سفير المرتاد ورائد الإسعاد.. أول رحلة شامية مكية مفردة للحج خلال القرن الـ (11), الهجري
حجاج سلامة
"رحلة الزيارة لحضرة سيد الأسياد وحبيب رب العباد".. (1678 - 1679 ) لـ علي بن يحيى ين أحمد الكيلاني، من رحلات الحج التي تكتسب أهمية خاصة وذلك لكونها أول رحلة شامية مكية مفردة للحج وحده تصل إلينا من تراث القرن الحادي عشر للهجرة - السابع عشر للميلاد، فالرحلات العائدة لهذا القرن قليلة العدد، وليس بينها رحلة أفردها صاحبها للحج وحده، بل غالبًا ما تكون رحلة الحج جزء من تطواف أكبر يمتد إلى ما يتجاوز الأراضي في كل الاتجاهات.
كما تعد هذه الرحلة التي حققها وقدم لها الدكاترة أحمد جمعة عبد الحميد، و يحيي زكريا السودة، والتي صدرت عن دار السويدي للنشر والتوزيع، و المؤسسة العربية للدراسات والنشر - ضمن سلسلة الكتب الفائزة بجائزة بن بطوطة لأدب الرحلة فرع تحقيق المخطوطات 2024 – تعد عملاً توثيقيّاً يعكس العديد من الحقائق حول قافلة الحج الرسمية التي كانت تخرج من مقر السلطنة العثمانية حاملة الصرة السلطانية، والمساعدات المالية لأهالي الحرمين الشريفين، لتمر بدمشق فيلحق بها حجيج بلاد الشام، ويتوجهون معها صوب مكة المكرمة؛ ما يجعلها من أوائل الرحلات التي تصف مسار القافلة الرسمية في العصر العثماني، وما يصحبها من تنظيمات وما تنزله من منازل، وما تواجه من صعوبات حتى تصل إلى غايتها.
صاحب الرحلة
وصاحب الرحلة هو السيد: علي بن يحيى بن أحمد بن علي بن أحمد بن قاسم الكيلاني القادري الحموي، شيخ السجادة القادرية بحماة، من أحفاد الشيخ عبد القادر الجيلاني ( الكيلاني) المعروف بالباز الأشهب المتوفى سنة 561هـ - 1166 م. أحد أشهر شيوخ التصوف في تاريخ الإسلام. وهو من أعرق بيوتات الشام، وكان ذا مكانة اجتماعية ودينية مرموقة . لذا يصفه المرادي الحموي بقوله : "الشيخ المرشد الفالح الصَّالح السيد الشريف الحسيبُ النَّسيب المُسلّك المربي الصوفي، العالم العلامة المحقق الفاضل، الأديب اللوذعي الإمام الجليل والأستاذ الكبير، كان فطنا حميد الأفعال معظّم القدر عند الناس كأسلافه".
وبحسب مقدمة الكتاب الذي حوى فصول تلك الرحلة، فإن "رحلة الزيارة لحضرة سيد الأسياد وحبيب رب العباد" تزداد أهميتها لأن صاحبها أديب وشاعر ومتصوف فاضل مشهود له بجودة القريحة، وحُسن الأدب، و رغم ذلك فإن هذه الرّحلة هي أول ما يُنشر من آثاره، ولم تحظ بأي دراسة نقدية، ولم يطلع عليها أحد من المتخصصين المعاصرين.
أثر أدبي رفيع
كما تمثل شاهدًا على حقيقة أدبية مغايرة، إذ هي أثر أدبي رفيع يضاف إلى رصيد تلك المرحلة، ولا نبالغ إذا قلنا إنها تعد نصاً بديعا على مستوى التركيب والسبك، ذا جرس موسيقي يتنقل بين السجع والشعر متأثراً بلغة القرآن الكريم. حيث يوظف كاتبها معارفه وملكاته لينقل تفاصيل مشاهداته فيصف ويوثق أحوال الطريق وصعوباته، ومنازله ،ومحطاته وقلاعه وجباله وأيامه ولياليه ويستشهد بالقرآن والحديث والأمثال في قالب أدبي رشيق تفتقر إليه لغة الرحلات العائدة إلى هذه الفترة التي توصف عادة بأنها مرحلة انحطاط للأدب العربي عموماً.
