تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

المقاهي الأدبية في باريس تاريخ وحكايات

المقاهي الأدبية في باريس تاريخ وحكايات

حجاج سلامة

برز دور المقاهي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل قرن العشرين، وكان هذا الدور أكثر بروزاً في بلدان أوروبا، إذ تحولت إلى مؤسسات ثقافية وسياسية وأرستقراطية يجتمع فيها الأدباء والشعراء والسياسيون ونبلاء المجتمع، مما جعل الاهتمام بتصميم المقهى وزخرفته ومقتنياته الفخمة أمرا ملحا لزبائنه، حتى بدت المقاهي في عصرنا الحالي متحفا تاريخيا ومقصدًا سياحياً مميزا يسترشد به السياح، ويتمتعون بزخارفه وتحفه، وتعد باريس، وفيينا، والبندقية، وبودابست من أشهر المدن التي احتضنت أرقى وأفخم المقاهي في العالم.

وقد تميّزت المدن الأوروبية الكبيرة مثل باريس، ولندن، وأمستردام، وروما، منذ عصر النهضة بظهور ما يُسمى بالمقاهي الأدبية، وهذه الظاهرة شهدت انتشاراً واسعاً خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وباتت هذه المقاهى المكان المفضل الذي يرتاده كبار الأدباء والشعراء والمفكرين والفنانين، 

وقد تنبّهت الكاتبة والأديبة السورية، هدى الزين، إلى أهمية المقاهي في باريس (عاصمة النّور)، وتتبّعت مسيرة تلك المقاهي، ودوّنت ذلك في كتابها "المقاهي الأدبية في باريس: حكايات وتاريخ"، والصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة.

وعلي صفحات الكتاب، تحكي لنا هدى الزين، عن المقهى الباريسي، الذي لم يعد مجرد مكان يجلس فيه الناس للقاء وتبادل الأحاديث، بل تجاوز ذلك بكثير، بل وذهبت "الزين" إلى القول بأن باريس مدينة الألف وجه المسكونة بهاجس التجدد والعراقة، تستحق أن توصف بأنها مدينة المقاهى بلا منازع.

وكما يدلنا الكتاب، فمن مقاهي باريس  مر العباقرة، وخرجت تيارات أدبية وفنية وفكرية، ومنها اندلعت الانتفاضات والثورات، وفيها ولدت حركات أدبية وشعرية وفنية وتيارات فلسفية، وألفت الكتب، وكتبت القصائد، ورسمت اللوحات الخالدة والمسرحيات، وضمت المعارض وتوقيع الكتب ومناقشتها، والتظاهرات الثقافية.. كما شهدت المعارك الفكرية والجدال السياسي، لذلك فقد جاءت باريس في صدارة عواصم العالم الثقافية.

مزيج من روائح متنوعة

وينقل لنا الكتاب قول هنرى جيمس، الروائي والناقد البريطاني من أصل أمريكي، مؤسس المدرسة الواقعية في الأدب الخيالي، المولع بالمقاهي الباريسية، والذي عاش فترة من عمره في فرنسا، ينقل لنا قوله: إن المقاهي ليست أماكن فقط، بل عبارة عن مزيج من روائح متنوعة، وأنه هنا – في المقاهي الباريسية - يتمكن المرء من الجلوس بسلام لساعات من دون إزعاج يقرأ ويكتب في الصباح، ويقوم بأعماله في الظهيرة ويضحك ويناقش الأصدقاء ليلا.

ونقرأ في الكتاب أيضاً، أن الروائي الأمريكي توماس وولف كان يفكر بمزيج الروائح التي تنبعث من المقاهي الباريسية وهي مركزة ومضغوطة، رائحة المشروبات ورائحة التبغ الفرنسي القديم، والرائحة المنبعثة من شرائح اللحم المقدد، والقهوة السوداء الباريسية ورائحة المرأة والنبيذ.

