محمد حسن فقي.... عاشق مكة..شاعر الرباعيات الذي ذهب مع الحزن!
سهيل مجيب مشوح
بعد حياة حافلة بالشعر والصحافة والألم، امتــدت إلــى تســعين عامــا ونيــف، رحــل شــاعر مكة الكبير محمد حســن في العام 1425هـــ الموافــق 2004 م، مخلفــا وراءه آثارا توزعت بين الفلسفة وعلم الاجتماع، والبحــوث الإســلامية، والأدب الرصيــن، وآلاف القصائــد، وقصيدة لــم تنته، قال فيها:
أما أنا فقد انتهيت
وما أؤمل في الرجوع
فقد سئمت من الطلوع
كما سئمت من الـ ـ..
كان الفقي ـ رحمه الله ـ من طليعة شعراء الحجــاز، ومن صحفييها الأوائل، وينتمي إلى المدرســة الرومانســية، ويبــدو تأثره واضحــا بأعلامها، كما يعتــرف هو بذلك، ويؤكده في كل مناســبة، وكان ميالا في شــعره إلى الحزن والألــم، ويعزو البعض هــذه النزعــة فــي شــعره إلــى فجيعتــه الكبيــرة بفقــده ابنــه وابنتــه، وهمــا فــي ميعة الصبا، وريعان الشباب. ّ انكب الفقي في سن مبكرة على دراسة الأدب والفلسفة والتاريخ، وقرأ في سن الخامســة عشــر معظم ما كتبه أدباء مصر وســوريا ولبنــان والعــراق، وكان شــغوفا علــى مــا أنتجــه أدبــاء المهجر، ولــم يخف دهشــته بتراث الأدب العربي القديم، إلا أن هذا كله لم يشــغله عن متابعة التراجم ألعــام الغــرب فــي الفلســفة والأدب والتاريــخ. وقد أكســب النزعة التشــاؤمية الحزينــة شــعر الفقي لحنا رقيقــا ميزه عن أقرانه من شعراء الحجاز خاصة، والمملكة بشكل عام، وهذا التشاؤم المبرر، والحزن الشــفيف فــي شــعر الفقــي قــد أضاف وتــرا جديــدا على آلة الشــعر الســعودي، ونقرأ له في ذلك قوله:
كيف نخشــى الفناء، وما في العيش من راحة وال نعماء؟!
يا نجي.. هذه الحياة وليس الموت أدعى لحزننا والرثاء
قــد بكينــا المــوت، ورب حيــاة هــي أولى منها بهذا البكاء
وحزن الشــاعر الفقي لم يمنعه من محبة الناس، والاختلاط بهم بما يتيســر له من
عافيــة، ولم يحجب الحــزن عن ناظريه آلام الآخرين، ومتاعبهم:
إن روحي تجيش بالحب للناس
وتطوي بين الضلوع السلاما
هي لو تستطيع عانقت الكون
ومن فيه صبوة وغراما
ولم يشغل الفقد والحزن الشاعر عن الفخر ٍ بدينــه وأمتــه، فبكى بحرقــة فاقت لهيب قلبــه على ولديه،
وقــد شــهد بــأم عينيــه هــوان الأمــة، وانكســارها المتتالي، فامتــلأت نفســه رعبا علــى ما يحيق بدينــه، وهو على يقين راســخ بأن الإسلام والعروبة هما قلب وروح، وقيمة واحدة، وقد أعلن عن رأيه هذا في بيانات ٍ شعرية ٍ كثيرة نورد منها:
يا ويحكم إن العروبة قد زكت
بالدين، وهي ت ّعد من حراسه
وهي التي من يومها تمشي به
لفخاره، وتشد من أمراسه
ولها الغد المأمول حين تعيده
لشبابه، وتدق في أجراسه
ويؤكــد رأيــه فــي توأمــة العروبــة والإسـلـام فــي قصيدته "ثمن النكسة"، فيقول:
في كل قلب للعروبة مأتم
ريعت له وتزلزل الإسلام
ًسيظل فيها قائما ونريده
أن تستعر في ساحة الآلام
