تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

الجمل والصّحراء: البلاد التونسية نموذجا دراسة تاريخيّة أنثروبولوجية

الجمل والصّحراء: البلاد التونسية نموذجا دراسة تاريخيّة أنثروبولوجية

حجاج سلامة

الجمل والصحراء من الموضوعات التي حظيت بحظ وافر من الدراسات التي اهتمت بالتراث وتصدّرت مكانة متقدمة في المباحث الثقافية والتاريخية، إضافة إلى الموقع الذي احتله الجمل والصحراء في الموروث الثقافي والشعبي العربي.

وقد انكب باحثون كُثُرْ على تراثنا توصيفاً وتحليلاً وتفكيكاً، ومن بين هؤلاء الباحثين الكاتب والأكاديمي التونسي الدكتور عبدالكريم البراهمي، الذي وجد في الجمل ظاهرة لها من الثراء والاتساع والتشابك ما يؤهلها إلى أن تكون تعبيـرة مؤاتية عن هذا التراث الماثل في الذاكرة والممارسة معا.

وفي هذا الإطار جاء كتابه: "الجمل والصّحراء: البلاد التونسية نموذجا.. دراسة تاريخيّة أنثروبولوجية"، والذي جرى نشره ضمن إصدارات الثقافة الشعبية للدراسات والبحوث والنشر بمملكة البحرين.

وفي هذا الكتاب، اهتم الدكتور عبدالكريم البراهمي، بالجمل بوصفه ظاهرة تاريخية منغرزة في ثقافة مجتمعات عديدة منذ بواكيرها الأولى إلى زمننا الراهن، وبوصفـه ظاهرة أنثروبولوجية شاملة ومتشعبة متعددة الأبعاد ومتنوعة الدلالات، بحكم ارتباط الجمل بأكثر جوانب الحياة اليومية من جهة، ولتداخله مع أغلـب وجـوه العمـران الاجتماعي. 

وقد اختار المؤلف تونس وشمال افريقيا والصحراء كمجال جغرافي لبحثه الثري الذي ضمنه في هذا الكتاب، ولما كان مجال البحث في هذا الكتاب، لكنه لم يتقيد بفترة زمنية معينة بل تتبّع الجمل في مختلف الفترات، وحاول دراسة المسألة منذ ما قبل التاريخ إلى وقتنا الراهن وذلك قصد الوقوف عند مختلف التحولات التي عرفتها "الثقافة الجملية" والمآل الذي انتهت إليه في الحاضر، وكأنما ذلك إعادة بناء لهذا التاريخية وفق المعطيات المتنوعة.

وقد تناول الكتاب المحاور التالية:

- الظاهرة الجملية في المجال التونسي والشمال الإفريقي بصفة عامة باعتبارها واقعة تاريخية نامية ومبحثا فكريا خلافيًا.

-  الظاهرة الجملية وتلبسها بالإنسان في المجال التونسي بوصفها حدثا أنثروبولوجيا يخترق المعيش اليومي والوجدان الجمعي.

- الجمل باعتباره ممارسة متجذرة وثقافة مكينة نشأت في ظلالها ساكنة البلاد التونسية وتغلغلت في نسيجها المادي والروحي. 

- جملة التحولات الطارئة على الظاهرة الجملية في ارتباط بالتجليات والمؤثرات وراهـن الممارسة والثقافة، وما خلفته من تأثيراتها السلبية على التراث الجملي الذي ينحو إلى الانقراض رغم محاولات إحيائه.

وحتى يكون المبحث مستوفيا لبواعثه محققا لرهاناته اختار المؤلف منهجاً جمع فيه بين قسمين: قسم تاريخي وقسم أنثروبولوجي، وهما على تمايزهما يتعاضدان في الإبانة عن صورة الجمل باعتباره ظاهرة تاريخية نامية. 