لقد كُتبت هذه الرحلة - كما أشار صاحبها - بناء على طلب أحد أصدقائه الذين لا يمكنه التأخر عن إجابة مطلبهم، ولذا كان مهتماً بالحديث عن من لقي من إخوانه وأعوانه وشيوخه وأصدقائه وأقرانه، وإظهار مكانته بين أهل العلم وأرباب الوظائف الرسمية، سواء كان ذلك في دمشق أو في المدينة ومكة أو في بعض منازل الطريق.
مضمون الرحلة
تبدأ أحداث الرحلة في شهر شوال سنة 1089هـ - أكتوبر 1678م عندما يعلن المصنف نيته الحج واستعداده للخروج من بلده (حماة) بأهله وحشمه، ويقطعون الطريق إلى دمشق لينضموا إلى قافلة الحج الرسمية لموسم هذا العام، ينتقل عندئذ للحديث عمن لقيهم في دمشق، من أصحاب المناصب الرسمية والعلماء ،والأعيان وما أظهروه من حسن استقباله وإكرامه، ويصف موكب الحمل وترتيب قافلة الحج الشامي الرسمية، ويُعيّن موقعه في الركب المحروس.
ثم يصف منازل الطريق منزلة تلو منزلة منذ خروج الركب من دمشق وحتى بلوغ المدينة النبوية، فيتحدث عن توقيتات النزول والرحيل، والظواهر الطبيعية والأحوال الجوية، وأحوال رفاق الرحلة وأخلاقهم ، ويُظهرعناية بذكر أنواع وأسعار السلع التي يبتاعها الحجاج في كل مرحلة، ويشير إلى ارتفاع الأسعار وارتخائها، ووفرة المنتجات وندرتها ويدون انطباعاته وأفكاره وأشعاره، مع جودة التصوير ودقة الوصف.
ويرسم لن لحظة وصول ركب الحج إلى مشارف المدينة المنورة، حيث يُظهر الرجل فيض مشاعره وتلهفه هو ومن معه لزيارة رسول الله صلي الله عليه وسلم، وتعلقه الشديد بحضرة النبي، ولا أدل على هذا التعلق وهذه المحبة الصادقة من جعله العنوان الفرعي لهذه الرحلة رحلة الزيارة لحضرة سيد الأسياد وحبيب رب العباد وكأنها رحلة لزيارة رسول الله صلي الله عليه وسلم وليست رحلة حج.
ويحدثنا الكتاب عن زيارة المدينة المنورة، التي صارت سُنَّة ثابتة، تبدأ بها شعائر الحج قبل مناسكه ، وتبدأ منها فكرة الحج ذاتها كاتباع للرسول الكريم الذي خرج من المدينة المنورة لأداء هذه الفريضة برغم ن زيارتها ليست من مناسك الحج.
ولا ينسى صاحب الرحلة علي بن يحيى بن أحمد الكيلاني، أن يذكر لنا من قابله من العلماء والصالحين في المدينة النبوية المنورة. ثم يخرج ليسلك مع الركب الطريق نفسه الذي سلكه رسول الله صلي الله عليه وسلم نحو مكة المكرمة ؛ ومن الميقات يُحرمون بالحج ويتوجهون لأداء المناسك، ويمرون على موقع غزوة بدر، وفي الطريق تدهمهم مياه السيول فيخوضون فيها، ليصلوا إلى بيت الله الحرام قبل يوم التروية بيوم واحد وينطلقون من منى إلى عرفات لأداء ركن الحج الأكبر، ثم ينفرون مع الحجيج إلى مزدلفة، وفي أول أيام العيد يعود إلى مكة، ويدخل الحرم ويحضر كسوة الكعبة، ويتم مناسكه بطواف الإفاضة ورمي الجمرات، ثم يصف احتفالات العيد في منى، ويلتقي بعلماء من الشام والحجاز، ويشتري الهدايا ثم يستعد للرجوع.
ويودع صاحب الرحلة علي بن يحيى بن أحمد الكيلاني مكة المكرمة، لينتقل بعد أيام إلى المدينة المنورة، ويبقى بها بعض الوقت ثم يتأهب لرحلة العودة إلى بلده، ويخرج في صحبة الركب الرسمي العائد إلى الشام، ليصل بعد نحو شهر ونيّف إلى دمشق فيتريث بها عدة أيام يزور خلالها أضرحة العلماء والأولياء ثم يتجه صوب (حماة) فيحط بها رحاله في منتصف شهر ربيع الأول سنة 1090هـ - أبريل 1679م.
