شعرية عالم الموتى.. في بدرو بارامو.
هالة موسى
رواية اعتبرها بورخيس من أفضل الروايات في الأدب الإسباني بل والأدب العالمي كله، في حين إنه سوزان سنوتاج ترى كنا رواية رولفو لا تعتبر فقط من الروايات الرائدة في القرن ال20، بل وتعتبر أيضا من الأعمال الأكثر تأثيرا في القرن ال20 نفسه، وقد داب كثير من رموز الأدب الإسباني والعالمي على الحديث عن عصر هذه الرواية المفارقات إنه عدد صفحات الرواية ومجموعات القصصية اللتين تركهما لنا رولفو لا تتعدى يان ال300صفحة، لكن كتب عنها ما يزيد عن 9000 صفحة من النقد الأدبي خلال 50 عاما من صدورهما كما يخبرنا مبروك في تقديمه للرواية، إن الفضاء السردي لهذه الرواية الإشكالية هي قرية(كومالا) حيث تفتح عليها ذاكرة طفولة الراوي، الذي شكل موت الأب فيه اللحظة الفارقة، لدرجة أن الطبيعة شاركت في الحزن عليه، فقد أحدثه موت الأب انقلابا بالطبيعة " فبدأ النهار ظلاما دامسا أ أضاع نجومه، لم يكن ثمة نهار يبتدئ وإنما بداية ليل أخذ في القدوم" لم يمت الأب ميتة عادية، لهذا كان الألم الذي عانته الأم أكثر حرقة، وغصه الفقد أكثر لوعة، فقط آلمها أن يحاصرها إحساس بالظلم والعجز معا، حتى الانتقام لأن يعيد الحياة لزوجها القتيل! لذلك لم يكن أمامها سوى البكاء، جاء تميز هذه الرواية ليس لكونها كانت بداية وجهة كتابة الواقعية السحرية، إنما لفرادة بنائها في توقيت صدورها، حيث كان للمتلقي دورا فعالا في الرواية حيث ت مع إشراك المتلقي أوكي يملأ مخيلته الفراغات التي تركها المؤلف، خاصة أنها تقدم عالما مستحيلا هو عالم الموتى، لذلك لم يكن بوسع صوت المؤلف أن يتدخل! قلنا الراوي بدروبارامو يحكي لنا كل الأحداث ويصف لنا الشخصيات مستخدما فيها الكاتب ضمير المتكلم حيث أعطى صوت الراوي حميمية للسرد، وحاول من خلاله تقديم رواية عميقة لدواخل الشخصيات في لغات شعرية وسرديات بسمة لمقاطع متوالية، نوع الروائي بين السرد و المشاهد الحواري، وقد تميزت لغة الحوار بشدة التركيز و الفعالية، كذلك يظهر صوت الأم لنتعرف من خلال ذاكرتها التي انفتحت على ذكريات الحياة اليومية في القرية، فنعايش لحظة نهوض القرية فجرا، ونسمع أصوات العربات التي تأتيها من الجهات الأربعة محملة بالخيرات، ونشم رائحة الخبز الطازج! بهذا كانت (كومالا) جنتها، وحبها الوحيد، خاصة بعد أن تخلى عنها(بيدرو)"ستجد هناك حبي... ستشعر بأن المرء يتمنى هناك لو يعيش إلى الأبدية"، مع مرور الزمن باتت القرية جحيما، بل أقسى من الجحيم، بهذا من يأتي لزيارتها بعد الموت يفضل العودة إلى الجحيم، إذ قد يجد فيه ما يخفف قسوة الحر، وهذا ما يفتقده في كومالا! لهذا لن نستغرب أن الحياة لم تعد تهمس فيها، فقد أفسحت المجال لانتشاره همسات الموت، جهاز هذا يصرح ابنها" لقد قتلني الهمس".
