حوار بنكهة التاريخ .. الدكتور عبدالعزيز الغزي: الكتابة في جزيرة العرب تدل على الوحدة الحضارية لأجزائها..
حوار خاص
أخفقت كل محاولات المؤرخين لتأريخ ظهور الكتابة ولم تستطع النقوش والرسوم التي خطتها أقدم الحضارات الإنسانية على وجه الأرض أن تحسم تاريخ ظهور الكتابة. فهناك من يؤكد أن أول ظهور للكتابة كان في الصين، بينما يجزم آخر بأن أول ولادة لها كانت في مصر، في حين يميل آخر إلى بلاد الرافدين كموطن أصلي للكتابة. وهناك من يحاول أن يقف موقفاً محايداً ليؤكد أن أولى الكتابات التي عرفتها البشرية كانت الكتابة الهيروغليفية في مصر وبلاد الرافدين ثم المسمارية في بلاد الرافدين ويفصلهما فترات متقاربة.
وحتى لا نتوه وسط كل تلك الطروحات كان لا بد من أن نلجأ إلى أحد كبار المتخصصين في آثار وتاريخ الجزيرة العربية لمعرفة تاريخ نشأة الكتابة وخطوطها فكان لقاؤنا مع الأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن سعود بن جار الله الغزي وكيل كلية السياحة والآثار للشئون الأكاديمية في جامعة الملك سعود، الماركة المسجلة في علم التاريخ والآثار.. الأكاديمي الذي تجاوز صفحات الحبر والورق إلى تفاصيل الأحجار والرمال المترامية على تلال الجبال، وطرحنا عليه تساؤلاتنا وتلقاها بصدر رحب فكانت التساؤلات والإجابات مناط الحوار التالي:
حضارات سادت
* هل لكم في البداية أن نلقي نظرة على الأمم والحضارات التي عاشت في منطقتنا حتى نقترب من موضوعنا؟
تاريخ الكيانات المعروفة لنا في العالم القديم لا يبعد في أعماق الزمن إلى أكثر من نهاية الألف الثالث قبل الميلاد، أي ألفين ومائتي عام قبل ميلاد المسيح عليه السلام وقبل ما يزيد على أربعة آلاف عام قبل الوقت الحاضر. ومن أبكرها على مستوى العالم القديم الدولة الأكادية في بلاد الرافدين، والدولة الفرعونية القديمة في أرض النيل، والممالك الآرامية في بلاد الشام. ومن الجانب الآخر، عرفت أمم في شبه الجزيرة العربية ترقى زمناً إلى ذلك التاريخ، مثل: أمة عاد التي تدل الشواهد الزمنية والأخبار التاريخية على أنها عاشت في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، وأمة ثمود التي يعود تاريخها إلى نهاية الألف الثالث بل تكاد تكون معاصرة للإمبراطورية الأكادية في بلاد الرافدين والمملكة الفرعونية القديمة في أرض النيل. والأمة الأخرى هي أمة مدين التي يرجع تاريخها إلى بداية الألف الثاني قبل الميلاد. وما أن جاءت نهاية ذلك الألف حتى أصبح لدينا في شبه الجزيرة العربية كيانات كاملة التنظيم، وهذا يعني أن بدايات تكوينها تسبق ذلك التاريخ بما لا يقل عن عدة قرون.
الأبجديات
* لكل حضارة من هذه الحضارات أبجدية فهل كانت تلك الأبجديات مكتملة ؟
كل من تلك الحضارات كتبت بأقلام مكتملة الأبجدية. مما يعني أن بدايات تكونها تسبق ذلك بقرن أو عدة قرون. إلا أن معرفة بداياتها في شبه الجزيرة العربية وكيف تطورت إلى الشكل الأبجدي غير واضحة، فهل ولدت أبجدية؟ وهل هو أمر حتمي أن تبدأ الكتابة بالتصويرية؟ وهل من الضروري أن تكون التصويرية هي بداية أي كتابة؟ أسئلة أجوبتها غير قاطعة.
