تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

الصحراءُ ومشترَكَاتُها اللّفظيَّة خطاب ٌ شعري ٌ قلق ٌ وتَفاؤل ٌ حذر ٌ في الشعر السعودي المعاصر..

الصحراءُ ومشترَكَاتُها اللّفظيَّة خطاب ٌ شعري ٌ قلق ٌ وتَفاؤل ٌ حذر ٌ في الشعر السعودي المعاصر..

بقلم: د.عماد الخطيب

الصحراء موحشة بكل ما فيها، وقد حولتها المدنية لحضارة مثيرة،  وعلى ما فيها من تطور بقيت باعثة للقلق وهي تؤشر لقرب الموت، وبقي التفاؤل يسير جنبًا إلى جنب معها وهي الرفيق الذي تعايَش َمعه الشاعر السعودي أينما كان..

فكيف رسمت شعرية الصحراء؟ وكيف تراوحت شعريتها بين كونها قلقة ومتفائلة معًا؟ هذا ما صوره الشاعر السعودي ورسم لوحته، نقرأ للشاعر محمد الفهد العيسى يصور الصحراء في شعور سلبي قلق لا يتواءم مع غدها المشرق، فيقول:

بين الصخورٍ أنا لا أرى إلا قبُورْ

بين التلال ٍ والأرض ٍ قفراء ٌ حرورْ

وتجتمع لغة الشاعر السعودي على ألفاظ دالة ودلالات مشتركة توحي أغلبها لمدلول (الصحراء) بين طرفي القلق والتفاؤل فنجد معجما شعريًّا تهيمن عليه لغة خطاب مشتركة، ومفردات قلقة يمكن أن تتوسطها (الصحراء) وتلف حولها بعض مشتركاتها اللفظية التي توحي بدلالات مباشرة تتجه نحوها ومنها البيد، والرمضاء ، والفراق، والشك، والقلق ، والتضحية، والشمس، والعناء ، والتعب، والظمأ، والرفيق، والرمـال ، والظهيرة، والتصحر ، والعناء ، والعطش ، واليأس ، والقناع ، والبياض...

كذلك صنع الشاعر صلاح بن هندي، في ديوانه (على استحياء) حينما صنع علاقات تشاركية بين(الصحراء) وما يقاس على لفظها من دالات مثل: (الهجير، البيد ، البين) وكذلك جاء عند الشاعر حسن الصلهبي، في ديوانه (خائنة الشبه) حين جاءت مفردات معجم الديوان تتشارك مع اغتيال الحراء للفراغ والإحساس بالغياب والفراغ بعد كل صمت ٍ حزين يوجع بسواده ويبعث العقم في كل من فيه واختناق بغبار لم يشأ إلا أن يكون حزينًا هو الآخر..

وتختلط المشاعر الذاتية الإيجابية والسلبية عند الشاعر السعودي اختلاط ً ا يمتلك خلاله الشاعر السعودي مؤثرات نفسية تشكل إحساسا خاصا له, فهو حين يعبر عن فلسفته تجاه (الصحراء) فإنه يقرن تلك الفلسفة بعواطفه ومشاعره , ويستخدم أدواته الفنية التي يريد لها أن تنجح في تشكيل تجربته الشعرية والتي يمكن لها أن تكون الأصدق معيارًا فنيًّا.. ففي الصحراء تعبير عن معاناة الشاعر السعودي, وهمومه , وآماله , وآلامه , وأحلامه, وقلقه , واغترابه, إلى غير ذلك من مشاعر متصارعة تنتابه حسب ظروف حياته وتقلباتها.

ويؤدي تعامل الشاعر مع هذه المشاعر على المدى الطويل إلى تكوين مزاجه النفسي أو ما يعرف بـ(الحالة النفسية) وذلك من خلال التأثر الدائم من قبل النطاق النفسي, وتتكرر لذلك ألفاظ مشتركة يمكن أن تشكل في لغة النقد (المعجم الشعري) وإن تكرار ألفاظ بعينها من الشاعر فيه دلالة للهوية الشعرية الخاصة وفيه طريقة أداء تشكل خصوصية للشاعر السعودي وتختلف من شاعر لآخر, ذلك أن النفس متميزة عن غيرها بتمازج المشاعر مع ما يحيط بها. اقرأ هذا المزج العجيب في صورة الشاعرة زينب غاصب، وهي تقول:

تحرّك ْ في لظى الصحراءِ يا أملي

تحرّك في جليدِ الوقت ِ

فتدعو الشاعرة أملها للحركة في لظى الصحراء. أي أمل سيتحرك في اللظى، وتتبع اللظى الحار جليد الوقت في صورة طباق تعكس حالتها النفسية التي لا تستقر وتعيد لأملها أن (تحرك) وكأنها تحتاجه أن يتحرك، وكأنه قريب من الحركة، إلا أن ثمة ما يمنعه من الحركة إنها (لظى الصحراء)، وإنه (جليد الوقت)، وتشترك ألفاظ عند الشاعرة ما كان لها ان تشترك سوى في كلماتها، ثم تدعو أملها للصبر وكسر قامة الكسل، فهل ثمة شك أن ما يبعث على اللهيب إنما هي الصحراء وهل ثمة شك على أن ما يبعث على الكسل هو شعورها بجمود الوقت (الوقت = الجليد) وهل ثمة شك على أن الأمل موجود ولكن الصحراء تخنقه ! إنه قولها:

