العنوان ودلالته في الشعر السعودي .. الموت نموذجًا
بقلم د. عماد على الخطيب*
المقصود يكون الموت عنوانًا أن يعنون الشاعر قصيدته بلفظة «الموت» أو بجملة تحوي لفظة «الموت» أو بجملة توحي بوجود الموت، وهذا الإيحاء التوظيفي تحكمه قراءتنا للقصيدة وما جاء من ذكر للموت خلالها.
وقد وظف عدد من الشعراء السعوديين الموت في عنونة القصيدة، وذلك لأكثر من دلالة، ومن أشهر هذه الدلالات «الرثاء»، وهذا «حسن الصلهبـي» في ديوانه «بين يدي امرئ القيس» قد صنع قصيدة رثاء إلى والده - رحمه الله- وعنونها «سيظلّ الموت حيًا» والعنوان أول عتبة «شيفرة» رمزية يلتقي بها القارئ، وعلى القراءة باعتبارها تلقيًا منهجيًا أن تلتفت للعنوان محاولة ربطه بجسد النص.
وعنوان الصلهبـي جملة إخبارية عن الموت وأنه سيظل حيًا، وحياة الموت مرهونة بمن يقابله من أحياء، فهم ميتون وهو الحيّ - على الأقل حتى يأذن له الله- عزٌ وجلٌ - بالموت -؛ إذ يقول الشاعر «٣»:
وبعدك يبقى الموت حيًا، وكم رفا
بأعمارنا ثوبَ الحياة بلا بال
نموت ونحيا غير مكترث بنا
وأي حياة تستديمُ على حال؟
وتبقى أمنية الشاعر أن يرحم الله والده ويدخله » دار الخلد في المنزل العالي« ثم يقر بأنه ينتظر الموت الذي سيظل حيًا له ولغيره، ولكنه سينتظره رغبة في لقيا الوالد بجنة الفردوس، فيقول:
أنا في انتظار الموت يجمع بيننا
بجنة فردوسٍ مع الأهل والآلِ
كذلك عنون «عبد الله فهد» قصيدة في ديوانه «۱۸ يناير» وجعلها «سيناريو لموت بعيد»، وهو بذاك ينجح في أن يقفز بذاكرتنا نحو ما وراء لفظتين هما «سيناريو»، و«بعيد»، فنتساءل عن السيناريو الذي سيكتبه الشاعر عن موته، ثم نتساءل عن سبب بعده، فنقرأ قوله «6»:
حين أموت
لن تكتب صحف الصباح نعيي
وتلك البداية فقد مات الشاعر! ولم تنعه صحف الصباح، فلعله سيموت في الليل الأخير الأقرب للصباح، ونرى أن كلمة «الصباح» ذات دلالة درامية أكثر من دلالتها الزمنية، فليس مهما أن نقول عن زمن موته في الصباح، بل إنه من المهم أن الصحف التي تعود قراءتها كل صباح لن يقرأها ولن تكتب خبر نهيه فلعلها لم تعرف عنه لأنه سيموت بعيدًا عن مكان تغطيتها. أيموت وهو في الغربة مثلا؟
وهذا ما يتابعه في سيناريو موته، فمن التي ستفتقده؟ ومن التي ستبكيه؟ يقول «٧»:
ولن تفتقدني الفراغات المعلقة
ولن تبكي عليّ سوى أمي
وامرأة ثلاثينية في كندا.
حضرت «كندا» و «امرأة» تبكيه هناك. فلعله يموت هناك. وستبكيه أمه عندما تسمع الخبر وهي بعيدة عنه. أما الفراغات المعلقة فهذه حياته التي تركها في وطنه، وسيتبادل أصحابه خبر موته كأي تبادل بينهم لأي رسالة جوّال بينهم، وسيحتل رجل آخر غيره مكتبه في العمل، وينتهي سيناريو موته كأي حدث سيمر ويمضي وكما قالوا «الحي أبقى من الميت».
ومن القصائد التي عنونت بالموت إيحاء قصيدة « ١٨يناير» للشاعر «عبد الله فهد» من ديوانه المعنون بعنوان القصيدة نفسها. ويحكي الشاعر حكاية موت «الفتى» والعنوان يبدو تاريخًا صريحًا لزمان موته.
