في الذكرى الثانية لرحيلها: لميعة عباس عمارة.. آخر رائدات الجيل الشعري الذهبي في العراق
حجاج سلامة
برحيل الشاعرة الكبيرة لميعة عباس عمارة.. فقد المشهد الثقافي العراقي والعربي واحداً من أهم أصواته الشعرية.. وقد مثل رحيلها في الثامن عشر من شهر حزيران/ يونيو 2021 "نهاية الجيل الشعري الذهبي في العراقي".. والذي ضم بجانبها قامات شعرية كبيرة مثل بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، وعبد الرزاق عبد الواحد.
وتعود أصول "لميعة" الى مدينة العمارة الجنوبية الغارقة في لجة التاريخ والميثولوجيا الملهمة، والتي اثرت كثيراً على شخصية لميعة الشعرية.. ولم تكتفِ لميعة بكتابة الشعر المكتوب بالعربية بل كتبت الشعر باللغة المحكية وابدعت فيه أيضا، كما أبدعت في قصائدها باللغة العربية الفصحى.
وكانت ترى في اللغة العربية الفصيحة وسيلتها الأوسع للتواصل مع الآخرين، وقد وجدت في لهجتها العراقية العامية ما يقربها من جمهورها المحلي الذي استعذب قصائدها فتحول بعضها إلى أغنيات يرددها الناس.
مثّلت "لميعة" إلى جانب نازك، صوتا متفردا، ونادرا وسط الأصوات الشعرية الذكورية.. وبقدر ما عشقها أغلب من عاصرها من الشعراء، بقدر ما عشقت هي العراق، وعشقت الطين والماء، اللذان شكلا في يوم ما، حضارة عظيمة، منحت الانسانية علوما وفنونا لازالت مؤثرة الى اليوم.
كما مثّلت الشاعرة الراحلة ظاهرة شعرية وانسانية، مزج حضورها بين حضارة قوامها الماء والطين، وبين المدينة بترفها وثرائها الجمالي والمعرفي، ومزجت بين الروح الانثوية المتمردة وبين التاريخ الموغل بالقدم.
وكان لها دورها في رفد الشعر العراقي بقصائد مغايرة ومختلفة، تلامس روح الانثى، العاشقة والمتمردة على واقعها، والرافضة لكل أشكال التطرف ومحطمة قيود الخوف.
وقد مدحها ايليا ابو ماضي، حينما قرأ بواكير شعرها الطافح بالمشاعر الانثوية – وهي بنتُ أربعة عشر ربيعًا – فقال:"إن كان في العراق مثل هؤلاءِ الأطفال.. فعلى أيّة نهضةٍ شعريةٍ مُقبل العراق".
الشاعرة الراحلة لميعة عباس عمارة، التي توفيت قبل عامين، بالولايات المتحدة الأمريكية، بعد غربة طويلة عن الوطن، عاصرت وهي في سن الشباب الكثير من الأسماء الشعرية المهمة في مسيرة الشعر العراقي والعربي، حيث كانت زميلة لبدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، والذين درسوا معها في معهد المعلمين.
كما زاملت خلال عضويتها بهيئة أدباء العراق، بعض الأسماء العراقية الكبيرة، مثل الشاعر محمد مهدي الجواهري، وبلند الحيدري، وغيرهما.
واتسم شعر لميعة بجرأة ورومانسية مرهفة، ولغة محكمة التراكيب والمفردات، فضلا عن عذوبة في الإلقاء، مما جعلها تحتل مكانة في خريطة الشعر العربي كإحدى أهم الشخصيات الشعرية النسوية، واستحقت لقب أيقونة الشعر العراقي.
وكان الشاعر بدر شاكر السياب، من بين أبرز من تغنوا بـ "لميعة " وتغزلوا بها، حيث كتب قصيدته المعروفة بطلعها الشهير "ذكرتك يا لميعة والدجى ثلج وأمطار".
ولم تعرف الشاعرة الراحلة شظف العيش، بل عاشت في حياة رغيدة، حيث كانت عائلتها من العائلات الشهيرة، كما كانت عائلة شاعرة، ضمت بعض الشعراء بجانب "لميعة" وكان عمها صائع فضة شهير، فيما كان ابن خالها الشاعر المعروف عبد الرزاق عبد الواحد.. وقد رحلت " لميعة " عن وطنها العراق عام 1978، حيث تنقلت بين الكثير من الدول، قبل أن يستقر بها المقام في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي بقيت مقيمة بها حتى رحليها.
وفي الذكرى الثانية لوفاتها لايزال العراقيون وجُل العرب، يتذكرون كيف نعاها العالم العربي: مسئولين وأدباء ومثقفين.
ومما قاله العراقيون والعرب عن الراحلة: "حين ودعنا الشاعرة الكبيرة لميعة عباس عمارة، في منفاها، ودعنا معها أكثر من خمسة عقود من صناعة الجمال، حيث زرعت الراحلة بذاكرتنا قصائد وإبداع أدبي ومواقف وطنية لا تنسى"... "لقد شكّلت عمارة علامة فارقة في الثقافة العراقية، في العاميّة والفصحى"... "لقد تميزت لميعة عباس عمارة بشاعريتها الشفافة، وعاطفتها الجياشة وحبها العظيم لوطنها وناسها، رغم ابتعادها القسري الطويل عن الوطن، ولقد شكلت صوتاً متفرّداً مع الأصوات الشعرية التي تبنّت موجة الحداثة في المشهد الشعري العراقي".
ونذكر من بين ما كتبه الشعراء والكتاب عند رحيلها قبل عامين، قول رئيس تحرير صحيفة الصباح الجديد، إسماعيل زاير، في مقال تصدر الصفحة الأولي من الجريدة "غادرتنا لميعة تاركة في الروح غصة وسؤالا: لِمَ لَمٌ تترك سيرتها الذاتية، وهي التي اضاءت قصيد الأنوثة في خريطة الشعر العربي الحديث، وعاشت حياة زاخرة امتلأت – خاصة في شبابها واواسط عمرها -بالشعراء والمبدعين والمريدين؟ ".
وكتب الشاعر سلام مكي قائلا "رحلت لميعة، وسقطت معها نخلة فرعاء، تركت خلفها مساحة جرداء، استحالة تأثيثها مجددا، تلك الانثى التي جعلت من الشعر انثى جميلة، يتمنى الجميع قراءته والتمتع بمفرداته التي تبعث الدفء والبهجة في نفس من يقرأه".
وكتب رياض العلي قائلا "لم يعرف المشهد الشعري العراقي شاعرات – أو شواعر- الا في حالتين وهن لميعة عباس عمارة ونازك الملائكة".
ونشرت عشرات المقالات بعد رحيلها، وتصدر خبر وفاتها الصفحات الأولي بالصحف العراقية والعربية، وخصصت الملاحق الثقافية صفحاتها لسرد سيرة حياة الراحلة الكبيرة، وعرض مسيرتها الشعرية منذ ولادتها وحتى وفاتها.
وقد أعلنت وزارة الثقافة العراقية، عن نشر الأعمال الشعرية الكاملة لـ "لميعة" طباعةً فاخرةً تليق باسمها، وتقرر تشكيل فريق عمل يضم كبار الأكاديميين والشعراء لجمع قصائد الشاعرة ونشرها في المجموعة الكاملة لأعمالها.

