تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

المدينة الفاضلة في الشعر السعودي

المدينة الفاضلة في الشعر السعودي

د. عماد الدين الخطيب



  • الضمائر ومقابلاتها في الخطاب اللساني صورة مفككة للتأرجح بين الحلم والخيال


تتأرجح المدينة عند الشاعر السعودي ( موضوعًا فنيًّا) بين الذاتية والموضوعية التي يعكسها الشاعر، ويمكن تلمس وجودها بالحواس مباشرة، أو بالحواس المتبادلة ضمنًا، فقد تموت المدينة، وقد تتحدث، وقد يكون عندها جوابًا كافيًا لأسئلة الشاعر، ثم يعكس استدعاء الشاعر السعودي للمدينة أزمته تجاه أسطرة مواقف معينة أشهرها ( موقفه من الموت) وسترصد مقالتنا جانب التأرجح في استدعاء الشاعر السعودي للمدينة بين حلمين: الأول حلمه بوجود مدينة فاضلة وهو حلم لم يتحقق، والثاني: حلمه بوجود مدينة بريئة مما تتهم به، وهذا حلم لن يتحقق هو الآخر، وبعد فاستدعاء المدينة يغري باستدعاء مكوناتها، وهذا مقال هناك حيث المكان وما يحيط به شعرًا جماليًّا من نمط خاص. 

تعرف النقاد على المدينة الفاضلة من خلال كتابات الفيلسوف المشهور ( أفلاطون) وهي مدينة تمنّى أفلاطون أن يحكمها الفلاسفة، وذلك لأنهم حكماء وسوف يجعلون كل ما يحيط بالمدينة معياريًّا، وبناء على تلك المعيارية تكون المدينة فاضلة. 

وستقف مقالتنا عند نماذج أربعة من الشعر السعودي تتأرجح بين تصوير المدينة المثالية والمدينة الواقعية التي يتلمسون همومها. 

والنموذج الأول نموذج أنثوي للشاعرة ( هيلدا إسماعيل) في ديوانها ( ميلاد بين قوسين) فتتحول مدينتها بفعل سحرها إلى المدينة الوحيدة التي تملأ فراغ الرجل، وتأتي من الشاعرة الأنثى معادلا موضوعيًّا للملك الذي يبحث عنه الرجل في فراغاته المثالية، فتصبح المرأة = المدينة= المُلْك، وهذا قول الشاعرة: 

وشعر بأنني المدينة الوحيدة التي يملكها . 

فإذا كانت (هي) = المدينة، وإذا كان (هو) = الذي شعر + يملكها، فإن المدينة ليست مدينة تقليدية، بل مدينة لها طابع خاص، ومدينة من نمط خاص، فهي ملاذه، وهي الوحيدة التي يملكها، في حين أن كُثرًا منهنّ قد فارقنه وفقد ملكه لهنّ وما هو ذلك المرتبط بمليكة المدن؟ إنه ما قالته الشاعرة في المقطع الذي ختمته بالبيت السابق وهذا تصويرها للمشهد الذي يحضر فيه رجلها:

مضرّجًا بعطور الإناث

ومضرجًا كذلك ب: قلوبهنّ . 

وانظر إلى ( مضرجًا) وهي مبالغة لكمية العطور التي تحملها ملابس الرجل، فكأنها الدماء التي تحيط بملابسه من جراء معركة خاضها، ثم تكتمل الصورة من خلال معرفتنا بالفعل الذي استخدمته الشاعرة وهي تصور حالة قدومه إليها وهو قولها ( تأتيني) ثم إذا تابعنا الأفعال التي تترى في الصور المتتابعة سطرًا بعد سطر لتكتمل الصورة بملكيته للمدينة الفاضلة وأعني بها = المرأة التي تغفر له أخطاءه مع غيرها. 

انظر لتتابع الضمائر العائدة والأفعال الساقطة عليها: 

الضمير 

الفعل


هو

تأتيني

هي

أسنقبلك

هو

أحمل

هي

أحاول

هي

أرمم

هي

أنتظرك

هو

تنهى

هو

تعطيني

هو

تلمس

هو

تدس

هو

خسر

هو

شعر

هو

يملكها 


والجدول يوضح غلبة الضمير (هو) مالك المدينة، على الضمير (هي) المدينة المملوكة، لماذا؟

لأن المدينة الفاضلة تتحمل أبناءها وتغفر لهم أخطاءهم وتستقبلهم بابتسامة مهما صنعوا لها وخانوا عهدهم بها، كما أنك لن تحس بالأمان إلا وأنت تتنفس هواءها وتلمس كل أجزائها وأنت تعرف تفاصيل التفاصيل عنها . 

المدينة الفاضلة = المرأة الفاضلة 

ويتحول المشهد من مشهد يومي إلى مشهد إنساني عام، وتصبح عطور الإناث تلك المغريات الموجودة في كل مكان والتي قد توصلك إلى إهانة مدينتك وما تملك، فتلك العطور التي لا تملك منها سوى التمتّع بشمّها، والتمتع بلحظة ميل آنية لا قيمة لها على المدى البعيد .

ونقف مع صورة (الفارس) في قول الشاعرة:

كفارس خسر كل ما لديه


فلماذا حضرت صورة الفارس؟ 

ولماذا شبهت ( المرأة الشاعرة) خسارة ( رجلها) بخسارة ( معركة) وهو قولها ( كفارس) وقد قدمت قرينة للمعركة بقولها ( مضرجًا) 

مزجت الشاعرة بين خيالها وتصويرها وبين الواقع، فصنعت مدينتها الفاضلة ومدينته الفاضلة، وهما مدينتان مختلفتان، إنه يريدها مدينة تمتلئ بالنساء من حولها، وهي تريدها مدينة لا يوجد بها سواهما. 

إنها تضحي من شأنه ولا تفتح قلبها إلا إليه، وهو متلعّب ميال إلى كل من يراه من نساء، وفي النهاية يعود إليها، وتتقبل عودته ويرى فيها مدينته الوحيدة التي يملكها كما قالت الشاعرة:

تدسُّ رأسك في صدري

المدينة الفاضلة في الشعر السعودي
Ehsan Logo