تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

الأدب السَّاخر .. لا بد من القراءة الساخرة حتى نغلق القوسين على ضحكتنا المستعارة

الأدب السَّاخر .. لا بد من القراءة الساخرة حتى نغلق القوسين على ضحكتنا المستعارة

مريم جابر


مقدمة:

الأدب الساخر كوميديا سوداء تعكس أوجاع المواطن السياسية والاجتماعية وتقدم بقالب ساخر يرسم البسمة على الوجه ويضع خنجراً في القلب ويشتمل هذا الأدب على كافة أنواع الإبداع الأدبي الذي يطرح موضوعاته بسخرية والكاتب الساخر هو من يحول الألم إلى بسمة والحزن إلى إبداع. ولا بد لنا أن نوضح أيضاً أن الأدب الساخر ليس هجاء بينما الهجاء هو من قلب الأدب الساخر فالهجاء خارج القالب الأدبي هو تهجم دونما هدف.. في حين يمكن للكتابة الساخرة أن تتضمن الهجاء...

الكتابة الساخرة تعني التمرد على الواقع.. وثورة فكرية ضد البديهيات التقليدية.. كانت سياسة أم اجتماعية ...!! وهي العكاز الذي يتكئ عليه الكاتب الحر.. ليقوم اعوجاجاً في أعماق نفسه، وتعرف الكتابة الساخرة باختصار شديد أنها: ((تعكس صورة الواقع بجماله وقبحه.. ولكن بأسلوب مختلف عن الكتابة العادية)) .... في حين أن علماء النفس يعرفون السخرية بأنها: ((سلاح ذاتي يستخدمه الفرد للدفاع عن جبهته الداخلية ضد الخواء والجنون المطبق ))

إذ إن السخرية رغم هذا الامتلاء الظاهر بالمرح والضحك والبشاشة.. إلا أنها تخفي خلفها أنهاراً من الدموع.. إنها مانعة صواعق ضد الانهيار النفسي ))

يعلق البعض ((بأن الكتابة الساخرة.. ولدت مع أول عربي! )) تأصيلاً منه للمثل القائل.. شر البلية ما يضحك .... ))! وحول ماهية الأدب الساخر نرى أنه الخلطة السرية بين اللغة والمفردة والحكاية الشعبية واصطياد المفارقة في المشهد سواء كان هذا الأدب نكتة شفوية، أو كاريكاتيراً، أو قصّة ساخرة أو نصاً ساخراً.

كما أن النصر الساخر يجب أن يكون بياناً سرياً بين الكاتب والقارئ، بين الهمّ والضحكة، بين الوجع وصاحبه، بين القلم والممحاة كرسائل العشّاق سرية وخجولة وبينية، يكون البوح الهادئ فيها بين حمرة الجرح وحمرة الشفاه، بين الحرف والحرف، بين الغرّة والشال.. فالسخرية قهوة الكادحين... والضحك دخانهم المجاني.

ونود أن نركز على أهمية القراءة الساخرة كونها الشفة السفلي للكتابة الساخرة... فإذا كانت الكتابة الساخرة هي هلال التنصيص الأول فإن القراءة هي هلال التنصيص الثاني.. بدون القراءة الصحيحة يبقى الوصف مفتوحاً والاستعارة غير واضحة، فلا بد من القراءة الساخرة حتى نغلق القوسين على ضحكتنا المستعارة... كما أن الأدب الساخر بحد ذاته يعبر عن حالة رفض للواقع ولكن بشكل قادر على التعبير دون الاصطدام أو خلق حالة مواجهة مباشرة مع حالة سلطة لذا كان الأدب الساخر يعبر عن كل ما سبق بمختلف العصور ويمكن اعتبار أدب الصعاليك شكلاً من أشكال الأدب الساخر على سلطة القبيلة في الأدب الجاهلي وفي عصور لاحقة ظهر العيار والشطار وكان أحد أهم أسلحتهم السخرية.

