تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

الغربة والاغتراب .. في شعر العواجي «قراءة دلالية»

الغربة والاغتراب .. في شعر العواجي «قراءة دلالية»

عبدالله السمطي


القصيدة عند الشاعر الدكتور إبراهيم محمد العواجي بمثابة ملاذ جمالي يحمل إليه كل أمتعته الرؤيوية، وكل أفكاره وهواجسه التي تجيش بها ذاته الشاعرة، ووفق هذا فإن الشاعر يكتب قصيدته لا ليتخلص من عبء هذه الأمتعة قدر ما يستثمرها في اكتشاف أمتعة جديدة، وعوالم جديدة يستقصي فيها خيالاته، ويعبر فيها عن شجونه.

وهنا نحن حيال نوع من التراكم الدلالي داخل القصيدة، يتمثل في هذا التدويم التكراري الذي يلح على دلالات الحنين، والشوق، سواء كان السفر حسيا يتم فيه الانتقال من مكان لآخر، أو معنويا تركض فيه المخيلة عبر الأزمنة والأمكنة، عبر طائر الكلمات.

إن التمايز الذي نكتشفه في شعر الدكتور إبراهيم العواجي يتمثل في أنه شعر تلقائي بامتياز، فالشاعر لا يصبو شعريا إلى أن يلتحق بحركة شعرية أو اتجاه شعري محدد، ولا يسعى إلى تأسيس أو بلورة مدرسة شعرية محددة، ولكنه يقدم ذاته الشعرية بكل مفازاتها وسهولها، بكل أشواقها وتطلعاتها، وبكل فطرتها وأدائها الرسالي الشعري.

من هنا لا تعني الشاعر طبيعة التراكيب الشعرية وهل تنتمي إلى الحداثة الشعرية أم لا وهل هي مفارقة مجاوزة للسياق الشعري أم لا .

إنه يكتب حقيقته الشعرية فحسب، من هنا فإن الشكل أو التقنية لا تعني الشاعر بالضرورة هنا. تخرج القصيدة بتلقائيتها وفطرتها سواء لاذت بآليات البلاغة الشعرية المعهودة، أم انتصرت إلى آليات البلاغة الجديدة. الشكل لا يشكل معيار كبيرا لدى الشاعر العواجي الشكل مجرد إطار والغاية الشعرية الكبرى لديه تتمثل في الدلالة والرسالة التي يصوغها فنيا.

وفي ظل ذلك، فإننا لا نجد أنه يتحسر على شكل ما، أو يفرض على القارىء بنية شكلية معينة، لكنه يقدم له جملة من الصبوات الشعرية التلقائية التي تحمل همخوم ذات شعرية معاصرة لها فرادتها التعبيرية، ولها صلاتها الدائمة بمخيلة الواقع إذا صح التعبير.

إننا نلمس هذا حين نقرأ شعر العواجي المكتوب في الحب، والمكتوب عن قضايا الإنسان، والمكتوب عن الوطن والأرض.

إن إخلاص العواجي لتجربته الشعرية الحقيقية هو إخلاص للدلالة وللرسالة الشعرية التي يحملها للقارىء.

مهاد الغربة

ما الذي حدا بالشاعر إبراهيم العواجي أن يعطي دالة سيميائية منفردة للغربة، بإصداره ديوانا شعريا عنوانه كلمة واحدة هي:«غربة» أما تكفي الشاعر قصيدة أو أكثر لتحمل هذا المعنى؟ لماذا خصص الشاعر للغربة ديوانا بأكمله؟ هل المكان أو الأفق ضاق به فشعر بوطأة الغربة؟

إن سيميائية العنوان هنا تحفزنا على البحث عن هذا الأفق الدال الذي عنون به الشاعر ديوانه. فالغربة لشاعر فرح بالحياة والحب والوطن قد تشكل رؤية معاكسة لمضامينه الشعرية السالفة، على الأقل تلك التي تحويها أعماله الأولى، وهي تنطوي على مضامين متعددة تعبر عن الفرح بالحياة والغبطة الفطرية بأشياء الوجود بأزمنته وأمكنته وتفاصيله في معظم نصوصها.

لقد أذن لنا الشاعر العواجي بهذه التسمية أن نتأمل في هذه الغربة التي وسم بها ديوانه الذي تنهض إلى استشراف آفاقه هذه الدراسة، وتسعى لإضاءة ما تنطوي عليه من دلالات وأبعاد جمالية.

إن السؤال الذي تنهض عليه الدراسة يقوم في البدء على السعي إلى العثور على مهاد دلالي بسيط وأولي : لماذا هذه الغربة؟ ومن ثم البحث عن الكيفية التي عبر بها الشاعر عن غربته.

بالطبع ليست الغربة هنا مباغتة، أو تنزلت شعريا في التو لدى الشاعر، من الآكد أن ثمة محفزات أولى جعلت الشاعر يبوح بهذه الغربة، ربما نجمت عن تأمله في الأحداث، في الواقع الذي يحمل مآسيه العربية بين وقت وآخر، ربما في التأمل في هذه الفوضى الإنسانية التي تخلص فيها الإنسان من قيمه، وسعى لاهثا راكضا صوب ما هو مادي عرضي زائل، متناسيا قيمه الفطرية النقية.

الغربة هنا هل هي نوع من الرفض لقبح العالم؟ هل هي نوع من الاعتراض الضدي شعريا في مواجهة خراب العالم؟ هل هو إعلاء من شأن الذات الشاعرة التي ما تزال تتمسك بما هو قيمي ومثالي ونموذجي في عالم راكض متسارع؟ نستطيع كقراء أن نعثر على دلالات كثيرة حول أفق الغربة، ويتسنى لنا أن نؤول ما تطرحه النصوص ، بيد أن فضاء التأويل لن يبعدنا كثيرا عن فضاء الشعر ولغته، وقيمه الجمالية.