فالفرعونية كتبت بالتصويرية "الهيروغليفية" واستمرت عليها، وكتبت أمم بلاد الرافدين بالتصويرية وبعد عدة قرون كتبت بالمقطعية واستمرت عليها، والأمم الصينية كتبت بالتصويرية ولا تزال تكتب بها، والعربية كتبت بالأبجدية ولا تزال تكتب بها، فهل كانت الكتابة في شبه الجزيرة العربية أبجدية من بدايتها؟ سؤال رفضه جائز، وقبول مضمونه جائر أيضاً، ويبقى هذا الوضع حتى ينجلي بنتائج البحث الجاد الشامل العميق، متى يحدث ذلك؟ سؤال له إجابة باقية في غياهب الجب حتى حين.
الكتابة والخط
* الكتابة هل يمكن دراستها بمعزل عن الخط ؟
الكتابة وسيلة تنقل عبرها اللغة، فيمكن أن تنقل لغات مختلفة بخط واحد ولكن لا يمكن أن يقرأ خط واحد بلغات مختلفة إلا بترجمته. لا شك أن الإنسان مخلوق علم الأشياء ومنها لغة التخاطب، ولغة التخاطب لابد من نقلها من مكان إلى آخر عبر وسيلة اتُفق على تسميتها بـ (الكتابة)، وبالكتابة تحفظ الحقوق بأنواعها المختلفة.
اختلفت تلك الوسيلة في شكلها من مجتمع إلى آخر ولكن وسيلة الإشارة بالاتجاه أو الشكل تُعدّ من أقدمها إن لم تكن هي الأقدم بين الجميع، ثم جاءت وسيلة التعبير أو ترجمة المقصود بالصورة، أي صورة تعبر عن معنى، وتطورت هذه الوسيلة بإضافة متفرعات إلى الصورة الأصلية للتعبير عن مقصد أطول.
الرسوم الصخرية
*ما هي سمات الرسوم التي عثر عليها بالمملكة ؟
تكثر في المملكة العربية السعودية مواطن الرسوم الصخرية وهي عبارة عن تجسيد محزوز لمناظر جماعية وفردية على واجهات الجبال التي توجد بالقرب من مواطن استيطان الإنسان في العصور القديمة.
هذه المناظر الجماعية تعبر عن مشاهد، فربما ترجمة منظر حركة صيد عن طريق رسم وسائله وطرقه ومكوناته، أو تترجم مشهد قافلة تجارية بالصور مثل الجمال التي عليها الأحمال، والخيول التي عليها الفرسان، والجمال التي لا تحمل شيئاً، وبهيمة الأنعام السائرة، وأنواع الأسلحة، وحيوانات الحراسة. فهي رسوم قصد بها أن تترجم لغة من خلال الصور. وقد يجسد الفنان الرسم على الصخر مشهداً بطريقة تجعلك تفهم المقصود منه مباشرة، فهناك مشاهد توحي لك بالخسارة في معركة من المعارك، وهناك مشاهد توحى لك بالرحيل من مكان إلى مكان، وهناك مشاهد توحي لك بتحفز حيوان للقضاء على حيوان آخر، وهناك مشاهد تفهم منها الاستعداد لخوض المعارك، وهناك مشاهد تروي لك انتهاء أحدث حربية. وهكذا، فالمشاهد تعبر عن أحداث مختلفة.
*أين تكثر مواطن الرسوم الصخرية بالمملكة؟
لعل من أهم مواطن الرسوم الصخرية في المملكة العربية السعودية من الجنوب إلى الشمال جبال الكوكب والحيف والقهر في منطقتي نجران وجازان، وبئر حماء في منطقة عسير، والفاو والهبالة في وادي الدواسر، ووادي الرين في الرين، ومأسل وأوثيلان في الدوادمي، وبلدة مصيقرة والجميع في منطقة الرياض، وعيون الجواء في منطقة القصيم، والحناكية والعلا ومدائن صالح ووادي اضم في المدينة المنورة، وجبل غنيم والخبو الغربي والخبو الشرقي منطقة تبوك، والشويمس والمنجور وجبه في منطقة حائل. وخلاف ذلك كثير.
