أدب ذوي الاحتياجات الخاصة بين الواقع والأصالة
إعداد/ مها اليمني
قديما عندما كانت القوة ترفد الحياة بمعين استمرارها كان لابد لنموذج الأنسان من أن يرتبط بالقوة الجسدية القادرة على استلاب الحياة من فكي الموت. أما أصحاب العاهات فكانت الأرض تضيق بهم وعقول أهلها الساذجة عاجزة عن تقبلهم لجهلهم بالسبب والعلاج معا. وإن الرجع إلى الميثولوجيا اليونانية والرومانية يجعلنا نقف على ألوان التعذيب التي كانت تلحق بهم من ربط بالسلاسل إلى الشجر إلى الرمي في الأنهار أو نفي إلى قمم الجبال.
وما كان رأى الفلاسفة من كان رأي الفلاسفة بأنضج من ذلك فها هو أساطينهم أفلاطون قد حرمهم من جمهوريتهم الفاضلة ونادى بوجوب التخلص منها للمحافظة على نقاء العنصر البشري!
ثم جاء الإسلام وأيقظ في الإنسان إنسانيته وأرسى مبادئ الخير والمحبة والتعاون وسعي إلى النفس لتشذبيها من شوائبها وإلى العقل ليسمو به نحو الحقيقة الناصعة الصافية!
أدب ذوي الاحتياجات الخاصة:
في دنيانا أشياء نطلبها فتُلبّى لبعض أترابنا نحاول امتلاكها فتمتلكنا نستعبدها في أحلامنا فتستعبدنا في يقظتنا هي أقطاب الحياة الأربعة: الجمال، الكمال، النفوذ، المال، وإذا ما تعثرت خطواتنا هنا أو كبت بنا أحلامنا هناك أثناء السعي وراءها أصبنا بإحباط ويأس ونسينا كلّ نعمة أغدقها الله علينا فكيف إذًا بمن حرموا شيئًا من الكمال النسبي المعطى لكل إنسان واحتجبت عنهم الحياة من إحدى زواياها.
هذا السؤال الذي طرحته كارين صادر في مقدمتها في كتاب "معجم أعلام الجبابرة / الأدباء ذوي العاهات" كان الحافز والدافع لعمل جاد استنفذ ثلاث سنوات من الجهد الدؤوب أمضتها وزميلها نصير الجوهري في التنقيب في مئات المصادر والمراجع وجمع النتف من بطون الكتب حتى بلغ عدد الأسفار التي اتخذاها أساسا لهذا المعجم ما يقارب 360 عنوانا وعدد المترجم لهم حوالي 400 أديب وقد هدفا من خلاله أن يُعبّرا عن مدى فخرهما بأصحاب الهمم العالية الذين حرموا شيئا وأعطوا أشياء.. فكانت ولادة هذا المعجم. وفي أديبات تاريخنا العربي كتب الجاحظ كتاب بعنوان " البرص والعميان والعرجان " تحدث فيه عن أخبار وأدب وإنجازات ذوي الاحتياجات الخاصة.
وعلى اعتبار أن الحواس هي النافذة الأولى لبرمجة الإبداع لعالم الواقع يحق لنا أن نتساءل هذا السؤال.. هل الإبداع الأدبي والفني والعلمي مرتبط بسلامة جميع الحواس والأعضاء أم أنه ملكة ربانية لا تفرق بين شخص سليم وآخر؟
وفي واقع أصحاب ذوي العاهات - أو الامتيازات الخاصة- على مر العصور خير إجابة. فمنهم من تخطوا تلك الحواجز وحلقوا في سماء الموهبة أبدعوا فتميزوا، أضاءت عقولهم نورا فوصلت الى فكرة عميقة، وامتدت أنظارهم إلى محاور بعيدة فكشفوا المستور، لم تحدهم الإعاقة على المثابرة والعمل لهم ولم ييأسوا لوجود نقص في بعض قدراتهم بل زادتهم إرادة وعزيمة ليكتشفوا للأصحاء ما عجزوا عن اكتشافه في كل دروب العلم والفن والأدب والشواهد من التاريخ العربي والعالمي كثيرة على ذلك من أمثلتها قديمًا وحديثًا ما سوف نستعرض في هذا التقرير عن الأسماء المضيئة الذائعة صيتًا والكتابات الباقية في ذاكرة التاريخ لمن اتجهوا نحو الأدب وعوالم السرد تحديدا لأنه الفن الذي يقوم على الشعور والخيال والتأمل الفكري وهي بطبيعة الحال سلاح ذو سلاح ذي العاهة متنفسه في أزمانه وصوته الذي يلامس به أذن العالم ..