ويتعلق القسم التاريخي بتاريخ الجمل في مجال شمال إفريقيا والصحراء، ويمتد منذ ما قبل التاريخ إلى أيامنا الراهنة. مع التركيز على البلاد التونسية خاصة في الفترتين الحديثة والمعاصرة.

 والهدف من ذلك – بحسب مقدمة الكتاب – هو تتبع تطور الظاهرة الجملية في مختلف أطوارها منذ ظهورها إلى تراجعها وانحسارها مرورا بمرحلة انتشارها. 

وأما القسم الأنثروبولوجي فقد مزج فيه بين الأنثروبولوجيا التاريخية والأنثروبولوجيا الثقافية والمراوحة بينهما في أن، ففي مجال الأنثروبولوجيا التاريخية اعتم المؤلف على المنهج التاريخي التتابعي وذلك لإبراز تطورات شتى عرفتها مختلف الجوانب الثقافية للجماعات التي كانت تستعمل الجمل في حياتها اليومية. مع تأكيد حضور الجمل في مختلف مناحي الحياة في زمن انتشار نمط العيش بالجمل، ثم تراجـع حـضـوره في زمن انحسار أعداد هذا الحيوان والثقافة المرتبطة به.

وأما في مجال الأنثروبولوجيا الثقافية فقد اعتمد المؤلف على المنهج التزامني، وقام بدراسة بعض مظاهر الحياة اليومية وأنماط العيش الحالية والثقافات المحلية بوسط البلاد التونسية وخاصة بجنوبها حيث تعيش قطعان الإبل.

وقد رأى المؤلف في ذلك هذا تأكيد لاستمرارية حضور الجمل وتأقلمه مع واقع جديد فرضته التحولات العميقة التي عرفتها البلاد التونسية والعالم ككل على جميع الأصعدة. وهـو مـا ظهر مـن خـلال بـروز وظائف مستجدة على غرار إنتاج الحليب واللحوم والجلود والأوبار لغاية تسويقها وتخطي الاحتياجات الذاتية الضيقة، إلى جانب استثمار الجمل في القطاع السياحي وفق أوجه مختلفة. 

ومن هنا فإن كتاب "الجمل والصّحراء: البلاد التونسية نموذجا.. دراسة تاريخيّة أنثروبولوجية"، لمؤلفه عبدالكريم البراهمي، هو مبحث من المواضيع المستجدة في الأنثروبولوجيا لتطرقه إلى جوانب متنوعة ومختلفة تلتقي كلها في موضوع الجمل وتهتم في أغلبها بثقافة الصحراء، أو ما يمكن أن تُطلق عليه أنثروبولوجيا الصحراء.

وقد جاء الكتاب في أربعة فصول:

- الفصل الأول: تاريخي ويتعلق بتاريخ الجمل في شمال إفريقيا والصحراء في سيرورته المتعرجة والممتدة من الظهور إلى الانحسار، وذلك من خلال تتبع ظهـوره وكيفية تطوره منذ ما قبل التاريخ إلى وقتنا الراهـن، مـرورا بمختلف الفترات التاريخية، وينقسم إلى جزأين: ويهتم الجزء الأول بالجمل فيما قبل التاريخ والتاريخ القديم، وفيه يتطرق إلى مسألة ظهور الجمل في شمال إفريقيا والصحراء، وتعرض فيه إلى مختلف الإشارات الأثرية والمكتوبة التي تثبت حضور الجمل في المنطقة خلال الفترة القديمة. 

أما الجزء الثاني فحمل عنوان: بالجمل من الانتشار إلى الانحسار، وقد حاول فيه المؤلف أن يُبيّن ملامح انتشار تربية الجمل في الفترة الوسيطة وخاصة مع غزو القبائل العربية البدوية لبلاد المغرب، وانتشار البداوة الجملية البربرية انطلاقا مـن غـرب بلاد المغرب، مع تأسيس الدولة المرابطية، وهي الفترة التي تتطابق مع أوج البداوة الجملية بالمنطقة أو ما يمكن أن نطلق عليه انتشار نمط العيش بالجمل، واهتم المؤلف في هذا الجزء كذلك بملامـح انحسار حضور الجمل في الفترة الحديثة والمعاصرة التي تتمثل في توسع الأنشطة الفلاحية المستقرة، وانحسار وظائف الجمـل.

