روافد العمارة الإسلامية
سهيل نجيب مشوح
عرفت الحضارات القديمة الكثير من أشكال العمارة والبنيان، واستخدمت العديد من مواد البناء المتوفرة في البيئة آنذاك، وأشادت قصورها وقلاعها ومرافقها في تضاريس مختلفة، وتمّيزت العمارة العربية والإسلامية عن غيرها في أسلوب التصميم الذي يراعي الخصوصية والستر واتجاهات القبلة.
ويصف د.م يحيى وزيري بدايات نهج بناء المدينة العربية القديمة بقوله: (وقد احتذى المسلمون فيما بعد) العصر الإسلامي الأول (عند إنشاء معسكراتهم أو مدنهم في البلاد المفتوحة بفعل الرسول عليه الصلاة والسلام، حيث كان يبنى المسجد وملاصقة له دار الامارة في مركز المدينة الجديدة، وتلتف من حولهما المساكن والقطائع، وهو ما تم تطبيقه في العديد من المدن الإسلامية الأولى كالبصرة والكوفة في العراق والفسطاط في مصر. ويرجع (جوستاف لوبون) الاختلاف الواضح في فن العمارة العربي إلى المراحل التي ظهر فيها بشكله الواسع، وهي أربع مراحل أساسية:
الطراز العربي قبل ظهور النبي عليه الصالة والسالم.
الطراز البيزنطي العربي نتيجة المؤثرات الإغريقية الرومانية.
الطراز العربي الخالص الذي انتشر في مصر والأندلس.
الطراز العربي المختلط مع بنيان (الأسباني المسيحي –اليهودي – الفارسي الهندوسي).
أما التصنيف الذي اعتمده (جون هوج) في رؤيته للتفاعلات الحضارية التي مر بها المعمار الإسلامي، وقد اعتبر مرحلة النضج والاستقلال الفني والتي أسماها (الكلاسيكية المتأخرة)، وهي تبدأ مع نهاية القرن الحادي عشر مع انتشار التفاصيل والزخارف الخاصة بها كالمقرنصات والزخرف، واعتبر الطراز الأموي لمدينة دمشق عاصمة الخالفة أولى مدارس الفن الإسلامي، ويرى أن البيئة التي نشأ فيها الفن الأموي (بلاد الشام) هي بيئة عريقة في حضارتها عرفت فنونا مزدهرة خلال قرون عديدة..، وقد أدت هذه الظروف البيئية والحضارية إلى والدة الفن الأموي الذي يعتبر حجر الأساس في الفنون العربية الإسلامية. وقد أدى انتقال مقر الخالفة من دمشق إلى بغداد عام (132هـ 570م) إلى تغيير واضح في المؤثرات ومظاهر الحياة الفنية، حيث بدأت تظهر الملامح الفنية العراقية القديمة التي نمت خلال مرحلة الفن الأخميني والساساني، وكانت هي البذور الأولى التي ترعرعت في سامراء والتي امتدت غربا إلى مصر في جامع ابن طولون، وشرقا إلى نيسابور وأفرزياب بالقرب من سمرقند. ويظهر الطراز المغربي الأسباني بعد سقوط الخلافة الأموية في الأندلس، وتأسيس البربر عدة دويلات في المدن الأندلسية، ويعتبر قصر الحمراء في العاصمة غرناطة أبدع مبانيهم..، ومن العمائر المدنية التي انتشر بناؤها آنذاك الحمامات، كما انتشرت حركة تشييد الوكالات والفنادق بالقرب من المسجد وسط المدينة، وكذلك الأسواق التي تعرف بالقيصريات حسب ما تقتضيه الحركة التجارية المزدهرة للبالد في العام (425هـ 1031م). ويلاحظ تنوعا إسلاميا في عمارة المساجد المصرية في العصر الفاطمي، فتأخذ بالأسلوب الطولوني العباسي تارة، وبالطراز الأموي تارة أخرى، واقترنت عمارة هذا العهد باستخدام الحجر المنحوت بل الطوب في الواجهات، وتزيينها بالزخارف، كما تم استعمال المقرنصات في التزيين. وأهم المعالم المعمارية في مصر وسوريا التي ظهرت في العصر الأيوبي بعد عام (567هـ 1171م) ظهور المدارس السلجوقية ذات