مقاهي الحي اللاتيني 

وتروي لنا هدى الزين، في كتابها "المقاهي الأدبية في باريس: حكايات وتاريخ"، قصة واحد من أوائل المقاهي الأدبية في فرنسا، وكان يدعى "الاموموس"، في منطقة السان جرمان. وكان من أهم رواده الشاعر الفرنسي "بودلير"، والرسام إدوارد مانيه، ثم افتتح بعده مقهى "بودکان" الذي كانت صالته المذهبة مليئة بالمرايا والأضواء موحية للعديد من الرسامين الكبار، ومنه انطلقت الأفكار الخلاقة واللوحات العظيمة وكان "مانيه" يشعر في جلسته أنه يتقابل مع نفسه من كثرة المراية المحيطة به. 

ومقهى "غروب دى بانتينول" الذي كان يتقابل به فنانون عظماء مثل: إدوارد مونيه، و هنري فانتين لاتور، وبول سيزان، والكاتب والروائي الفرنسي إميل زولا، حيث انطلقت من هذا المقهي أهم الأفكار الانطباعية في العالم، وعلى بعد خطوات من كافى فلور يقع مقهى "ليب"، وهو مقهى عرف كبار الشخصيات المعاصرة أمثال الرئيس الراحل فرانسوا میتران، ومصمم الأزياء الراحل إيف سان لوران، وكان الروائي الأمريكي  إرنست همينغوي وجها من الوجوه الأسطورية فيه وخلده في روايته (باريس والعيد).

وفي الحي اللاتيني خرجت الأفكار السريانية ومدرستها الفنية العظيمة من تاملات بيكاسو بين دخان السجائر وتأمل المطر الباريسي الذي ينقر زجاج النافذة فى ملهى لافلور إلى رائحة القهوة الطيبة التي كانت تثير مشاعره وإبداعاته.

وكذلك انطلقت من المقاهي الأدبية المدارس الواقعية الاجتماعية في الأدب والمنطقية والوجودية فى الفلسفة وشهرة هذه المقاهي أنها ارتبطت بالتيارات الفكرية التي شهدتها فرنسا في تلك الفترة الذهبية من تاريخها الأدبي والفكري والفني. 

بداية المقاهي الأدبية بباريس

ونتعرف من الكتاب، على أن المؤرخ الفرنسي جول ميشليه،  رسم لوحة بكلماته المعبرة يُخْبر فيها أن باريس أصبحت مقهى رحبا، ووصلت الحوارات فى فرنسا إلى أوجها، وقل الإقبال على البلاغة والخطابة عام 1787، ولم يعد من الممكن الحديث عن خطباء عدا روسو، وتدفقت روح الدعابة العفوية فيها، ويعزو الفضل لهذه الروح المتلالئة للثورة الفرنسية الميمونة وكذلك لمجيء القهوة الذى قلب عادات الفرنسيين وحسن مزاجهم الإنساني.

ووفقا لنصوص كتاب "المقاهي الأدبية في باريس: حكايات وتاريخ"، فقد كانت أولى المقاهي الأدبية الباريسية قد افتتحت سنة ١٦٨٩م، وهي دار أنيقة سميت مقهى "بروكوب" وكان الفيلسوف فرانسوا ماري آروويه فلوتير من روادها. وذاع من بعده ارتياد الأدباء للمقهى.

وتعاقب افتتاح المقاهي على درجات من البذخ والترف، ثم عم باريس صنوف عديدة منها، ولعل أشهر مقاهي باريس في القرن الثامن عشر هو المعروف باسم "دى لورانت"، فقد كان يختلف إليه نخبة أدباء العصر ومفكروه وعلى رأسهم جان جاك روسو الذي عرف عنه أنه نارى وحاد المزاج وهجاء بالسليقة. وحدث أن ثار على زبائن هذا المقهى الأرستقراطي ويسط فيهم لسانه ونظم قصيده هجا فيها جميع من يحتسون القهوة فكانت قصيدته ذريعة إلى نفيه من باريس وفى المقاهي الباريسية كان فيه أندريه بريتون يصدر بياناته والتف من حوله مريدوه فيها، وألف جان بول سارتر مع رفيقته سيمون دو بوفوار كتبهما عن الوجودية والجنس الآخر على طاولة صغيرة في مقهى ظور أو ديماغو، بعض هذه المقاهي اختفى والبعض الآخر صمد في وجه الزمن. ولكل من المقاهي الواقعة فى هذا الحي أو ذاك من باريس سيرته الخاصة المرتبطة مباشرة بنوعية وشخصيات رواده .