وحمل الفصل الثاني عنوان: تربية الجمل: ثقافة ومهارات، وينقسم إلى جزأين: ويتعلـق الجـزء الأول بالرعاة وتحولات ثقافة الرعي وأهم ملامحها. وتشمل تحولات ثقافة الرعي، وتحول الرعي من نمط في الحياة إلى حرفة رجالية، وما انجز عن ذلك مـن عقـود بين ملاك قطعان الإبل والرعاة، إلى جانب التحول في طبيعة الأجور وقيمتها، والاستفادة من التطورات التكنولوجية وتوظيفها في خدمة الرعي، وأهم ملامح ثقافة الرعي مثل القيافة وتمثلات الرعاة للطبيعة والفلك. 

وأما الجزء الثاني فيهتم بمختلف مهارات تربية الإبل وخبراتها على غرار البحث عن الكلأ وتتبع القطعان، والجـز ومعرفة الأمراض وكيفية مداواتها، والترويض.

وأما الفصل الثالث فحمل عنوان" تحول الجمـل مـن نمط في الحياة، إلى قوة عمل، إلى منتوج سياحي، وفيه تناول المؤلف مختلف التحولات التي عرفتها وظائف الجمل منذ القديم إلى أيامنا الراهنة، مع رصد تغير أنماط عيش المجتمع.

 وقد تكوّن الفصل الثالث من ثلاثة أجزاء، ويهتم الجزء الأول بالجمل باعتباره نمطا في الحياة، أما الثاني فيعتنيبالجمل بوصفـه قـوة عمـل، أما الثالث فمـداره على الجمل منتوجا سياحيا. 

ويشمل الجزء الأول المتعلق بالجمل: الوظائف الأساسية للجمل، على غرار الوظيفة الإعاشية، وتأمين الترحال، والحج إلى البقاع المقدسة، وحمـل الهـودج، إلى جانب دوره الأساسي في التجارة الصحراوية، وحضوره البارز في الإغارة، وفي الحروب بين الشعوب والأمم. 

وأما الجزء الثاني من هذا الفصل الذي يتعلق بالجمل بوصفـه قوة عمل فيشمل مختلف الأعمال الفلاحية التي يؤديها الجمل على غرار الحراثة ودراسة الحبوب وعصر الزيتون وسحب المياه من الآبار ومن الأنهار وغيرها، إلى جانبنقل الأحمال وفق تقنيات مختلفة. 

ويدرس الجزء الثالث من هذا الفصل الجانب المتعلق بتوظيف الجمل في القطاع السياحي، دور هذا الحيوان في تأثيث العديد من الفقرات في العديد من المهرجانات التي تُعنى بثقافة الصحراء، ومساهمته في تنويع المنتوج السياحي في أغلب المراكز السياحية بالجنوب الصحراوي، إلى جانب حضوره في البطاقات البريدية وحدائق الحيوان والمتاحف.

وقد أوجز الباحث والأكاديمي التونسي عبدالكريم البراهيمي، في خاتمة كتابه "الجمل والصّحراء: البلاد التونسية نموذجا.. دراسة تاريخيّة أنثروبولوجية"، مجموعة من النتائج التي توصل لها، ومنها أن الجمل كان واقعة تاريخية رافقت تشكل المجال التونسي ووسمته بهويته الثقافية الجمعية الراسخة إلى المستوى الذي حوله إلى قيمة متعالية ومكثفة بالرمزيات المتداخلة والحية، وهو ما مثل إغراء معرفيا بالاستقصاء والتفهم. 