 يحدثنا الدكتور فواز بن عبد العزيز اللعبون بقوله: في رأيي أن الكتابة الساخرة في المملكة لم تزل في مرحلة التشكل على الرغم من البدايات القديمة التي كان من المفترض أن تسهم في رقيها الفني والمضموني حالياً، كما أن كتابها محدودون، ولكنني أظن أن القادم أجمل وبخاصة مع الانفتاح الإعلامي والشبكي الذي أتاح للجمهور التعرف على طائفة كبيرة من هذه الكتابات، ومن ثم تأثروا بها على مستوى القبول وعلى مستوى ما الاحتذاء. وعلى الرغم من كون الكاتب الساخر يرتكز على طاقة تعبيرية وتصويرية من نوع خاص إلا أن حظه في المشهدين الفكري والثقافي يأتي تاليا لا سابقا، وربما عاد ذلك إلى سخونة المشهدين واحتدامهما، وحاجتهما إلى الطرح المباشر الواضح، ولا يعني ذلك أن تأثير الكاتب الساخر ضئيل، فله حضوره المميز الذي يمكنني أن أصفه بالتنفسي ثم العلاجي، بخلاف الكتاب الآخرين الذين يضعون مبضعهم على الجرح بجدية أكثر.
  ويجزم اللعبون أن شخصية الكاتب الساخر لا يمكن لأي أحد تقمصها، كما أن لكل كاتب ساخر بصمته الخاصة، ومهما يكن فإن الكتاب رشاقة أرواحهم ، ودماثة أخلاقهم فردياً و مجتمعياً ، ويحسنون اقتناص التعابير و التصاوير من تجاربهم الخاصة وتجارب من حولهم ، ولهم نظرة شفافة فيما يدور حولهم ، فهم يركزون على المظاهر قبل الظواهر ، ويحسنون توظيف المبالغة والتهويل و التحقير أيضا ، ولهم قابلية كارزمية تجعل ما يطرحونه مقبولاً على علاته وإن لم يقبل على الحقيقة، في حين لو طرحه سواهم لكانت ردود الأفعال مختلفة تماما.

فالكتابة الساخرة هي قبل أي شيء موهبة، ثم يأتي الاكتساب داعماً ومنميا، وبهذين (الموهبة والاكتساب) يتحقق أكبر قدر من نجاح الكاتب الساخر، ولا أجد فرقا بين السخرية الشفوية والمكتوبة إلا في القدرة اللغوية التي تتطلبها الكتابة ، فالمضمونان متقاربان، ولكن الساخر الكاتب يرصفها بلغة أنيقة رشيقة يتمهل في طريقة أدائها، في حين أن الساخر الناطق يتحرر من قيود اللعبة اللغوية المكتوبة إلى فضاء تعبيري أرحب وأكثر تلقائية، والاثنان (الكاتب والساخر) مؤهلان موهوبان ، وباستطاعة الساخر الكاتب أن يحول سخريته إلى منطوقة، في حين لا يحدث ذلك للساخر الناطق إلا إذا أحكم لعبة الكتابة.

ويقول الناقد والأكاديمي محمد البودي: الكتابة الساخرة لا تزال تحتل مساحة ضئيلة في كتاباتنا المحلية على مستوى الصحف والمجلات وهذا يعود لقلة هذا النوع من الكتابة التي تحتاج إلى كاتب من طراز معين يستطيع أن يوظف قلمه بشكل جيد وساخر دون أن يقع في المحظور الاجتماعي والسياسي والديني، وبالتالي وجدت كتابات في الوقت الراهن وهناك من لديهم محاولات بأن تكون كتاباتهم ساخرة، لكنها لم تصل إلى المستوى الذي وصل إليه كتاب لبنان أو مصر أو الأردن.

وهناك اجتهادات لدى بعض الكتاب لدينا بالمملكة ومنهم الأستاذ تركي الدخيل الذي بدأ يضمخ كتاباته بالأسلوب الساخر، وكذلك محمد السحيمي الذي يحرص على هذا الاتجاه، وهناك كتاب يزاوجون بين الكتابة الجدية والساخرة ثم نجد مقالات قليلة تتوشح بالكتابة الساخرة.

ويشير الأستاذ محمد إلى أن الكاتب بهذا المجال يجب أن لا يكون كاتبا عاديا بل بمرحلة متقدمة من الكتابة ولون خاص يحتاج إلى درجة من المعرفة وامتلاك اللغة ويكون أقرب للأديب منه إلى الكاتب.

ويؤكد البودي أن الكاتب الساخر أوفر حظا لدى الجمهور أكثر من أولئك الذين تصيبهم المقالات بالصميم والمعنيين بهذه الكتابة، وهي بالأخير موهبة وقدرات ثم اكتساب وتمرن خاصة لمن يمرن ذائقته وقلمه وقراءاته في الكتابات السابقة مثل كتب التراث وفهم اللغة والتورية والاستفادة منها، وهذا مالم يصل له إلا الأديب المتمرس القريب من مداخل اللغة.

بدوره تداخل الأديب والقاص ناصر الجاسم بقوله: الأدب الساخر قديم قدم الكتابة نفسها، وقديم قدم الخطابة، بما لا نكاد نجزم أن السخرية كفن قولي بدأت مع بدء الكلام، ولم تكن كفن إبداعي وضعت أركانه وأسسه على يد مبدع واحد، أنما تكونت عناصره وأركانه بشكل تراكمي وتراتبي عبر امتداد العصور الشفهي والكتابي، وقد أخذ بالنسبة لنا كعرب حيزا مهما خاصة من الأدباء في العصر العباسي.

