تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

من المكتبة الإسلامية مناهج المستشرقين البحثية في دراسة القرآن الكريم

من المكتبة الإسلامية مناهج المستشرقين البحثية في دراسة القرآن الكريم

حجاج سلامة

كثيرة هي المصنفات والكتب التي عالجت قضية نظرة المستشرقين للإسلام والمسلمين، وتتعدد الدراسات في هذا الشأن.

ومن بين تلك الكتب التي أثرت المكتبة العربية، وغطت جانبا مهما في مجال الدراسات العربية والإسلامية التي تتناول بالدراسة والبحث والتحليل "الاستشراق والمستشرقين"، يأتي كتاب "مناهج المستشرقين البحثية في دراسة القرآن الكريم"، للدكتور حسن عزوزي، أستاذ التعليم العالي بكلية الشريعة بجامعة القرويين بالمملكة المغربية.

في هذا الكتاب، يسعى الدكتور حسن عزوزي، إلى تأكيد على "أن طرائق المستشرقين ومناهجهم في دراسة القرآن الكريم تختلف عن تلكم الموظفة في علوم أخرى".

ويذهب إلى أن المنهج الاستشراقي العام في دراسة تاريخ القرآن وعلومه يكاد يكون غير علميّ، بل ومفصول عن سياق الموضوعية والحياد المطلوبين في كل بحث.

ويشير كتاب "مناهج المستشرقين البحثية في دراسة القرآن الكريم"، للدكتور حسن عزوزي، إلى اهتمام المستشرقين بدراسة علوم القرآن والتفسير اهتماما بالغاً، وذلك باعتبارها علوماً خادمة للقرآن ومعينة على فهم مقاصده وأغراضه.

ويؤكد على أن القرآنيات تشكل المجال الخصب الذي تواردت عليه أفلام كثير من المستشرقين سواء بالدراسة والبحث أو بالتحليل والنقد، ويحذرنا من الاعتداد بكل ما تعلق بالقرآن الكريم في كتابات المستشرقين، لأنه لا محالة "محطم للمسلمات التي يجزم بها المسلمون".

ويشدد الكتاب على أنه قد أصبح في حكم اليقين أن عالم المشرقيات عندما يتأهب لدراسة القرآن الكريم يضع نصب عينيه دعوى بشرية القرآن؛ محتملاً أن يكون مصدره من كل جهة إلا من السماء، وبالتالي، وبناء على هذا الاعتقاد الذي يصبح عند الرجل مسلمة بديهية، تأتي كل أبحاثه وجميع دراساته وقد قامت على أساس غير صحيح، وانحرفت عن المنهج الصائب.

ويُفرق الكتاب بين الاستشراق القديم والاستشراق المعاصر، وتغير المنهج الاستشراقي في هذا المجال نحو الأفضل والأحسن، وأنه برغم الفارق بين المنهج الاستشراقي القديم والمعاصر، فارق في الدرجة وليس في النوع، إلا أن الاستشراق المعاصر أضحى أكثر قدرة على تفهم واستيعاب بعض قضايا ومسائل علوم القرآن وإيحاءاتها، عكس ما كان سائداً قبل مطلع القرن العشرين.

شيخ المستشرقين

ويجول بنا الدكتور حسن عزوزي عبر كتابه "مناهج المستشرقين البحثية في دراسة القرآن الكريم"، في عوالم الاستشراق والمستشرقين، موضحا بأنه النظر ملياً في اتجاهات الاستشراق وتحولاته، يتبين لنا أن رجلاً لقب بشيخ المستشرقين في الدراسات القرآنية، كان يمثل حلقة وصل بين المنهج الاستشراقي القديم والمنهج الاستشراقي المعاصر.

ويتجلى فكر ذلك الرجل وهو "تيودور نولدکه" (ت ۱۹۳۱) في كتابه الشهير "تاريخ القرآن "Geschichte des Qorans الذي يُعد دستور المستشرقين في معرفة تاريخ القرآن، حتى أضحى الكتاب أبرز المصادر التي لا يستغني عنها الباحثون الغربيون في ميدان القرآنيات، فقد عرضها الرجل عرضا تاريخيا مفصلا تناول فيه كل المسائل والموضوعات التي تتصل بتاريخ القرآن الكريم وعلومه ومختلف مباحثه وقضاياه.

ووفقا للدكتور حسن عزوزي، فقد حرص "تيودور نولدکه" على إبراز سائر وجهات النظر الثابتة في مسألة من مسائل علوم القرآن؛ معتمداً في ذلك على استقصاء مختلف الآراء من مصادر عربية وأجنبية شهيرة ومغمورة، مخطوطة ومطبوعة على حد سواء، كما أنه اتبع في عملية الاستقصاء والاستقراء، ثم الاستدلال منهجاً أكاديميا صارماً لم يكن معهودا من قبل، وكل ذلك يؤكد على أن "نولدكه" قد وضع منهجاً جديداً في الدراسات القرآنية. 