غربة أم اغتراب؟

في أعمال الشاعر الأولى بعض الحضور للغربة، لقد عبر الشاعر عنها في عدد من النصوص، ولعل استرجاع هذه النصوص وقراءتها بشكل كثيف سوف يقودنا إلى هذه المحفزات الدلالية التي حفزت الشاعر للوصول إلى تسمية ديوانه بـ «غربة» .

بداءة تعد الغربة من الموضوعات الأثيرة في الشعرية العربية القديمة والمعاصرة على السواء، ذلك لأن الارتحال والسفر والهجرة كانت من الأفعال التي يقوم بها الإنسان العربي باستمرار، إنه في حياته الصحراوية الأولى كان ينتقل من مكان لآخر بحثا عن المكان الآمن، عن الذي يحتوي على الغدران على الكلأ، يكون آمنا من إغارات القبائل الأخرى، ويكون مرتعا له وللبعير. اعتاد الإنسان العربي هذا الحل وهذا الترحال، وحين جاء الإسلام وعصر الفتوحات سافر العربي شرقا وغربا من أجل نشر الدين الإسلامي وشهدت هذه الفتوحات وهذا السفر الدائم عددا كبيرا من القصائد التي عبر فيها الشاعر العربي عن غربته واغترابه وأسفاره.

أما الشاعر المعاصر فقد عبر عن هذه الغربة في نصوص شعرية كثيفة، أبرزها ما كتبه شعراء المهجر العربي.

فالغربة من الموضوعات الأثيرة التي تشكل جانبا مهما من الجوانب الدلالية التي كتب فيها الشاعر العربي حتى اليوم.

غربة العواجي

والشاعر إبراهيم العواجي عبر عن الغربة في أعماله الأولى، ورأى شعريا شيمها وسماتها، ومن الدال أن هذه الأعمال تتضمن نصا بعنوان: «غربة» ولا تثريب علينا إذا أوردناه كاملا لنرى كيف عبر العواجي عن غربته الأولى، ضمن ديوانه الأول المداد الذي تضمه الأعمال الشعرية، يقول العواجي:

من قال بأن الغربة

حدث ٌ جغرافي

ينأى فيه الجسم ُ

عن القرية

لتظل النفس حبيسة

جدران الغرفة

فيحن ُّ الجسم ُ إلى العودةِ

فتكون ُ الغربة ُ

حدثًا ماديًّا ساحرْ

من قال بأن الغربة َ أن تبقى

خارج سور القرية

تبحث ُ عن أفق ٍ آخرْ

تسترسل ُ فيه وجودك َ

تحسب ُ أنك تزرع ُ فيه

بذور العودة

نحو وعودك ْ

نحو الفردوس المفقود

الباهرْ

تغمس ُ فيه أظافرك المبتورةَ

حتى اليأس ْ

تثقب فيه جدار الخوف

من المعلوم ْ

تحرق ُ فيه حنينك للغربة

للتجديف ببحر مجهول الأعماق ْ

مجهول الأبعادْ

بحر ليس له آخرْ

تبحث ُ فيه عن الضالين

سواك ْ

عن مأوى ليس له جدران ْ

عن ظل ليس به ألوان ْ

ترقب ُ فيه حنين العودة

للأرض الأم ّْ

للزمن البكر الطاهرْ

ترسم ُ فيه طيوف الأحلام ْ

تقفزُ فيه حدود

النسيان ْ

وحديث الجدة عن عالم ما خلف

البحرْ

عن قصة فرسان العهد الغابرْ

من قال بأن طيور الهجرة

تعبر درب الغربة

حين تهاجرْ

أو أن البدوي ّ الباحث

عن مرعى شتوي ٍّ

أو ري ٍّ صيفي

يستشعر معنى الغربة

حين يسافرْ

فالغربة إحساس ٌ بالوحدةِ

في عمق الزحمه ْ

الغربة ُ أن تشعر بالبعد الذاتي ِّ

وأنت قريب ْ

أن يصبح طعم المألوف

نشازًا

واللفظ المألوف ُ

غريبا

الغربة ُ أن ترتد إلى الداخل

أن يصبح إحساسك َ بالعودة عاقرْ

( إبراهيم محمد العواجي: الأعمال الشعرية، المجموعة الأولى، دار المداد للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى 1420هـ 1990م ص.ص 60-63 )

قسمات الغربة عند العواجي

« إن التعبير عن المكان بالشعر لابد وأن يعي البنية الدالة لحقل المكان المعجمي من حيث التعبير عن البقاع، ومحطات السفر، والشوارع، والمنازل، والبنايات، بمعنى أن جغرافية هذا المكان لابد أن يتطلب التعبير عن جملة من الدلالات وهي دلالات السفر، والهجرة، ودلالات الشعور، بالغربة المكانية أم المعنوية النفسية، وكلها حالات يعبر عنها الشعر العربي برهافة، ويعبر عنها العواجي أيضا بكل رحابة معنى وبكل طاقة تشكيلية رامزة» عبدالله السمطي : بنية القصيدة الحديثة في شعر إبراهيم العواجي ص 83.

والشاعر إبراهيم العواجي قدم في هذا النص ملامح شعرية متعددة تعبر عن قسمات الغربة ودلالاتها سواء كانت غربة

الغربة والاغتراب .. في شعر العواجي «قراءة دلالية»
Ehsan Logo