واعتبر أن مسألة ظهور الجمل بشمال إفريقيا والصحراء بصفة عامة، تعد من أكثر الموضوعات التي أثير حولها جدل كبير بين الدارسين لموضوع الجمل بهذه المنطقة، حيث انقسموا إلى فريقين: أحدهما يذهب إلى أن الجمل حيوان أصيل ومتجذر في المنطقة منذ ما قبل التاريخ ولم يتعرض إلى الانقراض في أي فترة، وفريق آخر يعتقد أن الجمل من الحيوانات الدخيلة عن شمال إفريقيا والصحراء.

ورأى يأن إصرار الفريق الثاني على الدخول المتأخر للجمل يعود إلى غايات سياسية وأيديولوجية لا علاقة لها بالغايات المعرفية، وبيّن بأنه يعتقد أن الجمل من الحيوانات التي كانت موجودة في المنطقة منذ ما قبل التاريخ، وأنه لم ينقرض بل تواصل حضوره دون انقطاع. 

وتشير خاتمة الكتاب، إلى أن وظائف الجمل في حياة الإنسان طرأت عليها تحولات عديدة وذلك في علاقة بتحولات نمط العيش وتحديدا التحول من نمط العيش البدوي إلى نمط العيش المستقر ويمكن تلخيصها في التحول من وظائف أساسية وشاملة لهذا الحيوان إلى وظائف رمزية وثقافية.

وبحسب خاتمة الكتاب إلى أن الجمل من خلال تكفله بحمل الخيام والأمتعة والأوعية والأطفال والمسنين والتنقل والترحال بين الجهات، ساهم في تحقيق التكامل بين المناطق المختلفة، وأن الجمل هو الوحيد الذي كان بإمكانه تحقيق التكامل في مجال التجارة بقدرته على الربط بين مناطق بعيدة عن بعضها وتفصل بينها صحاري شاسعة، وذلك على غرار على غرار التكامل بين شمال إفريقيا والصحراء وبلدان إفريقيا جنوب الصحراء. 

وأن القوافل التجارية في شمال إفريقيا والصحراء كانت تخضع لتنظيم محكم وتضم أعدادا هامة من الجمال. وأن حضور الجمل كان ضروريا في مناسبات الأعراس، حيث كان الجمل يحمل العروس في الهودج من بيت أهلها إلى بيت زوجها، وأن تعدد الطقوس والممارسات المرتبطة بالجمل والهودج ما هي إلا دليل على المكانة التي كان يتمتع بها هذا الحيوان في حياة السكان.

خاتمة الكتاب توضح أيضاً، الدور الهام للجمال في الحروب والمعارك بين الجيوش والقبائل وفق استعمالات متعددة منها امتطاؤها أثناء المعارك والقتال من على ظهورها مثل الخيول، ونقل المقاتلين وحمل الأمتعة والمؤن والعتاد، وخاصة الأوعية المملوءة بالمياه التي من دونها لم يكن بالإمكان غزو البلدان التي تقع وراء الصحراء. 

ومن المهام الأخرى التي تدلنا عليها خاتمة كتاب "الجمل والصّحراء: البلاد التونسية نموذجا.. دراسة تاريخيّة أنثروبولوجية"، دوره في موسم الحج وزيارة مكة المكرمة والمدينة المنوّرة، والقيام بمناسك الحج والعمرة، فمن مختلف مناطق بلاد المغرب كانت تتطلق قوافل الحج إلى البقاع المقدسة، وغير ذلك الكثير من المنافع والوظائف التي كان يوم بها الجمل قديما في السفر والتنقل والحياة وسط الصحراء، والتي أوردها مؤلف الكتاب في خاتمة كتابه الذي يعد إضافة متميزة للمكتبة العربية في هذا المجال البحثي المهم.


الجمل والصّحراء: البلاد التونسية نموذجا دراسة تاريخيّة أنثروبولوجية
Ehsan Logo