ولعل أبرز معالم ذلك المنهج الأكاديمي الصارم، الرجوع مباشرة إلى المصنفات العربية اللصيقة بمجال القرآنيات، وذلك في الوقت الذي كان فيه المنهج الاستشراقي القديم يخلط بين شيء قليل مما هو مبثوث في المصادر، وما كانت تمليه تخيلات وتكهنات المستشرقين.

وبحسب صفحات كتاب "مناهج المستشرقين البحثية في دراسة القرآن الكريم"، فإنه وبرغم أن کتاب "نولدكه" يعتبر منعطفا بارزا في سباق البحث الاستشراقي في الدراسات القرآنية، إلا أن الحقيقة المتمثلة في استعمال نولدكه لأدوات بحث جديدة، ولمنهج صارم في الدراسة والتحليل لا يمكنها أن تحجبنا عن استبصار حقائق أخرى تتمثل في سوء توظيف تلك الأدوات البحثية على نحو مبيت، فضلا عن القصور والخلل في المنهج المطروق.

لكن صفحات كتاب الدكتور حسن عزوزي، تعود لتؤكد بأن كتاب، نولدكه كان فصلاً فاصلاً بين عهد كان يدرس فيه القرآن على أساس أنه هرطقة ومجموعة من التخيلات والتصورات جاء بها نبي مزيف، وبين عهد أخذ ينظر فيه إلى القرآن بقدر - ولو ضئيل - من الاحترام على أساس أنه كتاب المسلمين المقدس، الذي يجب أن يدرس أسلوبه وتبحث مضامينه وينقب عن حلقاته. 

غير أن المستشرق الذي يدرس القرآن ولا يؤمن بكونه من عند الله تعالى مهما حاول التجرد من الهوى والتزام شيء من الموضوعية والحياد، فإنه واقع لا محالة في أخطاء قطيعة ونظريات واهية تتأرجح بين سوء الفهم تارة، وسوء النية تارة أخرى، فهذا "نولدكه" نفسه لا يتردد في الحكم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بكلام هو بئس القول.

  لكن يمكن الاعتراف بأن المستشرفين المعاصرين ابتداء من النصف الثاني من القرن العشرين، هم أقدر على تحاشي أساليب الطعن والتجريح في حق القرآن الكريم ونبينا عليه الصلاة والسلام، حيث فرضت علاقة هؤلاء المستشرقين بالدول العربية والإسلامية، وبعلماء العرب والمسلمين قدرا من الاحترام والتعاطف، مما أمكن معه القول بأن قصور المناهج الاستشراقية المعاصرة في مجال القرآنيات أمر قد لا يظهر جليا إلا لقلة من المتخصصين في علوم القرآن ممن يستطيعون اكتشاف مواطن الخطأ والضعف في انتاجات المستشرقين في هذا الميدان.

منظور تغريبي

وبعد: فقد ناقش الدكتور حسن عزوزي في كتابه "مناهج المستشرقين البحثية في دراسة القرآن الكريم"، جُلّ ما يتعلق بطبيعة مناهج المستشرقين في دراسة القرآن الكريم، ومنهجهم في التشكيك فيما هو قطعيّ، واتباعهم لمنهج الانتقاء في استعمال المصادر، وتعمدهم لانتقاء الروايات الضعيفة والمنقطعة من مصادر علوم القرآن، وتوليد النصوص والشواهد بتصيدها من كتب الأدب والتاريخ، مع إهمال المصادر القرآنية الأصيلة، ختم الدكتور حسن عزوزي كتابه بمجموعة من النتائج والتوصيات.

 وجاء في نص تلك النتائج والتوصيات: أن الناظر المتأمل والفاحص في كتب المستشرقين المرسلة بعلوم القرآن يظهر أنه يجب عدم الانخداع بما قام بإظهاره بعض المستشرقين من تعاطف بالغ مع قضايا الإسلام، ومن ذلك استشهادهم بنصوص قرآنية، حيث أن ذلك الأمر لا يعدو أن يكون مطهراً جماليا وحضارياً يسعى المستشرق من ورائه الي التقرب الي المسلمين وكسب مودتهم.

وأنه يجب أن نعلم جيداً أن الباحث الغربي ما دام مستشرقا يدرس الإسلام من زاوية خارجية، ووفق منظور تغريبي، فلا ينتظر منه أن يؤمن ما نؤمن به وإلا لدخل في الإسلام.

 وانن الاتجاه السائد لدى المستشرقين المعاصرين اعتماد طرائق العلوم المعاصرة، ومناهج البحث الحديثة، مع الاستفادة من تقدم العلوم الإنسانية: تاريخ العلوم وفلسفة العلوم وعلى الأخص توظيف المنهج التحليلي في نقد النصوص.

وأنه ينبغي رصد ومتابعة كل ما يكتب عن القرآن الكريم في معاقل الاستشراق الحديثة من أبحاث ودراسات مختلف اللغات الأجنبية، ثم القيام بالرد عليها ونشرها في المجتمعات الغربية، وذلك عن طريق المراكز الثقافية الإسلامية والجمعيات والمنظمات.


من المكتبة الإسلامية مناهج المستشرقين البحثية في دراسة القرآن الكريم
Ehsan Logo