متحف اللوفر.. مزيج من حضارات الشعوب
تقرير خاص
تظل المتاحف هي النافذة التي تطل منها الشعوب على ماضيها وربما ماضي الشعوب الأخرى، وهي إحدى الوسائل المهمة التي تربط هذه الشعوب بتاريخها المكتوب والمجسم ومن هناء جاء الاهتمام الرسمي والشعبي ببناء وتكوين المتاحف على مستوى العالم وربما لا تستثنى من ذلك دولة.
ومن أهم وأقدم المتاحف الفنية في العالم، متحف اللوفر بالعاصمة الفرنسية باريس، بل يعد أكبر صالة عرض للفن عالميا، يقع متحف اللوفر على الضفة الشمالية لنهر السين وهو أحد معالم العاصمة الشهيرة الذي يجذب إليه نحو عشرة ملايين زائر سنويا، وقد أتيح يل زيارة المتحف منذ أكثر من ثلاثين عاما ويومها وجدت نفسي مثل بقية الزائرين عاجز عن متابعة كل معروضات المتحف دفعة واحدة وأن الأمر يحتاج ربما إلى عدة أيام لتغطية قاعات المتحف الكبيرة (يبلغ مجموع أطوال قاعاته نحو 13 كيلومتر مربع).(1),
تاريخ المتحف وبداياته
يعود تاريخ متحف اللوفر لأكثر من ثمانية قرون، حيث صمم بناؤه الأول في موقع يسمى لورابا، تحت إشراف فيليب اجوستو سنة 1190 تقريبا كقلعة لحماية مدينة باريس، التي تحتوي أيضا جزءا من البلاط الملكي والمحفوظات. ثم قام بتوسيعها كارلو الخامس بين سنتي،1380-1337 وأنشأ مكتبة واستخدمها أيضا للإقامة السببية. وقد دمرت هذه القلعة بعد سقوطها بأيدي الإنجليز.(2)
وفي عهد فرنسوا الأول تم ترميم جزء كبير من القلعة، وأعاد تصميمها بيير ليكوت 1510ــ1578 كقصر كبير، لا يزال يمثل القلب للقصر الحالي، رغم الإضافات والتغييرات التي قام بها الملوك الذين توالوا عليه، وكان أهمها التعديل الذي تم في عهد الملك لويس الرابع عشر الذي غادره إلى قصر فرساي العام 1672م. في عام 1692 شغل المبنى أكاديميتان للتمثيل والنحت والرسم والتي افتتحت أولى صالوناتها العام .1699 وقد ظلت تشغل المبنى طوال 100 عام. وخلال الثورة الفرنسية أعلنت الجمعية الوطنية أن اللوفر ينبغي أن يكون متحفا قوميا لتعرض فيه روائع الأمة. ليفتتح المتحف في 10 أغسطس .1793 وقد خضع في عهد الرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران إلى عمليات إصلاح وتوسعة كبيرة. واستغرق بناء هذا المشروع حوالي ستة عشر عاما، حيث انتهى سنة ،1997 ومن ضمن المشروع تم تصميم مدخل وصالة استقبال جديدة للمتحف، على شكل قبة هرمية بساحة كور كاريه، وهذا الهرم يقع في وسط المتحف، محاطا بالنوافير الخلابة لإبراز جماله، واعتبر هذا المدخل الرئيس للمتحف، حيث إنه يضم عدة أبواب وممرات، يؤدي كل منها إلى جناح من أجنحة المتحف. أرضيات الهرم الواسعة وفناؤه مغطاة بالرخام الذهبي الفاخر، وقد افتتح رسميا سنة 1989م.(3)
أقسام المتحف ومحتوياته
تم تقسيم المتحف إلى أجزاء عدة حسب نوع الفن وتاريخه. ويبلغ مجموع أطولا قاعاته نحو 13 كيلومتر مربع، وهي تحوي أكثر من مليون قطعة فنية سواء كانت لوحة زيتية أو تمثالا. وبالمتحف مجموعة رائعة من الآثار الإغريقية والرومانية والمصرية ومن حضارة بلاد الرافدين العريقة -والتي يبلغ عددها 5664 قطعة أثرية،- بالإضافة إلى لوحات وتماثيل يرجع تاريخها إلى القرن الثامن عشر الميلادي.
