من فنون العرب خارج الشعر والنثر الفني: التوقيعات والتقريظات والمجنبة في الأجوبة
حين نقرأ في الصفحات الأولى من الكتب التراثية العربية وصف المؤلف بأنه الكاتب الأديب المفلق الألمعي الذي لا يشق له غبار في سباق الكتابة فنحن تلقاء كاتب فذ بالفعل، وكان الشاعر أبو الفتح محمد بن محمود السندي قد أطلق على نفسه لقب ( كشاجم) وهو اختصار لهواياته الأدبية والفنية فهو: كاتب، شاعر، أديب، جميل، مغني.
كما نقرأ في نهايات الكتب: كتبه الأديب الأريب راجي عفو ربه.
هذه الأوصاف وغيرها توشح كتب التراث العربي بشكل يحولها من مجرد أوصاف عادية بالكتب إلى فن حقيقي، له لغته وأساليبه ورؤاه، وله مضامينه خاصة إذا حظي الكتاب بتقريظ من أحد الكتاب أو الأدباء أو الشعراء، وهذا بدوره ينقلنا لفن آخر هو : التقريظ.
حيث جرت عادة الكتاب والمؤرخين المتقدمين أن يعرضوا ما كتبوا أو ألفوا على إخوانهم الكتاب العلماء أصحاب الفن لما عسى أن يظهر لهم في ذلك ويشهدوا على ما هنالك ويسمون ذلك تقريظا وقد أكثر المتأخرون في ذلك وبالغوا نظما ونثرا موافقين ومصادقين على ما يعرض عليهم صوابا أو خطأ والحق أن معنى التقريظ في اللغة كذلك أي مدح الكتاب أو المؤلف كيفما كان وفي القاموس "التقريظ" مدح الإنسان وهو حي بحق أو باطل .
ويرى بعض النقاد أن التقريظ إذا كان بسؤال وبطلب فهو باطل أما إذا كان بغير طلب وكان الحامل عليه الاستحسان فهو صواب والحال أن الكتاب استطاب سواء هو مقروظ أو غير مقروظ إذ من المأكول ما هو أفضل القروظ كاقتطاف القطائف فالحكم إذا للذوق السليم والعقل الحكيم وحسن الكتاب إذا قرظ نفسه بنفسه.
فن التوقيعات:
والتوقيعات هو فن التعليق على حدث أو خبر أو كتاب أو مسألة أو ديوان بمعنى التعليق وإبداء رأي قصير وموجز في عبارة أو أكثر.
وهي تلك التعبيرات الموجزة التي كان يكتبها الخليفة أو الملك أو الأمير أو السلطان أو الوزير تعليقا على كتاب أو رقعة ويذيلون بها الخطابات الرسمية، وتكاد التوقيعات تكون مقصورة على اللغة العربية دون غيرها، كما تمثل التوقيعات مرحلة من مراحل النضج الأدبي والبلاغي للعرب، وتعود بدايات نشأتها إلى ما قبل الإسلام، ثم نمت وتطورت في العصر الإسلامي والأموي، غير أنها ازدهرت ازدهارا زاهيا في العصر العباسي، وأصبحت فنا مرتبطا بالساسة وعلية القوم، ولا يمارسه إلا البلغاء وأصحاب اللسن والقدرة على إدارة الكلام. وتتسم التوقيعات بالإيجاز البلاغي، ودقة الصياغة، ومتانة التركيب، وقوة المعنى ونفاذ التأثير، وتتنوع في بنيتها وتراكيبها في أساليب خبرية وإنشائية، وتقتبس من القرآن الكريم والحديث الشريف، وتوظف فيها الأمثال والحكم والشعر، وتحمل مفاهيم دلالية واسعة لما تحتويه من صور بلاغية تشبيهية واستعارية وكنائية، وإيقاعات موسيقية قوية، ترمي كلها إلى إيحاءات ورموز وتعويض، تنتهي بالمعنى إلى ذهن المتلقي وتستوفي الغرض الدلالي بكل وضوح وتأثير.
ومن نماذجها : توقيع الخليفة هارون الرشيد إلى صاحب خراسان، وقد بدا تذمر الرعية عليه: «داو جرحك لا يتسع». وتوقيعه في حادثة البرامكة، بقولـه: «أنبتتهم الطاعة، وحصدتهم المعصية".
المجنبة في الأجوبة:
هذا فن رائع عرض لنماذج منه أحمد بن محمد بن عبد ربه في كتابه : ( العقد الفريد) قدم له بالقول:
قد مضى قولنا في كلام الأعراب خاصة، ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في الجوابات التي هي أصعب الكلام كلّه مركبا، وأعزه مطلبا، وأغمضه مذهبا، وأضيقه مسلكا؛ لأن صاحبه يعجل مناجاة الفكرة، واستعمال القريحة، يروم في بديهته نقض ما أبرم القائل في رويته، فهو كمن أخذت عليه الفجاج، وسدّت عليه المخارج، قد اعترض الأسنة، واستهدف للمرامي، لا يدري ما يقرع له فيتأهب له، ولا ما يفجأه من خصمه فيقرعه بمثله، ولا سيما إذا كان القائل قد أخذ بمجامع الكلام فقاده بذمامه بعد أن روّى فيه واحتفل، وجمع خواطره واجتهد، وترك الرأي يغبّ حتى يختمر؛ فقد كرهوا الرأي الفطير كما كرهوا الجواب الدّبريّ ، فلا يزال في نسج الكلام واستئناسه، حتى إذا اطمأن شارده، وسكن نافره، صك به خصمه جملة واحدة ثم إذا قيل له: أجب ولا تخطيء، وأسرع ولا تبطيء، تراه يجاوب من غير أناة ولا استعداد، يطبّق المفاصل، وينفذ إلى المقاتل، كما يرمي الجندل بالجندل، ويقرع الحديد بالحديد، فيحل به عراه، وينقض به مرائره، ويكون جوابه على كلامه كسحابة لبّدت عجاجة، فلا شيء أعضل من الجواب الحاضر، ولا أعز من الخصم الألد الذي يقرع صاحبه، ويصرع منازعه بقول كمثل النار في الحطب الجزل.
والمجنبة في الأجوبة تتضمن الرد السريع المسكت، وعرض كتاب العقد الفريد لنماذج كثيرة منها، تبين فرادة هذا الفن وتميزه.
إشارات ومراجع:
https://ar.m.wikipedia.org/wiki/%D9
https://al-maktaba.org/book/33266/165#p3
https://search.mandumah.com/Record/356283