الأواوين، وظهرت القباب، وتطورت المقرنصات، وأسوار التحصينات وما اشتملت عليه من أبراج وأبواب. وتعد فترة حكم المماليك (الأتراك والشراكشة) لمصر بين عامي (1250 - 1382هـ )، وقد توحدت فيها أشكال العمارة الدينية بين مصر وسوريا، وزالت الفوارق بين المسجد والضريح، وقد شيدت قصور المماليك من طابقين أو أكثر، وكانت تخصص الطبقة العليا – عادة – للحريم، ويرجع هذا التقدم المعماري في العصر المملوكي إلى نضج الأساليب الفنية والمعمارية الإسلامية خلال حوالي ستمائة عام. ويبلغ المعمار الإسلامي ذروته في العصر المغولي والتيموري والصفوي بإيران، لدوام الصلة بين ثقافة وفنون الدولة المغولية التي شمل حكمها إيران والعراق، وبين الثقافة والفنون الصينية وأساليبها وعناصرها التي تعتمد الحيوانات الخرافية والسحاب والشخصيات الأسطورية، وشهدت المساجد خلال تلك الحقبة المآذن المرتفعة، والرسوم الداخلية، وزيادة الزخرف، وأناقة المداخل، والصحون والأيوانات المستطيلة الفسيحة، واستخدام الفسيفساء في الزينة، والنقش على المحاريب. وقد اكتسبت العمارة الإسلامية صفة وأشكالا جديدة نتيجة الإتصال والتأثر بالثقافة الهندية والعثمانية في وقت الحق، ويبدو التأثر والتأثير واضحا في تلك الحقبة، إلا أن المعمار الإسلامي حافظ على روحه وهويته وجوهره العميق، وكان تأثره واستفادته من الثقافة المعمارية العالمية، وتراث الحضارات الإنسانية المختلفة بما يتفق مع روح التعاليم الإسلامية، كما أثر في حضارات الأمم الأخرى، واقتبس الغرب الكثير من ملامح العمارة والفن الإسلامي، وموادها وعناصرها وأساليبها منذ اتصال الشرق العربي الإسلامي في العصور الوسطى عن طريق التبادلات التجارية والحج إلى القدس وزيارة الغرب إلى بلاد الأندلس، واتصالهم بالدولة العثمانية وبالد فارس، وكذلك عن طريق انتشار الفن المعماري الإسلامي في بالد البلقان وآسيا الوسطى والقوقاز، وقد ظهر أثر هذا التأثير واضحا في بيزا وجنوة وفلورنسا بإيطاليا، وفي جنوب فرنسا، وفي مناطق أخرى من أوربا. وتقتضي القراءة المنهجية للعمارة الإسلامية؛ البحث في الشكل والمعنى، واقتفاء الأسباب والآثار التي اقتضت تلك التحولات والتباين في أنماط العمارة بين حقبة وأخرى، وذلك للوصول إلى تفسيرات منطقية لذلك الاختلاف في الهندسة الخارجية (الهيكلية)، وتباين التفاصيل الداخلية للمبنى العام. هذا الاقتفاء الذي سيقود حتما الى فهم حركة التاريخ ووقائعه برؤية علمية وبعيدا عن العاطفة والانحياز. وتفيد هذه القراءة أيضا في اكتشاف المزيد من تفاصيل الحياة اليومية، والطقوس المجتمعية السائدة آنذاك لتأصيل التراث المادي لمجتمعاتنا الإسلامية، وفق منهج علمي يبتعد عن التأويل والخيال. ولعل غرض الباحث من هذا الإصدار؛ أن يكون (رافدا) مفيدا في سلسلة البحوث التي تبحث في غربة الثقافة المعمارية عن محيطها العربي والإسلامي، والأسباب التي دفعت بعض البلدان إلى إنكار هوية تراثهم المعماري، والابتعاد عن تجديد أوابد حضارتهم لغير ما تمليه ضرورات الحياة المعاصرة، وتطور أدواتها وموادها ووسائلها المعمارية، لتناسب حركة الحياة والنشاط اليومي للفرد والمجتمع.
إشــارة:
هذا الموضوع هو عرض موجز لفصول من كتاب (العمارة الإسلامية والبيئة). تأليف: د.م/يحيى وزيري – صدر عن سلسلة عالم المعرفة.