واستخدم الشاعر في عنوانه لفتة لزمن الموت؛ لأنه يحكي حكاية لا مواربة فيها فقد توارى الفتى خلف اللحد، ولم يمنح «هتافات الموتى مزيدا من فضوله» فاستجاب لهم ومات، وتكحلت أعينهم - بعد موته - بعتمة التيه وترك لهم الكفوف قلقة وحيدة، وفي قفلة القصيدة يعيدنا الشاعر إلى حيث الفتى «بطريقة اللف والنشر» ،فيقول:
ليت الفتي
حين نوه التنزه
في مركب الموت
استشار!
إنها قفلة مناسبة للغة الموت فهو لا يستشير، ومركب الموت لا يتنزه به، ولا أحد ينوي أن يموت، فكيف استقامت «اللاءات» معًا في جملة واحدة مثبتة عند الشاعر، إنها لا تستقيم إلا في ذهن الشاعر، ويريدنا أن نقتنع بها في صورة إيحائية تبيّن قوة مشهد الموت بتاريخ احمد الزهراني «١٨ يناير» إذ نوى الفتى أن يتنزه في مركب الموت ولم يستشر أحدا.
وفي قصيدة أخرى يعنون الشاعر نفسه قصيدة له بعنوان يستحضر الموت لفظا فيكتب «صديقي الموت» ، ومطلعها:
أنا أكثر الأشياء قربًا من الموت
وهو إشارة للموت الذي يحيط بالشاعر من حوله. ويبدو الموت صديق يطفو معه «كل صباح» ويشرب القهوة معه، وينزويان خلف صفحات الجريدة. وفي المقطع الآخر يقول الشاعر:
حين يفتح شارعنا
ذراعيه للجفون الملطخة بالنعاس
لا نبحث عن بعثنا...
مقفرة أيامنا
ثم يقفل الشاعر القصيدة قصيدته بتشبيه ما يجري بينه وبين الموت بقوله:
كامرأة أسدلت لهفتها على رمل لم يجف.
فالمرأة التي أسدلت لهفتها تتمنى أن تنقضي لها تلك اللهفة، خصوصًا وأن الرمل مبلل ويؤذن بالقادم، وكذلك يحس الشاعر بقرب موته منه كل يوم وكل صباح وكل سهرة ومع كل قهوة وفي كل صفحة جريدة وفي كل شارع كالأصدقاء تمامًا. وهذا إيحاؤه بأن «أيامه مقفرة» لا حياة فيها، بل يحيطها في كل ما يحيط الشاعر موت في موت.
ومن القصائد التي عنونت بالموت لفظًا قصيدة الشاعر «إبراهيم الوافي» بعنوان «الموت... »! من ديوانه «وحيدًا من جهة خامسة» والشاعر هو الذي وضع النقطتين والتعجب، وفي ذلك دلالة لوجود «أما بعد» لذكره الموت وتعجب يدهشه تجاه جبروته الذي استمده من خالق الموت جلَ وعلا.
فيقول الوافي في المطلع:
هو الموتُ سيرةُ ذكرى....
والقصيدة تتكئ على صورة بصرية واحدة منذ المطلع هي صورة نقطتيٌ الحذف، فيحذف الشاعر اختصارًا كلمات لها في باله مكانًا قد تتعدى مجرد ذكرها؛ فيستقيم عند الشاعر ذكرها وعدمه. وكم من كلمات يبقيها المرء داخل نفسه ولا يخرجها؛ كي لا تجرح أكثرا! وهذا ما صنعه الشاعر، فكيف استثمر الشاعر اختياره للعنوان ولعبته البصرية في النص؟
تتكرر لفظة الموت «العنوان» في مطلع كل قسم من أقسام القصيدة، ويبدو أن الشاعر يقصد من ذكره «الموت» مسبوقًا بمبتدأ ضمير الغائب «هو» إلى تنبيهنا بأن ما يقصده عن الموت ليس بالأمر الهـّين، إضافة إلى إمكانية جمع الكلمات اللصيقة بمفردة الموت في الأسطر الشعرية لتشكيل صورة تتكلم عن «السيرة.. والذكرى.. وثقب النافذة.. والشقوة.. والنهاية التي لا تنتهي». فما الذي يجمع تلك المفردات إلى جانب بعضها؟ وما الذي يوفق بينها؟ إنه الموت. وقد أحسن الشاعر بلصق الموت في كل جملة تحوي تلك اللفظات فيكون الموت هو استرجاع لسيرة مضت والموت هو استرجاع للذكريات والموت هو الثقب الذي يفتح ما هو آت والموت هو نهاية الشقاوة والموت هو النهاية التي ليست بنهاية.
