تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

بقلم/ د. مصطفى يسري عبد الفتاح

لقد كتب الكثير عن تقديم العلوم العقلية والنقلية عنده المسلمين في العصور الوسيطة، وعن إسهام المسلمين بوجه عام في كل مجالات العلوم والفكر، وعن استفادة الغرب فيما بعد من ازدهار الحركة العلمية والفكرية في العالم الإسلامي، ولذلك يقول البعض: ليست تمت ما يدعو إلى فتح ملفات هذا الموضوع من جديد.

في وفي رأينا أن هذا الموضوع لا ينتهي بالتقادم، أو بالطرح الموسمي، اي فإن أي حديث عن تعدد الثقافات أول حوار بين الحضارات، أو قضية التأثير والتأثر، أي حديث في هذا السياق لا يمكن أن يأخذوا من الإشارة الصريحة إلى جهود المسلمين في تقدم العلوم، في نفس الوقت الذي يجب أن نعترف به بإسهامات عدد كبير من أهل الاستشراق بالذات في إبراز تفضل المسلمين على الحضارة الغربية، وعلى التقدم العلمي الحديث لديه.

نقول: إننا في أمس الحاجة إلى ضرورة إلقاء الضوء الكاشف مرات ومرات، على هذه الناحية، ناحية الدور الذي قام به أهل الاستشراق في مجال خدمة تاريخ العلوم عند المسلمين، وذلك بما قاموا به من تحقيقات علمية، وأبحاث ودراسات، وكتابة مقالات وآراء حول دور المسلمين في النهوض بالعلم.

وعندنا: إن هناك العديد من الجوانب المتعلقة التراث العلمي الإسلامي في حاجة إلى مزيد من الدراسة والتأمل والتفكير والتحليل، وخاصة وأن وقتنا الحالي بما فيه من تداعيات وملابسات والتباسات يحتم علينا المزيد من الاهتمام بتراثنا العلمي، واضعين في الاعتبار أن أي حديث عن اهتمام أهل الاستشراق بتراثنا العلمي سيضع في اعتباره الحديث عن دور المسلمين في العطاء العلمي للبشرية، بعيدا عن أي تعصب أو ادعاء أو مبالغة.

ونعترف هنا أن هناك بعض الجهود التي تبذل في العالم الإسلامي بهدف إحياء التراث العلمي الإسلامي، ولكن بكل أسف نلاحظ أن هذه الجهود كثيرا ما تتكرر بدون أدنى تنسيق بين الجهات المنوطة ذلك، وهذا يؤدي إلى ضياع الكثير من المال والوقت والجهد، محبذة لو انطلقت هذه الجهود في إطار علمي منهجي سليم.

إن الاهتمام بالتراث العلمي الإسلامي يجب أن يقابل من جميع مؤسساتنا العلمية والتعليمية والثقافية بالترحيب والتشجيع، بعد أن طال إغفالها وإهمالها والانصراف عنها.

ونعود بعد ذلك لنقول: معنى الآن ابن النديم، الذي ولد ونشأ في بغداد العباسية خلال القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) والذي عني بالتاريخ واللغة والأدب، وشهرته في التأليف مرتبطة بتأليفه لكتاب (الفهرست) وهو في نشأة العلوم، وأقدم الكتب في المضمار.

ويعد كتاب (الفهرست) لابن النديم من أهم الكتب في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، فهو وثيقة مهمة يمكن لنا أن نتعرف من خلالها على ملامح الازدهار الثقافي، ولقاء الثقافات والحضارات في إطار الحضارات الإسلامية، وهذا ما نؤمن به، وندعو إليه بعيدا عن أكذوبة صراع الحضارات أو نهاياتها، وضعين في اعتبار أن الله تعالى خلقنا فوق المعمورة الأرضية من أجل إنه تعارف، ونتفاهم، ونتبادل الآراء والخبرات والأفكار، من أجل أن نتعاون ونتضامن ونتكاتف، وهدفنا في كل هذا هو السعي من أجل واقع معاش أفضل وأحسن للبشرية جمعاء.

إن نحو ثلث كتاب الفهرست لابن النديم، يتناول الرافد الأجنبي، وتأثيره في الحضارة الإسلامية، وعليه فإن هذا الكتاب يعد من هذه الزاوية مصدرا مهما يدلنا على المعرفة العميقة الواعية بتراث اليونان والفرس والهنود.

لقد بذل المسلمون جهودا كبيرة من أجل نقل هذا التراث (تراث الآخر) والإضافة إليه، وبعد أن استوعبوه جيدا، ونقدوه، وحدثوا منه الكثير الذي لا يتناسب مع العقل أو المنطق، أو الذي لا يتفق مع ثوابتهم، وكان ذلك في جميع التخصصات: الفلسفة، والرياضة، والطبيعة، وطبية، والموسيقية، والكيميائية...الخ.

