركةعبــارة عــن اجتمــاع مجموعة من الصــور التي تعــرض بالتتابع وبسرعة عليالة العرض ،وهي أسلوب فني مستقل بداته يقوم فيها المنتج بأعداد رســوم الحركــة عوضا من تصويرها بآلــة التصوير كما تظهــر في الواقع، ويتطلب انتاجها عمال تسلســليا ، وتستخدم في انتاج االفلام القصيرة والدعاية وفي ايصال الافكار التي يصعب شرحها حركيا .

وقد شــهدت هذه الصناعة تطورا   كبيرا في معظــم بلدان العالم من حيث التقنيات والأفــكار والشــخصيات والأجســام المتحركــة، وقــد حققت إيــرادات ماليــة كبيرة  للعامليــن في مجالهــا. وكانــت بدايات هذا الفن محاولات وتجــارب فردية اقتصرت من المشاهدين، وأصبح لهذا الفن مدارسه ومهرجاناته ومسابقاته وجوائزه المحلية على عرض مغامرات ملونة لطيفة للأطفال، ثم  أصبح محل إعجاب شــرائح مختلفة والدولية.

الأدب والعلوم في صور

تلعب الرســوم المتحركــة دورا مهما في تكوين شــخصية الطفــل ، وتحتل مكانة خاصة في أعماقه ، لأنها تقدم له كل ما يمتعه ويســليهه وينقله إلى عوالم ســاحرة وخيــالات ، أو قصــص وحكايات تــدور أحداثها في أجواء مــن الخيال في قالب فني جميل.

ولعل  الجاذبية الشــعبية التي يتمتع بها أبطال الرسوم المتحركة هي التي جعلتهم القصــص الأدبية والأســاطير الشــعبية والحكايــات التراثية، ثم فرضــت الرياضة يطالبــون بمواضيع متنوعة أكثر قدرة على اجتــذاب المزيد من المعجبين، فدخلت نفســها عــلى عالم الكارتون، وأطــل  التاريخ بأحداثه المشــوقة، ومن الطبيعي أن يكون للعباقرة والمخترعين وللمواهب مســاحة في أرض الفن الجديد، وتنوعت المواضيع والعلوم والمعارف، فأصبحت الرسوم تثير إعجاب الكبار، بما تحتويه من العمق والفلســفة مثل (شــريك) و(السماء تســقط لحما)، وساهم التطور الذي تشهده تقنية العرض بتكنولوجيــا التصوير ثلاثــي الأبعاد في صنع طفــرة في تنفيذ أفلام الرســوم المتحركة، وقد سبقتها طفرة الكمبيوتر وبرامج الغرافيك في التســعينيات، التي نقلت الرســوم المتحركة من عالم الرسم والتلوين عــلى الــورق، إلى شاشــة الكمبيوتر،وقدمت تلــك التقنيــات البدائل

  المتنوعة لفناني الرسوم المتحركة، حتى وصلت شخصيات الرسوم إلى درجــة من الدقة والإبهــار تحاكي الكائنات الواقعيــة، فتأخذ المتفرج إليها برحلة في عالم سحري.

أعلام .. وأفلام

يعتبــر تاريــخ بداية الرســوم المتحركة منــذ اختــراع الأمريكي ويليام جورج ســنة1834 آلتة الإســطوانية التي يتم تزويدها بصور ورسوم متتالية ، يبثها للمشــاهد كشــريط متصل بســرعة متناهية من خلال ثقــوب تحيل الصــور إلى حركة. ويرجع البعض المحــاولات الأولى إلى عام 1899 حيت قام البريطاني آرثر بإنتاج دعاية تجارية بسلســة من تشكيلات أعواد الكبريت فوق إطارات منفصلة. ثم تلاه الفرنسي ايميل كول بإنتاج فيلم صامت بالرســوم المتحركة بالأسود والأبيض، وتربع بعدها في هذا المجال إذ انتج ما بين عامي 1908 و1918م حوالي200 فيلم. وفي ســنة1911 قام الشهير ونسور ماكي بعرض اول انتاجاته في مجال الرسوم المتحركة واسمه نيمو الصغير في نيويورك، أما أشهر أعمالــه فهو الديناصــور جيرتي عــام 1914م. وفي ســنة1914 أيضاً ابتكرالمنتج الأمريكي جــون راندولف برييه طريقة تتمثل في إدخال الأنظمة الإنســيابية عــلى الإنتاج وخفــض التكاليف وســرع الانتاج. وتجــدر الإشــارة إلى أنــه في الوقــت الذي اهتــم فيه منتجو الرســوم الأمريكييــن بالجوانــب التشــخيصية، توجه الأوربيــون نحو تحديت الجوانب التقنية للرســوم المتحركة، حيت قام لوت ربنيجر باســتخدام الأشكال ذات اللون الأسود على خلفية مضاءه.