وقد قسم المتحف إلى سبع إدارات، تهتم كل منها بفترة معينة من الزمان، وصنفت المقتنيات حسب تاريخها، من بداية الفن والحضارة حتى النصف الأول من القرن التاسع عشر. يتكون كل جناح من الأجنحة من طابقين ودور أرضي وآخر تحت الأرض، وهو جناح سولي الذي يقع في الجهة الجنوبية للهرم، وهو يضم مجموعات من المنحوتات الإيطالية والأسبانية ومن شمال أوروبا.
وأهم أقسام المتحف القاعة الكبرى التي شيدها كاترين دي ميديشي، في القرنالسابع عشر، وتحتوي على العشرات من اللوحات النادرة لعباقرة الرسامين، تتصدرها تحفة ليوناردو دافينشي الموناليزا الشهيرة التي رسمها عام 1503م. وإلى يمين القاعة الكبرى، هناك قاعة ضيقة يعرض فيها بعض لوحات الرسام الفرنسي تولوتريك الذي اقترن اسمه بمقهى المولان روج. وفي قاعة أخرى من المتحف، يمكن مشاهدة لوحة زيتية شهيرة هي لوحة تتويج نابليون الأول للرسام دافيد. كما يحتوي المتحف على العديد من الآثار الشرق أوسطية والتي قام الأوروبيون بسرقتها خلال حمالاتهم الصليبية والاستعمارية على مدار القرون. وقد كتب عن هذا المتحف العديد من الروايات المشوقة، من أهمها رواية (شيفرة دا فينشي) للكاتب العالمي دان براون.
أما الأقسام والمدارس الفنية التي يضمها المتحف فهي كالآتي:- الشرقيات - مصر القديمة - الحضارتان اليونانية والرومانية.
بالإضافة إلى المدارس الفنية مثل: المدرسة الفرنسية، المدرسة الإيطالية، المدرسة الهولندية والفنلندية والمدرسة الإنجليزية(4)
وقد خضع المتحف عام 2008 لأعمال ترميم قدرت تكلفتها بنحو 127 مليون دولار، وكانت الإضافات المعمارية الجذرية التي امتزجت مع قصر اللوفر السابق الذي بني قبل 800 عام، تمثل تحديا كبيرا وانتصارا تقنيا. وبإمكان الزوار الآن القيام برحلة حسية حقيقية وعالية التقنية داخل المتحف الكتشاف 3 آلاف متر مربع يعرض فيها أكثر من 2500 قطعة فنية رائعة. وقد مولت الحكومة الفرنسية جزءا من عملية الترميم الضخمة، التي أميط عنها اللثام في نهاية عام .2012 ومن بين الجهات الراعية لعملية الترميم حكومة المملكة العربية السعودية وحكومة كل من عمان والمغرب والكويت وجمهورية أذربيجان، بالإضافة إلى إحدى شركات النفط الفرنسية.(5)
جناح دائم للفن الإسلامي
يتميز متحف اللوفر بمعروضاته الفنية والتاريخية المختلفة والتي تمثل ضمن ما تمثله الحضارات الشرقية والعربية والإسلامية، وتركز هذه المجموعة بصفة خاصة على الكنوز الإسلامية خلال العصور الوسطى، بينما تهتم المجموعة الأخرى بمتحف فنون الديكور بفن إمبراطوريات العالم الإسلامي العظيمة والحديثة، بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، مثل الإمبراطورية العثمانية. وبعد مرور عامين، وفي عام ،2003 أعلن الرئيس الفرنسي وقتها، جاك شيراك، إنشاء قسم جديد للفنون العربية الإسلامية داخل متحف اللوفر.(6)
وفي عام2012 ميلادي وبالتحديد في العشرين من سبتمبر شهد المتحف إضافة مساحات جديدة تكرس للفن الإسلامي وذلك في الاحتفالية الكبرى التي حضرها الرئيس الفرنسي فرانسوا هوالند وعدد من قيادات وممثيل دول العالم العربي والإسلامي.