يدهشنا في رواية "بيدرو بارامو" تواصل الأموات مع الأحياء، في حين وصل الراوي البطل إلى (كومالا) تقول له (دونيا أدوفيخس) وحيا صديقة أمه التي توفيت منذ أسبوع " أخبرتني بأنك ستأتي" يجيبها الابن (الراوي) " أمي توفت" ترد عليه قائلة " هذا هو إذن السبب الذي جعل صوتها ضعيفا"، يتم التواصل بين الصديقتين الحميمتين، رغم موت إحداهما، فنعايش في هذه الرواية علاقة صداقة أشبه بحلم، إذ لم يتم التعاهد بين الصديقتين على الحب والوفاء بل على أمر لا يخطر على بال أحد، فقد تعهدتا على الموت معا، وبما أن أم الراوي قد سبقت صديقتها، بهذا تقرر اللحاق فيها سريعا! يصل التوحد بين الصديقتين أقصى حدود اللامعقول، الحين يتنبأ إحداهم لأم البطل أن عليها أن لا تضاجع زوجها (بيدرو بارامو) ليلة زفافها لأن القمر هائج، وتطلب من صديقتها النوم مكانها.
تعيش المرأة في عالم أقرب إلى الخيال، يعتمد قوانين خاصة، لا علاقة لها بالواقع، فهي تصدق الخوارق، (اختفاء القرية عن سطح الأرض) في حين لا يؤمن أهالي القرية بذلك، ويعدونها جنونا! إن البنية الغرائبية لرواية " بيدرو بارامو" هدمت الفاصل بين الحياة والموت عبر لغة تفيض شاعرية، تتسع حدود الغرائبية فتغمر أرض (كومالا) أشباح الموت " إنهم كثيرون ونحن قليلون جدا، حتى إننا لا تكلف مشقة الصلاة من أجلهم، يخرجوا من أحزانهم، لأنه صلواتنا لن تكفي لهم جميعا"، وهكذا يختلط الواقع بالغرائبي اختلاط الأموات بالأحياء، وإن كنا قد لاحظنا طغيان عالم الموت على الأحياء، فلم يعد ممكنا مساعدة الموتى بالصلاة من أجلهم، إذا عجز الأحياء من الدراسات هم عن القيام بواجبهم اتجاه الأموات لكثرتهم!! مما جعل الحياة أكثر قتامة وبؤسا! إن الغرائبية الأكثر إدهاشا في هذه الرواية، هي معايشة هموم الموتى داخل القبر، فنفاجأ أن الآلام التي نغصت حياتهم لم تنته بموتهم، بل صحبتهم إلى القبر، فالمرأة التي آلامها عدم تحقيق حلمها بإنجاب طفي ستشكو شمها للراوي (إخوان بريثيادو) فين دفنت إلى جانبه، بسبب العوز الذي لحقها في حياتها ومماتها! و ثم تأتي خاتمة الرواية حيث احتضار البطل بيدرو وتأملاته وهو يراقب موت كل عضو من أعضائه على حدة! شغل في حس في تلك اللحظة بوحدة مع الكون، فهو تماثل مع شجرة تعرفت أوراقهم ورقة مرقة! فتنطقه تلك اللحظات بحكمة بسيطة لكنها تشكل حقيقة أزلية " الجميع يتخذون نفس الطريق، الجميع يذهبون".
ثم تدخل صوت الراوي ليصف لنا زحف الموت على جسد (بيدرو) بلغة محايدة! تمام هذا العجز الحركي تأكد إنه يواجه موته، لهذا عمد المؤلف إلى إتاحة فرصة أخيرة تمام صوت (بيدرو) أوكي يعبر عن أفكار تراوده، فيتساءل متحسرا عن حقيقة بات متأكدا منها! بهذا أبعد صوت الراوي، ليعود ثانيه إليه، فيضفي مع تبادل الضمائر (غائب ومتكلم) حيوية على الفضاء السردي! إن تمايز هذه الرواية هو تقديمها لعالم الأموات ومشاهد الاحتضار حيث افتتح فضاء جديد للرواية، شغل سيترك أبلغ الأثر في الرواية العالمية وخاصة في رواية أمريكا اللاتينية، وليس أدل على هذا الأثر الحتمي لتلك الرواية من وصف ماريو فارغاس يوسا هذا الرواية بأنها إحدى القفزات النوعية الأكثر فعالية في الأدب اللاتيني الأمريكي المعاصر، إذ صيغة ببراعة، إلى درجة يصعب معها تحديد مكان القصة أو زمانها.