واستصلي لهيب َ الصبِر

واكسر قامة َ الكسل ِ

وعلى الطريق ذاته سارت قصيدة الشاعر عبد الله الوشمي فجمعت بين الرومانسية الحالمة باستحضاره لسيدة الصحراء، والأمل المخلص باستحضاره لكل ما يؤشر لتلك السيدة من عباءة وعشق ووله ليرسم الشاعر صورة اتحاد بينه ووطنه وتلك السيدة من خلال مطلعه:

أنا ..

سيدةُ الصحراءْ

ثم يتابع الشاعر دالات تلك السيدة فيجعلها في النوق ُ والشعرُ والماءُ، ويلصقها بها في صورة التحام تعبر عن ذات الحلم الذي يعيش من أجله الشاعر وتلك السيدة فيقول:

تخرج ُ من عباءتي السوداءْ

إنها صورة انتماء لرمز العباءة، فسيدة الصحراء معروفة بعباءتها.. والتحمت مع الصحراء؛ إذ النوق في الصحراء وسيدة الصحراء تخرج من عباءتها النوق، وشعر سيدة الصحراء تلفه عباءتها وهذا كله يجري في فضاء الصحراء. أما اتحاد ذات الشاعر مع السيدة والصحراء فقد جاء من خلال أمله في النار التي يريدها ألا تنطفئ، وتبقى تضيء الليل، الذي سيمنحه الشاعر الأمان، يقول:

مازال رمادُ النارِ في اتّـقادِه

يُضيئُه الليل ُ ،

وفي هجودهِ أمنحه ُ الأمان

ثم انتقل الشاعر لصورة سيدة الصحراء العاشقة لصحرائها وتقاليدها،

فقال عنها وعنه:

عاشقة ٌ وعاشق ٌ ولهان ْ

أما الشاعر عيد الخميسي فيصور الصحراء غير مرة، وفي الصورة الأولى يبدو وحيداً، يمشي مع شمس لا تتبعه، فيقول:

البارحة مشيت ُ وحيدًا في صحراء

وكانت شمس ٌ ... لا تتبَعني

وفي الصورة الثانية يُبقي الشاعر على وجود الشمس ولكن لا يذكرها

صراحة، بل يشير إليها فيقول:

ظهيرة صحراء

ثم يفكك صورة قلقه مما حوله في ألفاظ تتشارك مع الصحراء وقت الظهيرة، وما أدراك ما شكل الظهيرة وفي الصحراء، إنها صورة للعراء والصمت والغرفة الضيقة، وما يشبهها وما قد يلوح بخيالك وما لا يمكن أن تتخيله.. كل ذلك قابل على أن تتصوره في ظهيرة الصحراء. ثم يبقي الشاعر على أمل وتفاؤل مستحق مع وجود الطير الذي يعبر برأسك يريد لك الاستمرار في الصمود وتحدي المستحيل للوصول إلى الهدف المرجو.

وإن حضور الشعور النفسي العام (بالقلق) في الشعر السعودي مرافقًا للصحراء, وما دام الشعر يصور حالة معاناة فإن القلق وهو ظاهرة نفسية تصاحبها مشاركة بين الذات الشاعرة والصحراء التي تمثها, وبات القلق غرض ً ا لافتًا عند شعراء العرب؛ لما يحيط بهم من أزمات والشاعر السعودي واحد من هؤلاء الشعراء، فرغم الرخاء إلا أن الشعراء يلحون على إبراز جانب القتامة وهذا من الحساسية المفرطة للمبدع , فهو يتأثر بكل ما يجري مخالفًا لما يشتهيه ولو كان صغيرًا.

والمتأمل في ربط أسباب القلق في الشعر السعودي مع تصوير الصحراء، يجد أن الصحراء تحولت من مجرد (فضاء/مكان) إلى صورة رمزية لتصوير العلاقة المتقابلة بين كل ما هو جديد وقديم,.

ولما نربط ما قلنا بالصحراء وألفاظها التشاركية نجد مرادفات هي : القاسية , والحرمان , .. وأخرى أكثر بعدًا عن التشاؤم ولكنها تسير في خط القلق من مثل : الحنين ، والمجهول والحنين للمستقبل الذي لا

يدري ما فيه , والحنين، والعزلة وغيرها.


الصحراءُ ومشترَكَاتُها اللّفظيَّة خطاب ٌ شعري ٌ قلق ٌ وتَفاؤل ٌ حذر ٌ في الشعر السعودي المعاصر..
Ehsan Logo