مغامرة التجريب في القصة السعودية الحديثة
سهيل محمد نجيب
حفل المشهد القصصي في المملكة العربية السعودية في بداية الثمانينيات الميلادية بنصوص مدهشة، بذل كتابها جهودا ليست بالهينة لإرضاء القارئ ، وادخروا ثقافة عالية ليتمكنوا من خلالها الالتفاف على صرامة التقاليد المحافظة. إن المتابع للمشهد السردي السعودي في تلك الحقبة الانتقالية يجد القصة السعودية قد أخذت على عاتقها معالجة تفاصل الحياة اليومية، وتجرأت على طرح كثير من المشكلات الاجتماعية المعاصرة، وعلى بعض الظواهر والتقاليد المعاصرة، حتى اتسع فضاء السرد للأشكال المتعددة للبناء القصصي، ولمضامينه اللا محدودة ، كما لجأ بعض الكتاب إلى أسلوب التكثيف والتدوير، وإلى تقنية الدفقات القصصية الموحية، وشاعت اللغة الصحفية ، والمشاهد التقريرية وصفحات السيرة الذاتية المتوارية والإيحاءات والإشارات الرمزية المغلقة.
لقد برع قصاصو الثمانينيات في تنويع أساليب السرد، ومسرحة المكان بإضفاء أهمية على تفاصيله وموجوداته ، واستطاع الكاتب تكريس عنصر الزمن كأساس لتنظيم فوضى الأحداث، ورسم النهايات المفتوحة بعيدا عن الوعظ والوصاية، واكتفوا بالإشارات الدلالية إلى الخير والشر.
وذهبت فئة من القاصين إلى (شعرنة) النص وبالغ بعضهم في الشعر حتى تحول نصه القصصي إلى قصيدة نثرية، واختار آخرون مسرحة القصة من خلال الإسهاب في الحوارات القصيرة، ورصد حركة الشخوص، والتركيز على الصورة البصرية المقتبسة من صيرورة الواقع وتعدد الحبكات، وعزل الخيال ومنعه من أداء مهمته.
صورة ذهنية :
تبرأ معظم جيل الثمانينيات من المذهب الواقعي أسلوبا ومنهجا، وفككوا العلاقة بين الذات والموضوع، ونسج بعضهم نصوصا تجمع بين الواقع والخيال القريب، وتتسع لأحلامهم وعواطفهم ولتجارب الآخرين، فأطلقوا الصورة الذهنية إلى أبعد مدى، ورسموا شخوصًا خرافية، وجالوا في مناطق نائية لم يجرؤ أسلافهم على الخوض فيها، وتحدثوا عن أزمنة آتية وما فيها من فرح وخوف وغرائب وعجائب، وقد التقط الدكتور نصر عباس سمات القصة السعودية الحديثة بواقعية ووصف الحراك السردي بالقول:" ومعظم إنتاجات الشباب من كتاب القصة، وكاتباتها، في الأدب السعودي الحديث إنما اعتمدت على التكنيكات الفنية العالمية التي بلورت أهم اتجاهات القصة في العالم اليوم، وأكاد أجزم حين أشير إلى أن كثيرا من كتاب القصة في المملكة العربية السعودية إنما يلجأون الآن إلى نوع خاص ومتميز من القصة المعاصرة التي يمكننا أن نطلق عليها ( القصة اللا تكنيكية) والتي تتخلى عن كل السياقات لتقليدية والبنى الفنية الثابتة والمحددة بحدود زمان ومان معينين في القصة"
ولأن النص القصصي بكل أشكاله هو فضاء شاسع يتسع لعناصر كثيرة تشكل جماليته ، ويمنح القارئ مساحة للخيال والتساؤل والتحليل ، فقد نجح بعض القاصين في تحقيق ذلك التوازن وبرعوا في تقريب فضاء النص من عين القارئ وإلى خياله ، وأثار دهشته وإعجابه بمضامين كانت تؤرقه فيما مضى، وأجبره على التأمل والمشاركة في البحث عن حلول لأخطاء قائمة.
مغامرة التجريب:
إن مغامرة التجريب في القصة التي خاضها كتاب القصة السعوديين في الثمانينيات الميلادية أعادت إنتاج الفن السردي في المملكة بمستويات مختلفة ، ففي حين نجح محمد علوان وإبراهيم الناصر وسعد الدوسري وصالح الأشقر، وخليل الفزيع، وفهد العتيق وعبده خال ويوسف المحيميد وعبدالعزيز الصقعبي، وشريفة الشملان ورقية الشبيب، وهيام المفلح وقماشة السيف وآخرون، من مرحلة الثمانيينات وما بعدها، فقد فشل غيرهم أيضا في إعادة تشكيل نصه القصصي وفق الاشتراطات الفنية الحديثة فمنهم من أوغل في الرمز حتى استعصى نصه على الفهم، ومنهم من كتب تأملات وخواطر وجدانية وضاع البعض في لجج التجريب ومجاهل السوريالية وأفرط بعضهم في الشعرية وبالغ آخرون في الإيجاز فأهملوا التفاصيل الحيوية، وطمسوا ملامح الشخوص حتى ضعف الحدث وفرغ المضمون وتفككت بنية النص إلى أشلاء، ويؤكد تلك الرؤية الدكتور محمد صالح الشنطي في توصيفه للقصة السعودية الحديثة، بقوله:" وإذا حاولنا أن نتبين موقف كتاب القصة القصيرة في المملكة بين قرنائهم من الكتاب في الوطن العربي، فإننا نجد أن هناك أكثر من آصرة تربطهم بنظرائهم هؤلاء من حيث الرؤيا والتكنيك كالرؤيا الكابوسية للواقع، وتجسيم الإحساس بالإحباط، والنزوع الشعري،