وفي العــام 1920 م تطــور إنتاج الرســوم المتحركة بعــد دمج الصوت والصــورة ليحقـق الرســام الأمريكي والت ديزني شــهرة واســعة بين الجماهير بســبب أفلامه التــي لا تتجاوز الدقيقة الواحــدة. وقد أنتج

ستيمبوت ويلي سنة1928 ميلادية ، كأول الأعمال الناطقة، اضافة إلى مسلســاته - آليس في بلاد الكارتون- و-رقصة الهيكل العظمي- اضافــة إلى العديــد من الاعمال التي جعلتــه موضع اعجاب من طرف العامــة ، وكان الفنــان رقم واحد بالولايات المتحــدة الامريكية ، وقد اقدم سنة1937م عىل إنتاج بيضاء الثلج كأول فلم كرتوني طويل.

وفي الثلاثينيات مــن القرن العشــرين ، قــام ثنائي من شــركة جولد للفن وهما وليم حنا وجوزيف باربيرا بإنتاج سلســلة من أفلام الرسوم المتحركة القصيرة للشــخصيتين الشــهيرتين  توم وجيري. ثم توالت أفــلام الخيال والإبداع مثل : (ويل إي) و(الأســد الملك) و(أليس في بلاد العجائب).

العرب .. يتفرجون !.

ازداد الطلب على أفلام الرســوم المتحركة فأصبحت تجارة رابحة أغرت المســتثمرين لدخول أسواق الإنتاج، ما دفع شركات الإنتاج الكبرى في هوليــوود إلى التوســع في توفيــر تلك الأفلام لتغطية حاجة الســوق

بتكلفــة فاقــت أحيانــا الـــ50 مليــون دولار، ولتصبح تجارة الرســوم المتحركــة خــلال الســنوات الأخيرة صناعــة ضخمة ومصــدر هام من الأرباح في إيرادات شــباك التذاكر. وظهرت بعض المحاولات في عالمنا العربي ولكنها توقفت عند حدود الشاشــة التلفزيونية، وذلك بســبب معوقات كثيرة منها التســويق والتكلفة والتمويــل والكوادر الفنية والإدارة والنصوص المناسبة التي تجذب المشاهدين.

 أمـا مــا  تنتجه الدول العربية من أفلام الرســوم المتحركة فلا يشــكل شــيئا أمام ما تنتجه البلــدان الغربية أو الأجنبيــة، وتحتاج إلى جهد ونفقات كبيرة للنهوض بهذا اللــون الفني، وتنتظر ظهور المخرجين وكتاب الســيناريو والفنيين والمســتثمرين المغامرين لدخول السوق فاليابان وحدها تنتج أكثر من مائة فيلم في العام، وتعمل فيها 440  دون تردد، بالنظر إلى العائدات الضخمة التي تحققها أفلام الرســوم، شــركة إنتاج مختلفة القدرات، ويشتغل في الرسوم حوالي 3500 رسام أغلبهــم من الهــواة. ومثلها كنــدا التي تتقارب مــع اليابان من حيث الإنفــاق والعائدات، أما اســتوديوهات الأحلام (والــت ديزني) فيعمل فيهــا حوالي 55 ألف موظف، وقد حققت صناعة الرســوم في الصين حــوالي 60 مليار يوان أي ما يعادل (9.5 مليار دولار) خلال عام ،2011 وذلــك مــن إنتاج 435 فيلما، وتــم تصدير 200 ألــف دقيقة منها ما يعــادل 146 فيلما.  وتشــهد صناعة الرســوم المتحركــة ضيوفا  جددا مثــل كوريا وبولونيا وروســيا ودول أوربية أخــرى، ويتزايد الاهتمام بهــذه الصناعــة بتزايــد الحاجة والطلــب عليها من مختلف الشــرائح بمختلف موضوعاتها، وهذه القاعدة الذهبية التي تنظم العلاقة بين  الاجتماعيــة، ومــع تطــور النصــوص التي تعالــج القضايــا الحديثة المشــاهد والشاشة قد اكتشفتها هوليود مبكرا، ونجحت في تطبيقها بحرفية عالية وســخاء واســع، جعلها أيقونة الفــن، وتربعت في أعلى قمم صناعة الفن وإنتاجه وأرباحه منذ عقود.. فالعالم يرســم.. والعرب

يتفرجون !.

الحاجة إلى دعم شامل

منذ ســنوات طويلــة، ترتفع أصوات صنــاع أفلام الرســوم المتحركة (الأنيميشــن)، بضرورة دعم صناعة الرســوم المحليــة التي تعبر عن تراث الأمة وتقاليدها وتاريخها وثقافتها، لغرسها في ذاكرة الأطفال، ويؤكـد أصحــاب الصناعة إلى أن الطاقات المحليــة مليئة بالمواهب والأفــكار الجيــدة، وكثير من التجــارب المحلية أثبتــت نجاحا  وقبولا جماهيريا، وســتنجح هذه الصناعة أكثر وتنافــس إذا لقيت الاهتمام والدعم المناسبين.


الرسوم المتحركة فن يصنع الملايين
Ehsan Logo