تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

دون كيشوت يقاتل طواحين الهواء

دون كيشوت يقاتل طواحين الهواء

رشود التميمي


عن المؤلف والرواية: ولد مؤلف رواية دون كيشوت Don Quixote ، ميجيل دي سرفانتوس Miguel de) (Cervantes، عام 1547 ميلادية، حين كانت إسبانيا في أوج قوتها. وكان الملك الإسباني تشارلز الأول (حكم من 1516 إلى 1556) هو أقوى رجل في أوروبا في ذلك الوقت، ولم تقف طموحاته عند حد، فقد كان يطمح في توحيد أوروبا قاطبة تحت لوائه. وكان المؤلف جنديا في الجيش الإسباني، سيء الحظ دائما رغم كفاحه واجتهاده. عاش حتى شهد تهالك العصر الإسباني تحت وطأة التضخم الاقتصادي. وكانت أسرته تعد من طبقة النبلاء، غير أنها عانت أشد المعاناة من الفقر المدقع. وقد عمل أبوه جراحا - وكان الجراح في ذلك الزمان ذا مركز اجتماعي لا بأس به؛ فهو يصنف في منزلة ما بين الطبيب والحلاق. لكن تلك الأسرة طالما عمدت إلى الهروب والتنقل بعيدا عن أعين بعض (الزبائن) الذين لم تعجبهم خدمة ذلك الأب الجراح، خوفا من ملاحقتهم. لم يتمكن المؤلف من الحصول على التعليم الأساسي حينما كان صغيرا بسبب الصعوبات المالية التي كانت أسرته تعاني منها، غير أنه كان يقرأ كثيرا معتمدا في ذلك على نفسه، وكله أمل أن يكون يوما ما أحد الشعراء العظام الذين يشار إليهم بالبنان، لكنه مات ولم تتحقق له تلك الأمنية بعد حياة حافلة بالمعاناة في أبريل عام 1616 ميلادية، وهو نفس العام - بل الشهر- الذي مات به معاصره شكسبير. ويمكن تصنيف رواية دون كيشوت - وتنطق أحيانا ((دون كيهوته))  - كأحد الروايات الطويلة، إلا أن حبكتها الأساسية بسيطة نسبيا.
أهم أحداث الرواية: ينهمك الشاب ( ألونسو كويكزانو) في قراءة القصص البطولية لفرسان العصور الوسيطة، ويغرق فيها حتى ليخيل إليه من انكبابه عليها أنه أحدهم، ويتوهم وجود علاقة رومانسية مع أميرة يسميها (دلسينيا)- جريا على عادة فرسان ذلك الزمان، و(دلسينيا )هذه فتاة فقيرة من فتيات بلدته اللاتي لم يلقين له بالا قط، فيعمد بعد ذلك إلى تغيير اسمه إلى (دون كيشوت)، ويمتشق درعا قديمة صدئة لم يجد أفضل منها، ويخرج في طلب المغامرات البطولية. في الطريق يرى مهجعا ويحسبه قلعة، فيأمر حارس ذلك المهجع أن ينادي أحد الفرسان من الداخل ليبارزه، فيوافق الحارس وقد غلبه الضحك. ثم يمر بعد قليل بعض التجار بالمكان فيظنهم فرسانا ويرفع راية التحدي أمامهم لكن بعضهم ينبري له فتدور الدائرة عليه ويوسعونه ضربا، وينقذه أحد المارة من سكان الحي ثم يأخذه إلى بيته. يبذل أعيان الحي بعد ذلك كل وسعهم في محاولة إقناعه وإبعاده عن أوهامه، ويعمدون إلى إحراق كتبه أمامه أملا في رده إلى الصواب، ولكن دون جدوى. فلا يجدون وسيلة لإعادته إلى بيته إلا بإدخاله في قفص ونقله وهو في ذلك القفص إلى بيته. ويقومون بإقناعه بالدخول في هذا القفص بقولهم إنهم إنما يريدون بذلك اختبار شجاعته، فيصدقهم ويتم لهم ما أرادوا. وينتهي هنا الجزء الأول. في الجزء الثاني من الرواية نجد أن ستة أسابيع من الراحة في منزله لم تكن كافية ليشفى من جنونه، فيخرج مع (سانشو) لمزيد من المغامرات. ويتصادف في هذه الأثناء أن يكون أحد الطلبة في جامعة إسبانية، اسمه (سامبسون)، قد قرأ الجزء الأول من رواية دون كيشوت، فقرر أن يراه على الطبيعة. كان هدف سامبسون هو أن يعالج (دون كيشوت) المسكين من جنونه، ولكنه في الوقت نفسه يضمر له الحسد على الشهرة الأدبية التي ظفر بها من وراء نشر الرواية. وعلى ذلك يقوم بتحدي (دون كيشوت) للمبارزة على أن يترك أحدهما حياة الفروسية إلى غير رجعة إن هو هزم في تلك المبارزة الفاصلة، فيتفق الاثنان، لكن بطلنا (دون كيشوت) يفوز بالصدفة المحضة. وتستمر مغامراته مع (سانشو) . ويبلغ جنونه أوجه عندما يعاني من التباس واضطراب تمام في التفكير فيظن أن طواحين الهواء قلاعاً وأن العاملين بها شياطين أشرار، فيهرع إليها شاهرا سيفه للقتال، ويعد هذا المشهد أشهر المشاهد في تلك الرواية. ويستمر في استعراضاته تلك ومغامراته (البطولية) إلى آخر الرواية. وتنتهي الرواية بعودته إلى بيته بعد أن تقدمت به السن معلنا أنه شفي من الجنون، ثم يموت بعد ذلك بوقت قليل.