هذا وقد خصصه ابن النديم صفحات والحديث عن (جالينوس) أشهر أطباء اليونان، وعن مؤلفاته التي قام حنين بن إسحاق وتلاميذه من المترجمين المسيحيين السريان بترجمتها في العصر العباسي.

وسريان كما نعلم هم أبناء اللغة السريانية، وكانت هذه اللغة من أهم لغات بلاد الشام والعراق قبل الإسلام، وظلت مستخدمة عند بعض الجماعات إلى جانب اللغة العربية في إطار الدولة الإسلامية، والحق يقال ان السريان أسهم في حركة ترجمة التراث اليوناني إلى السريانية، وإلى العربية، كما أسهموا بعلمهم في النهضة العلمية الإسلامية.

وفي نفس الوقت لا ننس أعلم الطب الإسلامي، مثل: أبي بكر الرازي، طبيب الدولة الإسلامية الأول، الذي ألف أكثر من 100 كتاب في علوم الطب، فهؤلاء جميعا ذكرهم ابن النديم، وعرفنا بجهودهم في التأليف والترجمة، ولهذا يعد كتاب (الفهرست) من أهم الكتب الدالة على أهمية التعددية الثقافية، وضرورة لقاء الثقافات والحوار بينهما، من أجل نهضة فاعلة في سائر الأمم.

وبهذه المناسبة يجب القول أن الثقافة اليونانية كانت أكبر تأثيرا في العلوم العقلية التي ألف فيها المسلمون مثل الطب، الرياضيات والفلسفة وغيرها... وإن الثقافة الفارسية كانت أكثر تأثيرا في الأدب العربي، وفي نظام الحكم، وفي الفنون بوجه عام.. المجددون في الأدب العربي نثرا وشعرا كانوا من أصل فارسي.

نقول: نحن ننكر فضل أهل الاستشراق على تاريخ العلوم العقلية الإسلامية، مهما كان اختلافنا مع بعضهم في بعض المنطلقات الفكرية.. إن لأهل الاستشراق الباع عن الأجل في الكشف عن تاريخ العلوم عند المسلمين، وهو أفضل رائع وعظيم، يعيه ويدركه جيدا كل من له اضطلاع، ولو قليل في مجال الدراسات الإسلامية، أو في تاريخ العلوم الطبيعية.

لقد تناول أهل الاستشراق التراث العلمي الإسلامي بالتحقيق والتمحيص والدرس، والمقارنة بينه وبين أصوله اليونانية والهندية، وتأثيره على الغرب في العصور الوسيطة، وأوائل العصر الحديث.

وعليه فلا ضرر ولا أبرار أن نقوم بدراسات وأبحاث تحاول أن تعرض لأطراف مما قاموا به، ولا بأس أن تكون هذه الدراسات مسهبة ومعمقة، أو تكون سريعة عاجلة غير مستقصية أو مستفيضة، قفل وهذا النوع الأخير ممكن أن يكون في شكل مقالات تنشر في الصحف السيارة أو في المجلات العامة، أما النوع الأول الذي ينطلق من الإسهاب والتفصيل فيحتاج إلى مجلدات مجلدات، ويكفي أن يعلم القارئ أن مجرد السرد البيليوجرافي والجهود أهل الاستشراق في دراسة العلوم الإسلامية، شغل يمكن أن يستغرق بمفرده أكثر من ألف صفحة أو ما يزيد على أقل تقدير.

فلا غضاضة بالمرة مين أن نعترف بجهد الآخر، والآخر هنا قدم خدمة جليلة لتراثنا العلمي، تمام المانع من ال نشكره ونقدره، ونحاول أن  نطور ونعمق ونوجد ما قام به، نبدأ من حيث انتهى، ومهما اختلفنا معه، فإن الود لا يفسد للعلم والفكر الإنساني قضية.

ويرى كاتب هادئ السطور إنه أوضح وسيلة أو طريقة يتناول موضوع جهود أهل الاستشراق في خدمة العلوم العقلية الإسلامية، هو أن نتناوله: علما علما، وبالطبع قد لا يتمكن أي باحث من ذكر أو الحديث المفصل عن كل العلوم، إذن ولا ضرر إذا قام بذكر بعض ما قام به هؤلاء المستشرقين في دراسة تاريخ العلم العربي، وبحثه وتحقيق نصوصه.

وختاما: ليس عيبا على الإطلاق أن نسعى لعلم الآخر أو فكرة، نفحصه، ندرسه، نتأمله، ننقده، ثم نأخذ منه ما ينفعنا، يصلح لنا، وما يتفق مع ثوابتنا.


Ehsan Logo