تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

الشاعر العماني أبي مسلم البهلاني: حياته وشعره

الشاعر العماني أبي مسلم البهلاني: حياته وشعره

حجاج سلامة

في تحقيقه لـ "ديوان أبي مسلم البهلاني"، يُحدثنا علي النجدي ناصف، عن حياة الشاعر "البهلاني" منذ مولده وحتى وفاته، ويغوص في عوالم شعره راسماً لنا صورة واضحة جليّة تجعلنا أكثر قُرباً من ذلك الشاعر الكبير الذي توفي سنة 1339 هـ - 1920 م، تاركا ميراثاً شعرياً ثرياً يبقى جديرا بالقراءة والدراسة على الدوام.

وشاعرنا هو أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم بن صالح بن محمد بن عبد الله ابن محمد البهلاني العماني، ولد في قريـة محرم، من أعمال ولاية سمائل بعمـان عـام ١٢٣٧هـ، أو ١٢٣٨هـ، روايتـان إحداهما: لولده المهنـا بن ناصر، والأخرى: لابن أخيه، الكاتب الأديب سـالم بن سليمان بن عديم، وكانت له بعمه صحبة طويلة.

وقد نشأ الشاعر ببلده في بيت له في ولاية القضاء نسب موصول، إذ كان جده عبد الله محمد قاضياً أيام اليعاربة، وكان والده سالم بن عديم قاضياً للإمام عزان بن قيس، أحد الأئمة الذين نصبوا بعمان سنة ١٢٨٥هـ.

ودرس الشاعر "البهلاني" ببلده محرم، يرافقه في دراسته زميله العلامة المجتهد أحمد بن سعيد بن خلفان الخليلي. 

وقد طاب للصديقيـن ـ فيما يروى عنهما ـ أن ينقطعا إلى الله في سبيل طلب العلم، وأن يتأدبا بآداب الصوفية في ممارسة شؤون الحياة، ومنهج السلوك.

ولم يقضِ الشاعر حياته كلها في عمان، بل لم يطل مقامه فيها، فقد رحل عنها إلى شرق افريقيا سـنة ١٢٩٥هـ، وكان لا يزال شـاباً في مطلع الشباب، إذ كانت سنه حول العشرين أو بعدها بقليل. ودخل زنجبار، واستقر به المقام فيها، وكان ذلك في عهد السلطان برغش بن سعيد، ورحل والده أيضاً إلى زنجبار، بعد انتهاء عهد الإمـام عزان بن قيس. ولبث الشـاعر في زنجبار خمس سنين، ثم عاد إلى عمان سـنة 1300هـ، فمكث فيها خمس سنين، عاد بعدها إلى زنجبار.

ووفقا لمحقق الديوان، فقد ظفر الشـاعر بثقة حكام زنجبار، وكانت له عندهم حظوة، ولا سيما السيد حمود بن محمد بن سعيد بن سـلطان، والسيد حمد بن ثويني بن سعيد. لذلك ولي قضاء زنجبار، ثم رياسـة القضاء فيها. 

وقدر الشاعر صنيعهم إليه، وجزاهم بما صنعوا مدائح فيهم باقيـات، لها في عالم الشـعر إذ ذاك مقام مرموق، فقد كان - رحمه الله - شاعر البلاد، وأمير شعراء العصر، غير منازع ولا مدفوع.

وقد طلب الشاعر "البهلاني" العلم في بلده محرم، وتتلمذ فيها على الشيخ محمد ابن مسلم الرواحي، ولا يعرف له شيخ غيره. على أنه كان شغوفاً بطلب العلم وتحصيله، فانقطع له وأكب عليـه وهو في زنجبار خاصـة، واتخذ من الكتبالمصنفة فـي العلوم المختلفة ـ ينابيع يستقي منها ما يشـاء، وخلص من ذلك بثروة مباركة، تيسر له بفضلها أن تكون له مشاركة حميدة في علوم الشريعة واللغة والأدب، وأن ينبغ في الشعر، ويسمو فيه إلى المكانة الرفيعة التي كانت له فيه.

مؤلفاته وشعره

ويقدم لنا محقق "ديوان البهلاني" قائمة بمؤلفات أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم بن صالح بن محمد بن عبد الله ابن محمد البهلاني العماني وهي:

(۱) النشأة المحمدية.

(۲) النور المحمدي.

(3) النفس الرحماني لأبي مسلم البهلاني.

(4) نثار الجوهر في ثلاثة أجزاء، ولكنه عوجل قبل أن يتمه.

(5) السؤالات في الفقه.

(6) كتاب في التوحيد، حوار بین أستاذ وتلميذه.

(7) ألواح الأنوار وأرواح الأسرار... إضافة إلى ديون شعره.

وحول شعره يقول المحقق الأستاذ علي النجدي ناصف، إن "البهلاني" ينظم شـعره وهو غافل عن نفسه، لا يفكر فيه، ولا يلقي باله إليه، حتى إذا وافاه طبعه، وأسعدته ملكته فيما ينظم منه، لا يشق على دارس شعره أن يتبين ملامح شخصيته في جوانبها المختلفة من ذاتية ونفسية وذهنية. 