والسخرية فن مائي يتسرب إلى فنون القول كلها فنجد كاتب المقال الساخر والقصة الساخرة وكذلك الرواية والقصيدة، وأعظم ما نجد الروائي الساخر صاحب النفس الكبير في السخرية والتهكم على الواقع بشكل مميز ومحبب لدى المتلقي.

ولكن مقارنة بالكاتب المسرحي فهو أي المسرحي صاحب بيئة أوفر إذ إن السخرية فن مسرحي بالدرجة الأولى وبيئة المسرحي أخصب بيئة.

أما بالنسبة للمملكة فلم يحظ هذا الفن للتطور المأمول لأن الأدب لدينا محموم عليه بسيف القضاء أو خوف الأديب من استخدام هذا الفن أو المعالجة بالغة الساخرة ليدرأ عن نفسه المحاكمة القضائية، ولذلك استخدم هذا الفن في أدنى درجاته الإبداعية.

ويضيف: ليس للكاتب الساخر أدوات عديدة أكثر من قدرته على إضحاك الآخرين من الظاهرة التي تتم السخرية منها أو من الخصم الأدبي المتوجه إليه السخرية، فامتلاك الضحك لا يتاح إلا لمن له قدرة أدبية عالية، وتلك القدرة تتأتى موهبة أو بالفطرة وقد تكون اكتسابا.

والسخرية المكتوبة أكثر علاجاً وأجدى إذا أنها تصبح مرجعا يرجع إليه وتحظى بالديمومة والخلود، أما السخرية الشفاهية إذا جاءت عبر الإنسان الرياضي أو السياسي أو عبر شاشات التلفزة فإنها تحظى بديمومة زمنية قصيرة ولكنها تنال فضاء أوسع بالانتشار وعرضه للإنسان أمام وحش الزمن.

أما الناقد عبدالله آل ملحم فيقول: الكتابة الساخرة ضرب من النقد وهي في الغالب نوعان: كتابة ذاتية تجيء شعرا أو نثرا ضمن نقد الذات والسخرية منها، كما لدى جعفر عباس من المُحدثين، وأبي دلامة من الأقدمين، وهذا النوع أكثر ما يرى لدى الشعوب المُعرقة في الحضارة، وهو نادر في أساليب السعوديين، وإن بدت مقاربته على استحياء لدى غازي القصيبي ومشعل السديري و عبدالله الشباط و علي العمير و غيرهم ،وهذا النوع من الكتابة الساخرة هو الأصعب لكونه يتطلب لياقة نفسية عالية تفوق جلد الذات إلى التهكم بها ، والنوع الآخر كتابة نقدية ،والسخرية تجئ في تضاعيفها ضمنا لا قصدا ، وكتاب هذا النوع هم الأكثر في مشهدنا الثقافي، كأبي عبد الرحمن ابن عقيل الظاهري، وحسن بن فهد الهويمل، وعبد العزيز السويد وغيرهم، والكاتب الساخر غالبا ما يكون مسخوطا عليه، لاسيما في المشاهد الأكثر ضيفا بالنقد كما في مشهدنا المحلي، حيث النقد الاحتفائي المجامل لا المحاكم للنصوص، وبالطبع فمجتمع قريب عهد بالحضارة كمجتمعنا لا يتقبل الكتابة الساخرة بكل تجلياتها في نقد الذات والزوج والولد والجار والزميل والصديق كما لدى كتاب المقالة الساخرة، وهذا طبعا لا يبرر تلاشي السخرية من النقد في ظل وجود طرح متهافت يسخر بوعي وثقافة القارئ المستهدف بكتابات هشة في أحوج ما تكون إلى مبضع الناقد لا مراهمه.

ويضيف: الكتابة الساخرة كتابة نقدية ولكنها باتجاه واحد بحيث لا تقبل المناوبة، أي أن كل كاتب ساخر هو ناقد بالطبع، ولكن ليس بالضرورة أن كل ناقد هو كاتب ساخر.

وعليه فالكتابة الساخرة موهبة متراكبة إلى جانب موهبة النقد، وهي تختلف من السخرية الشفهية من وجهين: فهي وإن صيغت في نص ساخر إلا أن السخرية لا تعني العبثية، وحضورها وإن بدا كاريكاتوريا لاذعا إلا أنه لا يعفيها من الالتزام الأخلاقي بأدبيات الكلمة المسئولة، ولا تناقض هذا لأن السخرية بالذات خارج التصنيف.

