تشارلز دیکنز.. أعمال روائية خالدة سَحَرَتْ القراء
إعداد/ حجاج سلامة
تشارلز ديكنز (1812 – 1870).. روائي وكاتب وناقد اجتماعي إنجليزي، اشتهر بأعماله الخالدة "أوليفر تويست"، و " وقصة مدينتين"، و "أوقات عصيبة"، وغيرها من الأعمال الأدبية التي بقيت ذائعة الصيت في أوساط القراء حتى اليوم.
تشارلز ديكنز، الذي يُعد من أكثر كُتّاب العصر الفيكتوري شعبية، لا يزال أكثر الروائيين شعبية في العالم، وذلك بالرغم من مرور أكثر من 150 عاماً على وفاته، وقد نالت الأعمال السينمائية والدرامية التي اقتبست من أعماله نجاحاً كبيراً شجّع صناع الأفلام السينمائية والدراما التليفزيونية على مواصلة الاقتباس من روايات تشارلز ديكنز.
وقد عُرف "ديكنز" الذي كان شاهداً على عصره، ومُحامياً عن الطبقات العمالية، بعبقريته الفكاهية، وسخريته واستنكاره للبؤس، إضافة إلى قدرته على التخيّل العاطفي، وهي القدرة التي مكّنته من خلق عالم اجتمعت فيه الواقعية والإبداع والتّخيُل، فسحر برواياته القراء من كل الأعمار ادخل وطنه وفي العالم أجمع.
ولد تشارلز ديكنز فی پورتسموث Portsmouth، في السابع من فبراير عام ۱۸۱۲ وكان والده، الذي ينحدر من أسرة من الخدم، قد حصل على وظيفة صراف فى وزارة البحرية ، ولكنه كان عرضة لبؤس مالى مستمر، وهكذا كابد ديكنز خلال طفولته ، الفقر والبؤس اللذين تتعرض لهما الطبقات الشعبية.
وفى ربيع عام ۱۸۲٤، تعرض الغلام لمهانة مزدوجة انطبعت بها تماما حياته وأعماله، فقد دخل أبوه السجن بسبب الديون التي تراكمت عليه، واضطر تشارلز ديكنر للعمل في مصنع لدهان الأحذية، وكان يقوم بلزق البطاقات على الزجاجات مقابل أجر زهيد، الأمر الذي كان بالنسبة له بمثابة كابوس استمر خمسة أشهر.
وظل ديكنز يحتفظ بمرارة تلك التجربة، وبقيت في ذاكرته، كما بقيت مشاهد حياة البؤساء في لندن ماثلة أمامه، حيث رأى أن لندن مدينة تضع على وجهها قناع الرخاء الفيكتوري المزيف.
ولما خرج أبوه من السجن، استطاع تشارلز ديكنز أن يواصل تعليمه لمدة ثلاث سنوات، وقد توظّف بعد ذلك لدى أحد المحامين، وانتهز وقت فراغه ليتعلم الاختزال، وهو ما أتاح له أن يشغل عدة وظائف كمراسل صحفى، بعضها في مجلس العموم.
وفي عام ١٨٣٦ بدأ ديكنز يمارس مهنة الأدب، وكانت "مذكرات بكوِك" هي أولى رواياته التي كتبها في الرابعة والعشرين من عمره، وقد حقَّقتْ هذه الرواية نجاحًا منقطع النظير بين العامة والنقاد على حد سواء، وقد ساقه طموحه وعبقريته نحو أمجاد أعظم.
وفي شهر أبريل عام ۱۸۳٦، عشية زواجه من ابنة أحد الصحفيين ذائعي الصيت آنذاك، أصدر تحفته المُسمّاه "مغامرات مستر بيكويك"، ونُشرت في شكل حلقات مصوّرة في أحد المجلات الشهرية، حيث حققت انتشاراً وشهرة واسعة النطاق.
غير أن ديكنز حول اتجاهه من دعابة مستر بيكويك الحارة ، وكشفه للعالم، عن اهتماماته الحقيقية، وبعد أن ترك العمل بمهنة مراسل صحف، تولّى رئاسة تحرير أحد المجلات المعروفة وقتها، وفي ذلك الوقت ظهرت رائعته "أوليفر تويست"، ونشرت كذلك في شكل حلقات مثل "مغامرات مستر بيكويك".
وفيما عُرف بأنه تعبير من تشارلز ديكنز عن تجربته الخاصة، من خلال قصة يتيم فقير ضائع، راح يُندد بافتقاد المجتمع للإنسانية، وذلك العالم الذي رآه حافلاً بالظلم والوحشية، والواقع الذي وجده عنيفا بلا رحمة، ومن هنا قدّم ديكنز أعمالاً تعد من أكثر النصوص الأدبية الأليمة والمؤثرة والتي ظلت خالدة على مدار أكثر من 150 عاما مضت.
وفي عام ۱۸۳۹، ظهرت روايته "نيكولاس نيكلبي" والتي نشرت مسلسلة بداية من أبريل 1838 حتى أكتوبر 1839، وهي مغامرة ميلودرامية ، تسير فيها الدعابة والسخرية جنبا إلى جنب مع السخط العنيف على المجتمع.
وقد ترك ديكنز أعمالا أدبية بارزةمن الروايات والقصص القصيرة والمسرحيات ، والمقالات المختلفة. وقد ضمت أعماله شخصيات منحرفة و فكاهية وساذجة ولطيفة، وأخرى مؤثرة ومضطربة واجتماعية وهزلية.
ومعظم مؤلفاته، كان تشارلز ديكنر يدعو إلى ضرورة الإصلاح الاجتماعي وإلى تدعيم المؤسسات الخيرية والصحية التي ترعى الفقراء من الناس. وذلك في إطار إيمانه بأن كل الأحوال المزرية والسيئة قابلة للإصلاح مهما كان مدى تدهورها، وهكذا سخّر قلمه البليغ للدعوة إلى تخليص المجتمع البشري مما يحيط به من شرور وأوضاع اجتماعية غير عادلة.
وكما تدلنا المصادر، فقد "برع دكنز أيما براعة في الأسلوب القصصي، وكان يصف شخوصه وصفًا دقيقًا ويرسم حركاتهم ويتعمق دراسة أخلاقهم وسرائرهم من حمق وكبرياء وقسوة وأنانية. وتصور رواياته ذكرياته الخاصة عن أشخاص صادفهم أو أحداث مرت به، غير أن خياله الخصيب استطاع أن يخلق من الأفراد العاديين شخوصًا روائية مثيرة، وأن يصور الحوادث العابرة تصويرًا رائعًا يلمسه القارئ لمذكرات بكوك، غير أن ذلك لم يمنعه في كثير من الأحيان من دراسة الناس دراسة واقعية، فاستطاع بذلك أن يمزج الحقيقة بالخيال".
وتوالت أعمال ديكنز التي بدت فيها إنسانيته وشاعريته ولغته التي لمست شغاف القلوب، حتى وفاته يوم 9 يونيه ۱۸۷۰، حيث بكته إنجلترا جمعاء، وقد دفن رسميا في دير ويستمنستر، وكان ذلك رمزا لشعبيته الكبيرة الباقية حتى اليوم.