وبحسب المحقق، فإن أشد ما يكون ذلك وضوحاً، وأيسـر ما يكون مطلباً في الشـعر العاطفي، الذي يعبر به الشـاعر عن مشاعره ووجدانه، التي تنبعث عن نفسـه فيضاً لا نزا، وذوباً لا عصراً، فذلك الشعر في أصالته وحقيقة معناه: يتلاقى فيه الصدق، والتفتح، والإشراق، فتتراءى مواجد الشـاعر، وما يجيش به صدره من رغائب وأشواق، وما تطمح إليه نفسه من أمل، وما تنطوي عليه من ألم.

ويلفت محقق "ديوان البهلاني"، إلى أن صاحب الديوان إذا حاول طوعاً أو كرها أن يواري من شخصيته خلف ستارالتكلف والصنعة، مطاوعة لناشئة من الزلفي والنفاق، أو لاستدرار منفعة، أو استكفاف عادية ـ إذا حاول ذلك لم يعدم دارس شـعره أن يقع هنا وهناك على ومضات ثاقبة وإشـارات موحية، تنم على ما وراءها، وتهدي من يحسن الفهم عنها إلى قليل أو كثير مما كان خافياً.

ولعل من يريد أن يستشـرف شخصية أبي مسلم البهلاني في شعره ـ ينبغي أن يتلمسـها مرة في عموم شعره، وأخرى فيكل فن مـن الفنون التي أدار شـعره عليها، وهي: : السبحات الدينية، والمدائح والمراثي.

ويبدو أبو مسلم البهلاني في جملة شـعره مؤمناً راسخ الإيمان، متديناً يخلص الدين لله ويحض على الجهاد فيه مهما عظمفيه الخطب، وتألبت دونه الشـدائد والمحن، فالدين أحق مـا يجب فيه البذل، ويهون الفـداء.

يعظم القرآن حق الإعظام، ويشيد بفضله على أهله وبأثره في النهوض بهم وإعلاء منزلتهم، ويدعو إلى الاهتداء بهديه والتخلق بأخلاقه. 

يحب وطنه الأول حباً جماً، ويصفيه المودة والإخلاص، فهو يتشوقه، ويحن إليه، ويهتف بالكثير من معالمه، لا ينسيه البعد ذكـره، ولا يصرفه عن التغني بمحاسنه.

تلك شخصية أبي مسلم في جملة شعره، كما حدثنا عنها مُحقق ديوانه، وأما شـخصيته فيما قال فيـه من فنونه ـ فقد كان في شـعره الديني شـديد الخشـوع الله، مذعناً لعظمته وجلال سـلطانه، مأخوذاً بحكمته وحسـن تدبيره وبديع صنعه في خلقه، صادق الرجاء في رحمته له ولطفه به، يشكو إليه عجزه وضعف حيلته، ويسـأله أن يكون عوناً له على عدوه، يحبـط كيده، ويرد مكره إلى نحره.

أما في شـعر المدح والرثاء فصادق في قوله، مقتصد فـي الإطراء وتعديد المحامد محتفظ بشخصيته، لا يبخس قيمتها، ولا ينزلها دون منزلتها، ولا يفرط فيها فتذهب ضياعاً في غمرة الثناء والإعجاب.

أما مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، فله شأن غير الشأن، وهو فيه غيره في سائر المدح، إن مدحه في الرسول ﷺ يفيض بالحب الدافق، والولاء الصادق، والعرفان الخالص الطليق، لا تشوبه شائبة، ولا تحده حدود، إنه فيه يرسل نفسه على سجيتها فتجيئه منه بما يحب ويرضى، من كل معنى شـريف، وقول بليغ، تتشارك في تأليفه وإحكام صياغته ملكته المدربة، وطبعـه المواتي، وخياله الخصيب، صنيع المسلم الراسـخ اليقيـن المطمئن القلب، الخالص النية فيما يقول.

وشـعر البهلاني عامة ليس في طبقة واحدة، لكن فيه تفاوتاً، وقديماً قالوا: لكل مقام مقال. ويمكن أن يقال: إن شـعره في المدح والرثـاء أجزل لفظاً، وأرصن أسلوباً، وأجمع لخصائص الشعر الأصيل في منازعة ومذاهب فنه، لأن المدح والرثاء أرحب مجالاً، وأوفر حرية، وأقبـل للرخصة وأعون على التنويع والافتنان.

ويخلو شـعره كله من الغريب الحوشي، ومن السـوقي المبتذل، لا يشوبه تعقيد، ولا ترى فيه مداخلة ولا غموض، مما يجلبه التواء التعبير، وسوء التقديم والتأخير. وله افتنان في النظم، يشير إلى ما عنده من المهارة الذهنية، وبعض قصائده الدينية يبدأ كل بيت فيه بعبارة الحمـد لله، وبعضه بعبارة الله أكبر، وبعضـه ينتهي كل بيت من أبياته بلفظ الجلالة. 

وفاته

وقد توفي "البهلاني" في زنجبار في شهر صفر عام 1339هـ، عن عمر يناهز السبعين سنة، وقد قضى حياته من بداية نشأته وحتى وفاته في طلب العلم والاجتهاد في نصرة الإسلام ونصرة كلمته وإعلاء مجده.

الشاعر العماني أبي مسلم البهلاني: حياته وشعره
Ehsan Logo