ويشير الملحم إلى أن الكاتب الساخر حر في إسقاط حق نفسه في التصون، وكذا من يعلم موافقتهم الضمنية على تناولهم بقفشاته، ولكنه لا يملك ذات القدر من الحرية في السخرية بغيره إلا في حالات معينة، أولها: أن تكون سخريته في مقابل سخرية غيره به من باب المعاملة. وثانيها: حين يكون المستهدف بالنقد هو من سخر بقرائه من خلال سخريته بوعيهم وفكرهم وثقافتهم وهو ما نراه بوضوح في كثير من الكتابات المتهافتة. وثالثها: حين تكون السخرية بالفعل والسلوك الخاطئين دون ذكر أسماء، وما لم يتحرر مشهدنا الثقافي من الارتهان للمجاملة والنفاق الثقافي وتحميل كل فعل كتابي وزر الحسابات الشخصية فلن يتنفس هذه الكاريزما الجميلة التي تستنشقها المشاهد الأخرى بعمق حرمنا منه كما حرمت الصحراء رائحة اليود الجميلة.

ويرى الناقد والأديب محمد البشير: بأن الكتابة الساخرة في السعودية لم تبلغ مبلغها مقارنة بالوطن العربي، والأمر ينسحب على الكتابة الساخرة العربية، فهي لا تكاد تقارن بالمنتج العالمي، وذلك يعود لأمرين:

أولهما: طبيعة الشعب السعودي مقارنة بالشعوب العربية، فالطرفة بين الشعب السعودي لا تقارن بالشعوب العربية، وهذا ما يسم السعودي بالجدية مقارنة بغيره، فهو لا يستسيغ السخرية علانية بينما يتعاطها سراً.

ولأن الكتابة علانية، هي أدنى ثقافيا بين أقرانها من فنون الأدب، فالكاتب الجاد مقدم على غيره، وهذا لا يعني إطلاقاً الإعراض عن الكتابة الساخرة، فنحن شعب المتناقضات، فالكتابة الساخرة أكثر إقبالاً من القراء، ومع ذلك لم يسوغ لها أن تُقدم في المحافل. والأمر الثاني الذي يعتبر عماد الكتابة الساخرة. ألا وهو: (الحرية) فالكتابة الساخرة بحاجة إلى سقف عالٍ من الحرية، وهذا ما يفتقده الوطن العربي عموما والسعودي خصوصاً، وهذا ما يجعل الكتابة الساخرة متأخرة، فالرقيب الذاتي عند الكاتب يمنعه - قبل الرقيب -من الاسترسال في السخرية والجلد ولو بدعابة !. وعن مستقبل الكتابة الساخرة يقول البشير: مستقبل الكتابة الساخرة مزدهر، فلقد أخذت مكانها في الأعمدة الصحفية، والجرأة ارتفعت نسبياً بين الكتاب عموماً، فبنظرة سريعة للأعمدة الصحفية يجد المتابع ازدياد عدد الكتاب الساخرين، وهذا يتوافق مع إذعان المطبوعات لرغبة القارئ، فالأعمدة الساخرة أكثر إقبالاً من غيرها لدغدغتها لهموم الناس ورفع سأمهم. بل تجاوز الأمر ذلك للترويج إلكترونياً لكل مقال ساخر يرى فيه القارئ تسرية لهم الناس وسط الأزمات المالية والاقتصادية والخدمية والكثير من الخيبات.

ويضيف البشير من جانب الحظوة الجماهيرية فالكاتب الساخر أكثر حظا، وذلك يقاس بإقبال القارئ إلى عموده والترويج لما يكتبه - كما ذكرنا - ، فالمقال الساخر شأنه شأن (الكاريكتير ) ! فمتصفح الجريدة لا يتجاوز الكاريكاتير وكذلك المقال الساخر، وذلك لموقع المقال الساخر من نفس المواطن، فهو يعبِّرُ عما يجيش في صدره، وينفس عنه بدعابة، والضحك وسيلة من وسائل تفريج الحزن، والضحك فوق قمة المأساة تفتيتاً لجبلها. وهي أصعب الكتابة على الإطلاق، فمن السهل أن تبكي الناس، ولكن من الصعب أن تضحكهم، فالكاتب الساخر أمام منزلق خطير، فإما أن يضحكوا معه أو يضحكوا منه!

فالكاتب الساخر لا بد له أن يمسك بأدواته كسيطرة المهرج على كراته بكفه دون أن تسقط واحدة من يده! لا سيما وأن الأصل في كل فن إدخال البهجة على قلب الإنسان على حدِّ قول صاحبي الكوميديا والتراجيديا.


الأدب السَّاخر .. لا بد من القراءة الساخرة حتى نغلق القوسين على ضحكتنا المستعارة
Ehsan Logo