التحول من الصورة إلى الحرف
*الوصول إلى الكتابة يتطلب المرور بمرحلة الصور ومن ثم يرتقي إلى الحرف، فهل تم الوقوف على تلك المراحل في شبه الجزيرة العربية ؟
الجزيرة العربية من خلال تطور بطيء من الرسوم الصخرية إلى الكتابة بصور معينة لكل منها معنى معين وبتنضيمها وفقاً لأصواتها تُكون لغة مفهومة كتابة وقراءة. ومع ذلك لا يستطيع أحد أن يجزم في كيفية التحول أو التطور من مشهد الصورة ومعناها إلى صوت الحرف وصورته، إلا أن الكل يتفق على أن كلاهما وسيلة للتفسير عما يريد الإنسان ترجمته إلى الآخر، وربما كانت الصورة تكفي في المجتمعات ذات الأعداد الصغيرة والمتطلبات المحدودة، فتجد الإنسان وصل إلى مرحلة عرفت باسم الكتابة التصويرية التي تعني استخدام الصورة لترجمة المقصد أو الحدث، ثم تطورت إلى استخدام الكلمات مكونة من رسوم وصلت فيما بعد إلى الكتابة المقطعية أي أن لكل مقطع معنى. فظهرت الكتابة الهيروغليفية وهي تصورية صرفة. كما ظهرت المقطعية في بلاد الرافدين وهي رمزية صرفة تكونها تركيبات من حروف تظهر بهيئة مسامير.
وبالنسبة إلى شبه الجزيرة العربية، فالنقلة من مرحلة الرسوم الصخرية إلى الأبجدية غير واضحة، فلا يزال ما بينهما مجهولاً. والمعروف اليوم أن الخط السائد في شبه الجزيرة العربية هو الخط المسند والذي يتفق الجميع على أنه ك ُ تب به مكتملاً مع بداية الدولة المعينية في مطلع نهاية الألف الثاني وبداية الألف الأول قبل الميلاد. وعرف الخط باسم (المسند) لأن حروفه تستند بعضها إلى بعض، وقد وجد هذا الخط مكتمل النمو أي أنه خط أبجدي يشتمل على الحروف الصامتة والمتحركة، الحروف الأساسية، وحروف العلة، أو ما يسمى بحروف المد. ويبقى السؤال: عن أي أصل تطور هذا الخط؟ بحاجة إلى إجابة واضحة.
خط المسند تطور من داخله
وما يمكن أن يطرح الآن هو أنه خط تطور من داخله مع تغيرات تستجد من وقت إلى آخر كاتجاه الحرف وسمكه وضعفه وأحياناً تغير غير جذري في شكله. وقد عرف هذا الخط المسندي في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية وكتبت به جميع ممالكها المعروفة لنا. وجرى العرف على أن يقسمه الباحثون إلى قسمين رئيسيين:
1- المسند الجنوبي وهو الخط الذي كتبت به ممالك جنوب الجزيرة العربية كمعين وسبأ وقتبان وحضرموت وحمير وأوسان وكندة ومشيخات أخرى وجدت في مواضع مختلفة تنتشر في أرجاء شبه الجزيرة العربية.
2- الخط المسند الشمالي وهو نظير إلى حدٍّ كبير لشقيقة المسند الجنوبي مع اختلافات بسيطة في أشكال الحروف وأدوات التعريف، وقد كتبت به ممالك شمالي شبه الجزيرة العربية وتشمل ثمود ومدين ودادان ولحيان وكذلك الأمة التي عرفت باسم الصفويين.
3- عرف خط ثالث في شرقي شبه الجزيرة العربية شخص باسم الخط الأحسائي (أو الهجري وأحياناً الجرهائي)، وهو بشكل عام لا يختلف عن خط المسند، بل الحروف هي ذات الحروف لكن الاختلاف في اللهجة التي كتب بها هذا الخط والمكان الذي وجد فيه والمملكة التي كتبت به وهي مملكة هجر أو الجرهاء كما يرى البعض.