وبحسب الكتاب، فقد اعتبر القرن التاسع عشر العصر الذهبي للمقاهي في فرنسا، وشكلت مصدر وحى لكبار الرسامين والكتاب الذين كانوا يترددون عليها، وخلدت في لوحات بول سيزان وبيكاسو وفان كوخ وسلفادور دالي وفى نصوص البالزاك وجيرارد وتير فال.

وشكلت المقاهي الواقعة فى حى مونبارناس مهدًا لولادة الحركة السريالية التي يعد الكاتب أندريه بروتون من رموزها الأساسية بعد الحرب العالمية الثانية شهدت المقاهى الواقعة فى حى سان جيرمان ولادة الحركة الوجودية مع جان بول سارتر.

إبداع في المقهى

ولا يوجد كاتب فرنسي أو أجنبي عاش في باريس، لم يكتب عملاً أدبيا من أعماله فى المقاهى، فسيمون دو بوفوار كانت تكتب في مقهى سيليكت في الموتيارناس، كما أن إرنست همنجواى كتب قصصه القصيرة في مقهى غلوسرى دى ليلا.

وهكذا تحولت المقاهى إلى نوع من المكاتب أو الدوائر بالنسبة للكتاب والأدباء الذين كانوا يكتبون ويتناولون طعامهم ويستقبلون ضيوفهم فيها في آن واحد. وبمقابل ثمن فنجان قهوة واحد وكان المقهى يوفر لهم يوما دافنا في جو باريس البارد.

فسيمون دو بوفوار، وارنست همنجوای، وجان بول سارتر، وبول فور ، وأندريه بروتون ، كتبوا أشهر أعمالهم على مقاعدهم في المقاهي الأدبية الباريسية، وارتبط كل منهم بمقهى مُحبب له، لكن بعض الكتاب والأدباء كانوا يفضلون التنقل بين مقهى وآخر.

بينما كان الشاعر بول فيرلين، يقضى جُل حياته في المقاهي المختلفة، يتناول الخمور، ويُدمر صحته بيده إلى أن مات وحيداً.

وكان الشاعر غيوم أبولينير ورفاقه قد اختاروا مقهى أقل إزعاجا من غيرها من الأماكن، وكان كل كاتب يؤسس عقداً من الإخلاص للمقهى الذي يرتاده ويخلق نوعا من التماهي معه، بل ويمنحه هويته، إن صح التعبير.

ونطالع على صفحات كتاب "المقاهي الأدبية في باريس: حكايات وتاريخ"، لمؤلفته هدى الزين، أنه في تلك المقاهي التي يستعرضها الكتاب، هناك طاولات تحمل أسماء بعض المشاهير، منحوتة في خشب الساج الجوزي، الأمر الذي يعمل على تنشيط الذاكرة التاريخية لهذه الأمكنة العريقة في التاريخ الفرنسي.

مقهى يمنح جائزة أدبية

وقد خُلّد اسم مقهى "لى دو ماغو" في عدد من الأعمال الأدبية المهمة في العالم منها: صناع العربة لستيف ماتاشيت، حيث يصفه الكاتب بأنه أول مقهى تباركه أشعة شمس الصباح، ورواية لوليتا لفلاديمير نابوكوف ١٩٥٥، ورواية ابها داويسر ذلك الصيف في باريس ٢٠٠٦، ورواية بين الجسر والنهر لكريج فيرغسون ۲۰۰٦ ، ورواية الفتاة السيئة لماريو فارغاس يوسا 2006. 

وهكذا فإن مقهى"لي دو ماغو"، يحمل تاريخا أدبيا وفنيا حافلا، حيث شهد إبداعات لكبار الأدباء والكتاب، ويمنح المقهى جائزة أدبية سنوية لأحد الكتاب والفنانين. 

بقي أن نُشير إلى أن كثيراً من المقاهي الباريسية أسسها مواطنون قدموا لفرنسا من بلدان عربية، وأن بعضاً من الصحف والمجلات الفرنسية، كانت انطلاقتها من المقاهي الأدبية في العاصمة باريس، 


المقاهي الأدبية في باريس تاريخ وحكايات
Ehsan Logo