الشاعر بشار بن برد (95- 167 هـ ) شاعر عباسي ومن فحول الشعر في الأدب العربي كان أعمى منذ ولادته مجدور الوجه جاحظ العينين قد تغشاهما لحم احمر. قال الجاحظ: «كان شاعرًا راجزًا وسجّاعًا خطيبًا وصاحب منثور ومزدوج وله رسائل معروفة» وكان شديد الذكاء، تعلم الشعر والأدب ونبغ فيهما، وله مدرسة شعرية خاصة، كان إمام الشعراء في زمانه، له ديوان كبير. يقول في عماه:
عميتُ جنينًا الذكاء من العمي
فجئت عجيب الظنّ للعلم موئلا
وغاض ضياء العين للقلب فافتدى
بقلب إذا ما ضيّع الناس حصّلاالشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري (363- 449 هـ) خاتمة شعراء العصر العباسي الثاني كما كان متنبي فاتحته.
أديب عباسي شائع الذكر ووافر العلم اعتل بالجدري في السنة الرابعة من عمره، فعمى منه. وقال الشاعر هو ابن إحدى عشرة سنة كان يقول: «أنا أحمد الله على العمى كما يحمده غيري على البصر» أما شعره هو ديوان حكمة وفلسفة فثلاثة أقسام هي: اللزوميات، سقط الزند، ضوء السقط. وقد ترجم شعره الى كثير من اللغات. وأهم تصانيفه: الأيك والغصون (في الأدب) وتاج الحرة (في النساء)، و رسالة الغفران (أشهر كتبه)
ولا يخفى على مثقف مدى التأثير الكبير الذي أحدثه أبو علاء المعري في تطوير الحركة الشعرية الأدبية.عميد الأدب العربي طه حسين (1307 – 1393 هــ) ناقد مصري كبير. أصيب بالجدري في الثالثة من عمره فكف بصره. أسس جامعتي الإسكندرية وعين شمس وشغل منصب وزير المعارف.
من مؤلفاته: في الأدب الجاهلي، قادة الفكر، حديث الأربعاء، الأيام، مع أبي العلاء في سجنه، دعاء الكروان، مع المتبني، الحب الضائع، وغيرها كثير. أما المترجمات فمنها نظام الأثينيين لأرسطو ـ آلهة اليونان، وصحف مختارة من الشعر التمثيلي عند اليونان.
- وإن كان كانت الإعاقة البصرية لا تشكل تحديًا كبيرا على قدرات الشاعر ومهاراته اللغوية نجد هناك من تحدى أعاقته وقهرها قد فقد أهم حاسة لنمو وتطور اللغة لديه وخير مثال على ذلك:الكميت بن زيد الأسديّ ( 60 -126 هــ) شاعر أموي كان عالمًا بآداب العرب ولغاتها وأخبارها وأنسابها. عرفُ بيقظه عقله وحدة ذكائه وسرعة بديهته وثقافته الواسعة المتنوعة. وكان أصم أسلخ لا يسمع شيئًا لكنه برع في الشعر حتى عد من فحول الشعر الأموي قال أبو عبيدة: «لو لم يكن لبني أسد منقبة غير الكميت لكفاهم» قد ورد في خزانة الأدب (في الكميت خصال لم تكن في شاعر، كان خطيب بني أسد وفقيه الشيعة، فارسًا شجاعا، سخيًا راميًا لم يكن في قومه أرمى منه) وقد قتل الكميت في خلافة مروان بن محمد عام 126 هـ، وكان مبلغ شعره حين مات حوالي خمسة آلاف بيت.
مصطفى صادق الرافعي (1298- 1356 هــ) أحد خبراء كتاب وأدباء وشعراء عصر المجيدين أصلهم طرابلس الشام وهو من أسره مشهورة في ميدان القضاء. مرض بالتيفوئيد الذي خلًف في حبسه في صوته وصمما في أذنيه. وكان هذا سبب يباعد بينه وبين الناس من ناحية ويدفعه إلى البحث والمطالعة من ناحية أخرى. اختير منصب شاعر الملك فؤاد وله آثار أدبية منها: تاريخ آداب العرب، تحت راية القرآن، رسائل الأحزان، وحي القلم، المعركة، السحاب الأحمر.
من شعره:
عفا الله عن قلبي فلولا اضطرابه
بهذا الهوى ما اعتز فيه لساني
فما حدّثتني النفس يوم عظيمة
فشمّرت إلا زلتِ القدمان
إذا عشق الإنسان قُصّ جناحه
وهيهاتَ المقصوص بالطيران!أعجوبة المعاقين على مر العصور هيلين كيلر هي أمريكية كانت فاقدة لجميع قنوات التواصل الحسية مع العالم الخارجي مصابة بالصمم والعمي والبكم منذ صغرها، ورغم هذا تعلمت الكتابة والنطق، واللغات ودرست الجامعة ثم تفرغت للكتابة والتأليف ولها كتب وقصص ومقالات ومن مؤلفاتها: كتاب قصه حياتي.
مارسيل بروست أديب وكاتب فرنسي مشهور ولد عام 1871، درس الحقوق في جامعة باريس، وكان فيلسوفا بارعا، أحدث تأثيرا كبيرا في مسار الرواية الحديثة أصيب بمرض الربو والحساسية، وكانت صحته ضعيفة جدا، قد لزم غرفته ويكتب على فراشه لا يجاوزه.