شخصية (دون كيشوت): خلال سياق القصة، تتغير -شخصية (دون كيشوت)، وهي الشخصية الأساسية، عدة مرات. فهي أولا (ألونسو كويكزانو) ، شاب طيب القلب تغلب عليه البلاهة. ولكنه عندما يصاب بالجنون، يعتقد أنه شخص آخر هو (دون كيشوت) ، الفارس المغوار والشجاع النبيل الذي سيتولى مهمة تقويم كل ميل في هذا العالم.

 ولهذا فإن شخصية (دون كيشوت) في الحقيقة ليست إلا من بنات أفكار (ألونسو كويكزانو ) - إذا ظللنا داخل نطاق الرواية. وفي الجزء الثاني تقوم الشخصيات بالعبث بـ ( دون ت كيشوت) والتغرير به يتكشف الفرق الشاسع بين الحقيقة  والأوهام. وتتكرس حالته وتزداد سوءاً عند هذه النقطة حينما يطلَق عليه لقب "فارس الأسود(The knight -of " the Lions)، ويأتي هذا اللقب من المشهد الذي يلتقي فيه بالأسد ليقاتله عند الملك؛ الأسد هنا حقيقة واقعة، لكن (دون كيشوت) لا يريد أن يكذب نفسه، وعندما يمتنع الأسد عن النزال يترسخ إيمان (دون كيشوت) في نفسه، ويصبح ضحية هذا الواقع العجيب معتقدا أن الأسد لا يجرؤ على مواجهته. وتعد الدونكيشونية أحد أهم الأفكار في هذه الرواية، ويعتبر الشخص دونكيشوتيا إذا كان يقع تحت سيطرة مثالية قاسية. وهكذا يصنع خيال (دون كيشوت) الجامع من طواحين الهواء فرسانا عمالقة. وكثيراً ما توقعه أوهامه في مواقف سخيفة ومضحكة، ومع أنه كثير و التعاطف مع الضعفاء إلا أنه شخصية تراجيدية في بعض الأحيان .فإخلاصه لمبادئه مهما كانت مثالية لا يثير فينا الإعجاب بشخصيته. ويكمن الإبداع في هذه الرواية في أن (دون كيشوت) شخصية نمطية لكثير ممن نعرفهم في واقعنا. فقد نلاحظ أن الانغماس في قراءة القصص البطولية ومفاخر الفرسان والانكباب على ذلك، كما في حالة بطل هذه الرواية، يولد أفكارا لا تلبث أن تسيطر بدورها على صاحبها وتستهلكه، بعد أن كانت خواطر مجردة ،دافعة إياه أولا إلى الانتماء إلى تلك الشخصيات البطولية ثم تقمصها ومحاكاتها، ولكن عندما لا يكون الواقع مهياً - لسبب أو لآخر - لهذه الشخصية كي تتمثل أبطالها، فإنه ينتج عن ذلك صراع داخلي قد يتولد عنه رضوخ لهذه النزعة الدونكيشوتية، وعند ذلك يتحول الصراع إلى صراع خارجي مع المحيط، وقد يصاحب ذلك تداخل بين الواقع والأحلام، وهنا تظهر مثل هذه النزعة الدونكيشوتية واضحة المعالم. ولعل من سمات هذه الشخصية الاندفاع وعدم الاكتراث الناتجين من فرط الاعتداد