ويعد هذا الجناح الجديد الإنجاز الأضخم في متحف اللوفر منذ نحو 22 عاما، أي منذ إقامة الهرم الزجاجي الموجود في ساحة المتحف والذي صممه الصيني بيي.(7)
ويضم الجناح حاليا 15 ألف عمل فني، من بينها 3400 قطعة أهداها متحف فنون الديكور بشكل دائم لمتحف اللوفر. وتغطي هذه المجموعات تاريخ العالم الإسلامي من إسبانيا إلى الهند وتطوره الزمني من القرن السابع حتى التاسع عشر الميلادي.
الجناح يبهرك بانسيابية التصميم ويأخذك في رحلة عبر الزمن، وخاصة العصر الإسلامي، بداية من عصر الخلفاء من عام 632 إلى 1000 ميلادية، ثم الدولة الأموية ثم تبعتها الدولة العباسية. ثم الإمبراطوريات أو العائالت الملكية، ويقدم لنا أحد المعارض نموذجا عن روعة وضخامة أحد القصور الملكية في سامراء يقع على ضفة نهر دجلة (العراق حاليا). ومن المعروضات لوح من باب مصنوع من خشب الساج طوله .240 5 سم وعرضه .56 8 سم.
وتتجلى من خلال معروض آخر عبارة عن إبريق من حجر الكوارتز المزخرف بزركشة ذهبية، الحياة الفخمة التي كان يعيشها الخلفاء والتجار الأثرياء. ومن أكثر القطع الأثرية التي واجه العاملون صعوبة في ترميمها وإعادتها إلى شكلها الأصيل شرفة ملكية يعود تاريخها إلى نهاية القرن الخامس عشر. وتعد اإلمبراطورية العثمانية، التي امتدت من القرن الرابع عشر حتى القرن العشرين، هي آخر حقبة يغطيها المتحف. ويتم عرض مجموعة من الأواني الخزفية الأزنيق التركية، ومن بينها 3 آلاف بلاطة، يرجع تاريخها إلى القرنين السادس والسابع عشر مهملة منذ السبعينات. ويستعرض آخر الأقسام في جناح الفنون الإسلامية، الذي يركز على جميع عصور الحضارة الإسلامية، فنون الكتابة والأنماط المختلفة للرسوم التوضيحية في المخطوطات، بما في ذلك فن الخط والأطر المرسومة والحروف بالإضافة إلى طرق تجليد الكتب التي تمتد من شمال أفريقيا إلى الهند عبر إيران وتركيا والسعودية.(8)
وتجذب صالات جناح الفنون الإسلامية أكثر من 6100 زائر يوميا، وحقق في 6 أشهر فقط عند افتتاحه في سبتمبر 2012 أكثر من مليون زائر، وحققت زيارات المتحف بشكل عام الرقم القياسي في عدد الزوار في عام ،2012 حيث وصلت إلى 10 مليون زائر. وما زالت الأعمال الإسلامية والجناح الإسلامي بالمتحف محل اهتمام الزائرين من كل أنحاء العالم.
-----------------------------------------------------------
(1), زيارة شخصية للمتحف في صيف عام 1980
(2) الموسوعة الحرة ويكيبيديا
(3) موقع المتحف ،www.louver.fr موقع هل تعلم
(4) الموسوعة الحرة ويكيبيديا
(5) جريدة الشرق الأوسط 2013/5/6
(6) المصدر السابق
(7) الجزيرة نت 2012/9/19
(8) جريدة الشرق الأوسط 2013/5/6

