تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

الطبيعة الساحرة في الشعر الأوروبي

الطبيعة الساحرة في الشعر الأوروبي

العنود سهيل


نحن نرى وهم يكتبون

في البدء كانت الصورةُ في أدبنا العربي أكثر حيوية، رغم محدودية اللون، وكانت أشد فعلًا وتأثيرًا لدى القارئ بالرغم من جزالة المفردة ، ولم يك الشاعر – آنذاك – محايدًا فيما يرى، ولا ناقلًا أمينًا للصورة والحدث، وإنما حال الإبداع عنده كحال الشعراء اللاحقين، فقد أضفى على شعره ضروبًا من البيان والبديع، وولج في عوالم التخييل والمبالغة حتى لم يعد الجبل مجرد ( كومة) من الحجارة والرمال ، ولا الواحة بضع شجيرات وعين ماء صافية، ولا ( الدابة) مجرد حيوان تسير على أربع وتمضي إلى ما يشتهي حاديها . 

طاف الشعراءُ الأقدمون على نجد وهضابها، وعرّجوا على اليمن والشام وحوران والكوفة والرصافة، وقطعوا القفار والأمصار، وبرعوا في نقش أشعارهم على جدران الذاكرة العربية وغرسها في وجدان الناس عبر قرون حتى غدا الشعر ديوان العرب وأطلسهم وحجتهم، ولم يرتقوا بشعرهم إلى هذه المكانة إلا بالحميمية الصادقة ، والتوحد بالمكان الذي عاشوا فيه بعسره ويسره، لينه وقسوته، وأنّى كان المكان الذي ضمهم ففيه الطير والكلأ وفيه الخيل والليل ، والإبل والنخل والقمر والماء، ووجه الحبيبة الحسن وفيه أيضا الضواري والكواسر وفيه الجدري والجرب، وضروب المرض والجوع والحرب، وقصص الغدر والخيانة ، وفيه الغيلة والموت المفاجئ، ولكن بكل ما ضم المكان ظل الشاعر وفيًّا لرائحته، ولأهله، ولتضاريسه، ولجغرافيته ، وظل الشاعر عاشقًا لجباله ، وفيًّا لوهاده ورماله، وغنى لطلوله أجمل القصائد . 


الشعراء والطبيعة: 


عبر قرون مرّ الشعر العربي بتحولات مختلفة طالت المبنى والمعنى، وارتبطت في معظمها بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية، ولكن الشاعر العربي لم تخفت مشاعره اتجاه الوطن، ولم يخبُ وهج الوطن في قصائده بالرغم من تدخل الإيديولوجيا في أمزجة الشعراء وتوجهاتهم وتعدد الإثنيات، إلا أن اتفاقًا ضمنيًّا ، وشعورًا أكيدًا وحّد الجميع حول الاعتراف بأن ثمة قدرة خارقة، ويدًا إلهية مبدعة وقادرة رسمت لوحة الطبيعة الساحرة وصنعت تفاصيلها الباهرة وأن الله سبحانه وتعالى – لا ريب- هو الخالق .

ولم يذهب الشعراء الغربيون بعيدًا عن أقرانهم في الشرق، وإن افترقوا في بعض الحقب نتيجة لسطوة الكنيسة وشيوع اعتقادات ومذاهب، ورواج أفكار وفلسفات غريبة إلا أن آدابهم لم تخل من نفحات إيمانية تجلت في نبرة الشكر الصادقة لله في قصائدهم على تلك المنة العظيمة وتلك الطبيعة الفاتنة وذاك السحر والجمال واتفقوا على أن ما يرونه ما هو إلا هبة رائعة من خالق عظيم. 

ولم تخرج إشارات الشعراء إلى هذا الاتجاه في مختلف الدول الأوروبية عن التوافق والانسجام على الفكرة الأساس بأن ثمة يدا إلهية حانية ترعى هذا السحر الذي أبدعته، وأن خيال الشعر وموسيقاه لم تضف الكثير من الجمال إلى الصورة الحقيقية التي ينقلها الشاعر من رؤيته الصادقة.

ويمكن القول بأن :" إدراك الجمال ليس تصورا خالصا ولا إدراكا حسيا خالصا، وإنما هو مزيج من التصور العقلي والإدراك الحسي، ولكي يبدو الجمال لابد من أن يكون هذا الاقتراح اقتراحًا عضويًّا كاملًا" وهذه الفكرة بذاتها هي فلسفة الجمال عند هيجل، وهي فلسفة كانط – أيضا – الذي يرى " أن الجمال هو نقطة تلاقي العقل والإحساس" وفي النماذج الشعرية التالية يكمن جوهر الفكرة. 

فالشاعر السويدي ( غونار إيكيلوف) حين فاضت روحه بالمشاعر السوداء ومال إلى العزلة ونال منه اليأس، أوغل في تأمل الطبيعة، فاكتشف سحرها وبهاءها من شرفة وحدته، واطمأنت روحه رويدا رويدا، ليمسح عن عينيه غمامة اليأس والتشاؤم وعاد إلى الحياة من جديد متعلقا بأهدابها، ومنشدًا لمباهجها .. " أنشودة مزينة بالأعلام " فيقول: 

يستيقظ الصباحُ ذو العيني الزرقاوين

وتفتح الريح في السماء نافذة

بين الغمائم البيض، والستائر المتموجة في الخارج

تغني العصافير صفوف اللآلئ

في العواسج التي تبرعم

وتلتمع قطرات المطر كلآلئ في العشب الأخضر

بينما تقول الشمس

مدائح جميلة للأزهار المحمّرة

وتبارك أيادي الأشجار بهدوء

ضوء النهار الذي يضفي السلام

والجمال

على كل شيء. 


وفي زمن آخر

الطبيعة الساحرة في الشعر الأوروبي
Ehsan Logo