ديفيد رايت شاعر وأديب أصم ولد في جوهانسبرج جنوب أفريقيا عام 1920م ، قد أحب نغمة الشعر الموسيقية منذ طفولته، في سن الرابعة أصيب بصمم كامل، لحسن حظه فقد كان يحمل في أذنيه ذكريات الأصوات من أيام الطفولة مما مكنه من الحديث وأتاح تنمية مواهبه قد قال في كتاب قصة حياته الذى أسماه (صمم) إنه أحس بأن الصمم قد دفعه إلى العناية بالشعر كنوع من التعويض عما فاته من أصوات الخارجية ، حتى انه في سن الثامنة وجد نفسه مدفوعاً إلى كتابة الشعر ، كتب ديوانه الشعري الأول عام 1942 لقد ترك الصمم بصمته على صوره الشعرية ، فجعلته يرسم أحيانًا لوحات صامتة لأشياء ذات صوت ، تاركا للقارئ أو السامع إكمال اللوحة بنفسه ، مما يضفي على هذه اللوحات جواً بلاغياً مؤثرا وحصيلة إنتاجه حوالي 24 كتاباً تشمل أعماله ومؤلفاته ودواوينه.
الإبداع السعودي رهان الطموح والتميز:
في الوقت الراهن لا تقل إبداعات معاقي الوطن العربي وبيئتنا المحلية السعودية عن سابقيها فنجد العديد من المبدعين والمبدعات والأدباء من ذوي الاحتياجات الخاصة مما يصعب حصرهم قد برز منهم على سبيل المثال الكاتبة السعودية الشابة عالية الشامان والمصابة بشلل دماغي رباعي وبكم، وبأصبع واحد يتحرك في سبابتها اليسرى أن تكتب به على لوحة الكيبورد ألفت العديد من الكتب والروايات منها رواية "أميرة الخيال" و "رواية التحديات" وكتاب "القلم " رشحت لجائزة الفكر العربي.
والشاعر الأصم علي الغامدي الذي شارك في برنامج " شاعر المليون " في نسخته الثالثة وقد ألقى قصيدة نالت إعجاب اللجنة وكان بمثابة رسالة من ذوي الاحتياجات الخاصة بعنوان "صوت أصم" كما شارك في نفس البرنامج شاعر كفيف يدعى مصلح الرشيدي وأجمعت اللجنة أيضاً على تأهله ما قبل الــ 48.
والشاعر المبدع الكفيف عبد العزيز الزهراني الذي شارك في برنامج "أمير الشعراء" وله حضور أدبي وإعلامي مميز والعديد من القصائد ذات الشعرية العالية، والكاتب والروائي السعودي الكفيف ماجد الجارد وله رواية مطبوعة بعنوان " نزل الظلام " وأيضا الشاعر الكفيف نواف العتيبي وله مجموعة من القصائد الجميلة والعديد من الكتاب والأدباء المبدعين من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يصعب حصرهم.
فاصلة أخيرة:
تعددت مواضيع كتابات الأدباء ذوي الاحتياجات الخاصة من السير الذاتية والتجارب الشخصية والوجدانية وطرح هموم ذوي الاحتياجات الخاصة إلى المواضيع الفكرية والسياسية و الدينية . و نلمس ذلك في هذه المقدمة التي كتبها طه حسين في كتابه الأيام يقول : «و الذين يقرؤون هذا الحديث من المكفوفين، سيرون فيه حياة صديق لهم في أيام الصبا تأثر بمحنتهم هذه قليلا قليلا حين عرفها، و هو لم يعرفها إلا شيئا فشيئًا حين لاحظ ما بينا وبين إخوته من فرق في تصوّر الأشياء وممارستها . وقد تأثر بهذه المحنه تأثرا عميقًا قاسيًا ، لا لشيء ; إلاً لأنه أحسّ من أهله رحمةً له وإشفاقًا عليه ، واحسّ بعض الناس سخرية منه وازدراء له ، ولو قد كان الناس من رُقيِّ الحضارة وفهم الأشياء على حقائقها بحيث لا يسخرون من الذين تعتريهم بعض الآفات ، لا يرثون لهم و لا يُظهرون لهم معاملة خاصة يتكفلونها تكلفًا ، لو قد كان من هذا كله ، لعرف ذلك الصبي وأمثاله محنتهم في رفق، ولاستقامت حياتهم بريئة من التعقيد ، كما تستقيم لكثير غيرهم من الناس. والحمد لله على أن هذا الطبي لم يستسلم للحزن ولم تدفعه ظروفه الى اليأس وإنما مضى في طريقه كما استطاع أن يمضي، محاولاً الخير لنفسه وللناس ما أُتيح له أن يحاول من الخير. وما أكثر الذين قهروا هذه المحنة خيًرا ما قهرها، وانتصروا عليها خيًرا مما انتصر عليها، وقدّموا لأنفسهم وللناس أكثر وأنفع وأبقى مما قدم، ولكن كل إنسان مُيسر لما خُلِق له لا يبذل من جهد إلا ما تبلغه طاقته وأنا أتمنى أن يجد الأصدقاء المكفوفون في قراءة هذا الحديث تسلية لهم عن أثقال الحياة كما وجدت في إملائه.. "