بالنفس كما يفعل الفرسان الأبطال! وقد يلاحظ انهماكها في خلق الأعداء وإن لم يكونوا كذلك، ومن ثم التحدي والصلف مع ضعف وعجز ظاهرين. فالضعف والإحساس بالنقص يخلقان بيئة خصبة لمثل هذه النزعة باعتبارها سلوكا تعويضيا. كما أن السمات الدونكيشوتية تنسحب حتما - كما هو ملموس -على خطاب الشخصية الثورية المتطرفة، وقد لا يلبث هذا الخطاب الذي يتسم بالدونكيشوتية أن يتفشى بين البسطاء كالمرض المعدي. والأمثلة كثيرة على مثل هذه الشخصية النمطية التي تعيش وتترعرع في المجتمعات المختلفة ذات المستويات الثقافية المتفاوتة، وكل ذلك يجري حسب مبدأ التعويض. وتقدم الرواية أيضا تصويرا كاريكاتوريا للفروسية في ذلك العصر، وهي تعتبر عند الكثير من القراء من الروايات الفكاهية التي تتسم بالبساطة والوضوح، وقد زعم مؤلفها أنه كتبها كي يثير المرح ويسخر من الروايات البطولية المنتشرة في ذلك الوقت، التي تحكي مغامرات الفرسان البطولية. وتتفق انطباعات أكثر القراء المعاصرين مع هذا الاتجاه، فهم يرون أن الرواية كتبت لتقرأ كعمل كوميدي، وأن أية قراءة أخرى لها لا تعد قراءة صائبة. كما يرى البعض أن هذه الرواية هي تعبير عن الصراع بين المثالية والواقعية. وقد تثير مثالية (دون كيشوت) الإعجاب فينا، ولكنها محكوم عليها بالفناء من دون جدوى لأنها لا تمس العالم الذي تعيش فيه. ومن المعلوم أن أهدافنا مهما كانت نبيلة قد تعطي نتائج غير سارة إذا لم نأخذ السياق العملي الصحيح لأفعالنا في الحسبان، ونتفاعل مع واقعنا كما تفاعل أبطالنا مع واقعهم. وقد تجد فيها تصويرا لجدلية الوهم والحقيقة، فهناك درجات متعددة من الوهم والحقيقة في هذه الرواية؛ أعظمها إغراقا في الوهم حالة(دون کیشوت) نفسه، ثم يليه أصدقاؤه عندما يخادعونه ليتمكنوا من إخراجه من دوامته، غير مدركين أنهم إنما يلعبون بذلك دورا رئيسا في تكريس أوهامه، وهنا تكمن المفارقة. وعلى أية حال فإن الخط الفاصل بين الوهم والحقيقة لدى القارئ يبدو أكثر وضوحا في بداية الرواية عنه في نهايتها.
والمشير في هذا الموضوع أن (دون كيشوت) وصديقه (سانشو) يدركان في الجزء الثاني من الرواية أنهما مجرد شخصيتين في كتاب أدبي. ومن المشير أيضا تداخل الشخصيات بين عالم الرواية والعالم الخارجي، وتبادل الأدوار بينها، وتأثر كل منهما بالآخر.


دون كيشوت  يقاتل طواحين الهواء
Ehsan Logo