مسار الرحلة
تبدأ الرحلة من حماة التي يخرج منها الشيخ علي بن يحيى بن أحمد الكيلاني بأهله مع الحجاج، فيسيرون باتجاه الجنوب صوب (حمص) فيمرون على الرَّستن، ويبيتون في النبك ليتجهوا منها إلى دمشق، فيلحقوا بقافلة الحج الرسمية التي تخرج في موكب مهيب يشهده أهلها، أجمعين، وتتبع القافلة مسارًا معروفًا تجبرهم أحوال الطريق وظروف الجو على الانحراف عنه أحياناً.
حيث تسلك القافلة طريقها المعتاد في بلاد الشام الجنوبية فتنزل بالمفرق و البلقاء و القطرانة، ثم تمر على معان، وتصعد العقبة الحجازية لتصل إلى قلعة جغيمان، ومنها تتقدم في بلاد الحجاز فتقطع قفار حانات عمّار لتصل إلى ذاتِ حج على مشارف تبوك التي كان الوصول إلى قلعتها فرصة للتزود والراحة، ومنها تدخل القافلة في الممر الضيق المعروف بفم النَّقْب فتعبره بعد متاعب جمة لتصل إلى قلعة الأخيضر فتنزل بها.
ثم يتحركون بين الجبال فتصدهم مياه السيول عن الطريق المعتاد فيعودون إلى منطلقهم الأخير، ليسلكوا الطريق الشرقي الطويل ويبيتون ليلة في جنينات القاضي ليتابعوا مسيرهم بعدها بين الجبال والأمطار حتى يحطوا رحالهم في قلعة المعظم فيتوقفون بها لبعض الوقت، ومنها يعودون لطريقهم فيسيرون إلى مدائن صالح في الحِجْر ليحتَّوا خطاهم نحو قلعة العُلا فينزلونها طلبًا للراحة والتزود.
ثم تستأنف القافلة مسيرها فتمر على شِعَب النَّعام وتصعد العقبة السوداء بمشقة بالغة، لتنزل عند الفحلتين وتسير إلى وادي ذي خُشب المعروف بوادي القرى ومن هناك ينطلقون نحو وادي العقيق فيصلون إليه وهم متعجلون، يحثون السير نحو المدينة المنورة فينزلونها فجراً متوجهين لحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبعد زيارة معالم المدينة، ينطلقون إلى مكة المكرمة لينضموا إلى وفود الحجيج، فيمرون على وادي الخيف و بدر، و يعبرون مسايل الأمطار بعد معاناة كبيرة، ليصلوا الجُحفة، ومنها إلى خُليص وعُسفان، فيدخلون إلى مكة المكرمة ويؤدون مناسكهم، ويحققون آمالهم، راجين من ربهم القبول. وبعد قضاء وطرهم من مكة المكرمة، يعودون إلى المدينة المنورة، ومنها ينطلقون عائدين في الطريق نفسه نحو بلاد الشام.
وقد جرت أحداث هذه الرحلة في فصل الشتاء وانتهت مع بدايات فصل الربيع، وتسببت طبيعة الطقس في هذه الفترة عبور قوافل الحج لبعض مراحل الطريق تحت الأمطار والعواصف واحتمال قسوة الرياح ومواجهة أخطار البرد والسيول وتجمعات المياه التي أعاقتهم وكادت تغرقهم بعد الخروج من المدينة النبوية، وتسببت بارتفاع أسعار الأطعمة والعلوفة عبر منازل الطريق.
وقد اعتمد الدكاترة أحمد جمعة عبد الحميد، و يحيي زكريا السودة، في تحقيق "رحلة الزيارة لحضرة سيد الأسياد وحبيب رب العباد"، على نسخة خطية وحيدة ونادرة كانت محفوظة بمكتبة عيسى إسكندر المعلوف (خزانة كتب عيسى إسكندر المعلوف وأولاده)، وتحمل المخطوطة رقم 1525 ، ودخلت خزانة السيد عيسى إسكندر سنة 1925م. ويبدو أن هذه النسخة كانت ضمن المخطوطات التي اشترتها الجامعة الأمريكية في بيروت من مكتبة آل المعلوف، حيث تحتفظ مكتبة الجامعة الأمريكية بنسخة ميكروفيلمية منها تحت رقم 245 ، تم تصويرها عام 1987م.