أما الموت العنوان فيمثل خلطًا لكل ذاك. بل يوحد بين ثلاثة أقسام كبرى تجزئ القصيدة. ففي كل قسم يوجد ذكر للموت ويشكل الموت في القسم الواحد إلى جانب الصور الجزئية الأخرى صورة كلية ، فيكون الموت محورًا لتلك الصورة الكلية التي يمكن أن تشكل صورة أخرى كلية للنص كلّه من خلال درايتنا بأن الشاعر يرثي جدّه، ويمكن أن نفصل تلك الصور في التالي.. يقول الشاعر عن الموت بأنه: عذاباتُ من بعدنا بعدنا.. وبعض ما يترك الرمل فوق زجاج المواعيدِ.. وأخبارنا في المجلاَت.. وأسماؤنا في المحلاَت، أو وجه «جده» إذا غادرتنا الحكايا «تذكرناه» ... أو كذَّبتنا المرايا رأيناهُ يمشط لحية أيامه الفانية ثم «يراه الشاعربين» الخيالات وبين رفوف الستائر.. « يراودُ» عن نفسِه نفسَه وانتهى بالغبار..!
من هنا ندرك حجم المعاناة بفقد ذاك الرمز، فالجد حكاية لا مثيل لها، وإن تحكّم الناقد بالذي بين الأقواس من قول الشاعر إلا أن لفظة «جدّي» كانت صريحة جدًا لا تخفي وراءها احتمالات أن يكون الحديث عن الموت عامًا. ونجح الشاعر إذ ينقلنا في القسم الثاني إلى اللا مباشرة وهي اللغة المطلوبة فحضرت الاستعارات وحضر التجسيد إذ جعل الشاعر الذاكرته ثقبًا يتسع للموت وجعل الموت يأتي من ذاك الثقب تصويرًا لكون الموت موجودًا في الذاكرة ولكن قلما نعترف بوجوده إلا إذا حضر فالثقب علامة الاستقرار والثقب علامة المعرفة التامة به والصفات الآن تأخذ توجيهًا من الشاعر تجاه الموت؛ إذ يرى الشاعر الموت:
واقفًا يمسح الآن جبهته من تراب القبور وسوق الخطايا ویده:
لا تصافحه
لكنه يمد له من يده إصبعًا هو مع حديث الناس عنه صار:
كالنميمةِ.....
وجاء دور عائلة الشاعر من بين الناس ليخطّ الموت في دفترها الحزن، واستحضر الشاعر لونًا للموت هو البياض؛ لشدة وضوحه وقوة فاعليته، وتأثيره، فهو:
أبيض كنهارِ اللبن...!
وهو وإن بدا بما يفعله من حزن أسود، لكن سواده ناصع كشدة وضوح بياض الكفن وعدم اختلاط بياض الكفن بغيره، كالموت الذي لا يختلط بغيره ولا يقبل أن يختلط، يقول الشاعر:
أسود كبياض الكفنْ...!
وفي المجمل فالموت موجود في كل مكان وقد جسّد الشاعر صورته فجعلها:
قائمة كغبار الزمنْ...!
واقفة فوق سور الكلامِ..
تعلّق أخبارها في البناياتِ.
وأطفالها يعبثون في الشوارع.
وتعلنُ عن مُنتَجٍ ذائع ٍفي بلاد النهاياتِ..!
ويختم الشاعر لوحاته عن الموت العنوان بالموت الموجود في كل مكان وهو إن انتهى بنهاية مهمته تجاه موت الجدٌ، فإنه ما انتهى من خلال أبدية مهماته تجاه البشر وهو آخر من يموت!