يا نار قد نضجت بها أكبادنا
لوالك لم تتبدل الأفهام
بوركت من نار فإن لهيبها
برد على أكبادنا وسالم
ولم يفقد الشــاعر الفقي إيمانــه بالعروبة رغم هزائم الأمة، وانكســاراتها، ألنهــا ذات عقيدة صلبــة، وإيمان مطلق، وكان يــرى من ظلمة تشــاؤمه بصيصا من النــور يحتاج إلى الإرادة والتوحيد، واليقظة ليتوهج من جديد، ويحرق عتمة الهزائم:
يا أيها العرب الذين تفرقوا
ّشَيعا فكاد كيانهم يتمزق
قد أثمر الخلف المفيد ثماره
فإذا العدو بكم محيط محدق
فتجمعوا... وتفاهموا... وتعاونوا
فالشر ّ كل ّ الشر أن تتفرقوا
اشــتهر الشاعر الراحل في منابر الأدب السعودي بالرباعيات، والخماســيات، ونظم عليها عقــودا
طويلة؛ يقتنص كل حدث أو مناســبة، معلنــا رأيــه ورؤيتــه، وكان وفيــا لعمود الشــعر، وأوزان الخليل، وقارب الموشحات الأندلسية شكال ومفردة، وكرس نهجا أحبه كثيرون، وتتلمذوا عليه، ونقرأ له:
أعيش نهاري ألف عام وأنطوي
من الليل في دنيا الهموم الخوالد
حياتي حياة الواجدين جميعهم
وليست حياة الواحد المتواجد
أتيت إلى الدنيا بأشجان أمة
فكيف تواسيني بأشجان واحد؟
وما أنا الإ ابق ما ترده
إلى ربعه إلا دموع الجلامد
عــاش الفقــي زاهــدا، متواضعاً، رغم ما أتيح لــه من معارف وعلائق وأسفار، وظل شعره مبعثرا في الصحف والدوريات، حتــى جــرى ج َمعُه ُ في الثمانينيات الهجرية، وطبع في ديوان "قــدر ورجــل"، وتم طبع أعمالــه الكاملة بعدها بوقت طويل مــن قبــل بعــض الأصدقــاء المخلصين لشــخصه ومســيرته الأدبية، كما استحدث الدكتور أحمد زكي يماني ـ وزير النفط الســعودي الأســبق، جائزة أدبية ســميت (جائزة محمد حسن فقــي)، وفــاء لعطائــه الأدبــي والإنســاني. ومثلمــا عــاش الفقيد شطرا من حياته زاهداً، فقد ختمها بالعزلة والانطواء، وقد أقعده المرض والسأم في داره ينتظر قدره دون خوف، ويقول في ذلك:
يا بقايا روحي اللواتي تخل ّ فن بجسمي... مالي بكن احتياج
أنا في اللحد مستريح بلا حس.. ولي بالظالم هذا ابتهاج
وأرى الدود كالزهور حوالي.. وما فيه كالأنام لجاج
واعلما أنني شغوف بمسراتي إليها.. وإن تصدى الرتاج
وإذا كانــت هــذه الإشــارة وفاء لمســيرة الراحل محمد حســن فقي، شــاعرا، وإنســانا فإنها تبقى مقصرة في وداعة بعدً عمــر مديد، وعطاء وفير، وحياة حافلــة بالأدب والحكمة. وهو الــذي أثــرى المكتبة العربية بمؤلفات حافلــة بالرؤية الصافية الثاقبــة، والأدب المرصع بالحكمــة والتجارب التي دفع ثمنها من عمره المديد، ومن أبرز مؤلفاته: نظرات وأفكار في الحياة والمجتمع.. هذه هي مصر..ملحمة شعرية في رحاب الأدب.. مذكرات رمضانية.. ترجمة حياة..[قدر.. ورجل] - رباعيات (شعر).. مجموعة قصصية...ومنــذ رحيــل الفقي حتــى اليوم، ولم تغفل عنــه أعين النقاد والدارســين، وهــو علامــة فارقة فــي ملامــح الأدب العربي ونثــره، وشــاهد علــى التاريــخ والمتغيــرات الاجتماعيــة التي عاصرها.