كتابات نقلت ثقافات الأمم الأخرى
وقد وجدت آلاف مؤلفه من النقوش في شبه الجزيرة العربية, التي نقلت إلينا ثقافات أمم عاشت ما بين عام 1000 قبيل الميلاد وإلى القرن الخامس الميلادي، وربما بعيده بقليل، وترجمت لنا هذه
الحضارات باللغة العربية ولهجاتها المختلفة. وتنقسم في نوعها إلى:
أولاً: كتابات مسندية متقنة ناقلة للأحداث والقوانين والأنظمة، ويمكن أن يتكون النص من سطر واحد فيه كلمة أو أكثر، أو من عشرات الأسطر المشتملة على مئات الكلمات. وكتبت بهذا النوع النصوص القانونية، والعقائدية، والدينية، والاحتفالية، والشخصية. وهذه كتابات رسمية اعتني بها وغالباً ما توجد داخل المستوطنات وتكثر في الأماكن البعيدة، وتظهر في أماكن المنشآت العامة مثل السدود والمعابد والمنشآت العامة بشكل عام أياً كان نوعها، ويوجد منها أعداد ليست بقليلة على واجهات صخور الجبال المحيطة بالمستوطنات كما هي الحال في مستوطنة دادان في محافظة العلا الحالية حيث وجدت أعداد كبيرة من الكتابات اللحيانية والدادانية على وجهات الجبال القريبة من أماكن التعبد والمدافن والإقامة. وتوجد مجموعة كبيرة من النقوش التي كتبت بالخط النبطي على وجهات المدافن المنحوتة على واجهات مدائن صالح الواقعة في محافظ العلا، وتوجد أيضاً في مواطن أخرى مثل قمم الجبال كقمة جبل غنيم في محافظة تيماء، وقمة حصاة النصلة بالقرب من مركز حرمه في محافظة المجمعة، وصخرة القريف بالقرب من مركز جلاجل في محافظة المجمعة ايضاً.
ثانياً: كتابات مسندية مخربشة تسمى (المخربشات)، وهو خط غير متقن، كتبت به الأقوام المتنقلة ورجال القوافل. ويكثر وجوده في أماكن وجود الرعاة وعلى مسارات الطرق وفي مواضع توقف القوافل للراحة، ويتداخل أحياناً مع الرسوم الصخرية في المكان ولكنه قد يسبقها أو يتلوها في الزمن.
وقد جرى لهذه النصوص بشقيها أعمال مسح وجمع ودراسات منذ القرن الثامن عشر وحتى يومنا الحاضر، واستطاع بعض العلماء تأريخ أمم من خلال دراسة النقوش المنسوبة إليها، ومنهم على سبيل المثال الألماني فاندن براندن الذي كتب تاريخ (ثمود) عن طريق الاستفادة من ستة عشر ألف نص نسبه إلى تلك الأمة. فبدراستها شخص الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والتشريعية لشعبها الذي عرف باسم ثمود، علماً أن تلك الكتابات نسبت إلى ثمود لأنها وجدت بكميات كبيرة في الأرض التي عاشت فيها ثمود وربما أنها ثمودية، وإن كانت كذلك فإن تأريخ تلك الكتابات لم يكن في الأساس صحيحاً فاستمر على خطئه الأول ولم يأت من يصححه بعد. كما قام العالم الألماني فرينر كاسكل بكتابة تاريخ (لحيان واللحيانيين) مستخدماً مجموعة النقوش اللحيانية التي كانت متوافرة في وقته.
وقام ليتمان بكتابة تاريخ مملكة (الأنباط) باستثمار ما جاء في النقوش النبطية، وهي غير مسندية، وبخاصة ما يتوافر منها على واجهات مدائن صالح بالإضافة إلى ما توافر على قطع العملة العائدة إلى تلك المملكة.وقام الألماني ولتر مولر بكتابة تاريخ دولة (معين) من خلال النقوش المعينية وكذلك فعل علماء آخرون مثل البرت جام وجاكوب ريكمانز، وجون هيلي، وغيرهم كثير.