ويبقى الشاعر مع تجسيد الموت الزائر، بين حينٍ وحينٍ.. ويضع الشاعر حكمته تجاه الموت المبشر والمرسل وأننا نلجأ إليه تارة إذا ما أردنا أن:
نأخذه للهروبُ...!
ومن القصائد التي عنونت بالموت لفظًا - كذلك - قصيدة «صباحات الموت... وأكفان الظلام.... » للشاعرة «شريفة أحمد الزهراني»، من ديوانها «الأماني الذابلة» «۱۳»، والشاعرة إذا تعنون قصيدتها بالموت، فتقترب من حقيقته التي ضيعها الجيل الجديد «بالسلام»، فلماذا ماتوا في الماضي؟ هل لنصنع نحن السلام في الحاضر! تقول الشاعرة «۱٤» :
موتى وقد نهضوا من الأجداث
كي يلقوا على الدنيا السلام.
وتقول «۱٥» :
جيل يورث جيله الآتي مقادير الأنام:
«هم نازحون، هم هاربون، همو كأشلاء الظلام»
فترسم الشاعرة في عنوانها صورة لونية ذات تقابل بين «أكفان»، و «صباحات»، وصورة لونية ذات تضاد بين «صباحات»، و«الظلام».... أما الموت فهو الطرف الذي يؤخذ للكلمات الثلاثة، فالكفن المقصود بالعنوان لم يكن أبيض، بل أسود كالظلام، والموت الذي جاء في الصباح التف بلون الصباح الأبيض، وكفن بالسواد، فالصورة اللونية البصرية ذات دلالة وتفهم من خلال النص، ولنقرأ قول الشاعرة:
وهناك في تل المقابر واقفون
قوم يحفهم الأنين
وبكاء ثكلى... أو بنات نائحات كالحمام
قد ودّعوا شهمًا ولكن بالخيوط البيض لا كفن الظلام.....
استقبلوه على البياض... وودعوه على بياض.
وبالموت ينتهي جيل بطلٌ من الأرض، ويأتي جيلُ آخر لا يريد الموت، ويظل لغز الموت مجهولا، ونظل تودّع الماضي، ونريد حل اللغز في حساب عمرنا! وتختم الشاعرة قصيدتها بقولها: «وفي النفس انهزام» أي يظل في النفس انهزام ورغبة في عدم حب الموت. وكل شيء قد تغير: فالموت الذي كان صباحات أعطوه من الأكفان الظلام.. والصباحات فسرها قولها: «ومضى النهار»، وقولها : «ورحل النهار» ،والنهار إذ رحل ومضى فقد مضى معه «أشباح الأنام»، الذين هم «موتى»، ثم عادوا للقبور يلّفهم الانكسار، وأجدبت ذكرى النهار أي «مات» وحلّ الخريف، ولا يوجد في الدنيا غير الفقر والجوع. ونحن ما زلنا نطلب صباحات الموت أي «لا موت» في حين أن الكفن مهما كان لونه الأبيض فدلالته السوداء لا تفارقه.
وتختلط القصيدة التالية بين دراستها تحت الموت عنوانا، أو الموت سيرة، وهي من حكايات الموت المؤلمة إذ يروي لنا الشاعر «حسن الزهراني» من ديوانه «تماثل» حكاية طفل ضاع بين الجبال ويعثر عليه في اليوم الخامس من ضياعه ميتًا!
ويعنون القصيدة ب «مساء الموت» «١٦».. ويفتتحها بقوله:
مساء الموت يا أمي..
مساء الموت يا أبتِ...
مساء الموت يا قومي..
ثم تترى المساءات في كل مقطع على طريقة «المشاكلة البعيدة»، ويصف لنا الطفل كيف كان الموت يرصد خطوته الحيرى، ويروي لنا الطفل إطفاء الموت لمشكاته، حرقه لصبره، ويتحول كل ما هو حول الطفل من زهور وليل وأصوات إلى موت. واقرأ ماذا قال الطفل لأمه «١۷» :
أما تدرين
أن الموت مذ فارقت صدرك
كان يرصدني..
ويرصد الشاعر لحظات عاشها الطفل مع الموت «١۸» :
أما تدرين
أن الموت حاصرني..
أما تدرين
أن الموت يا أمي
يقهقه ساخرا مني

