في ظلال القصص
يحي العلكمي
البنية السردية في مجملها كائن متماسك الأعضاء يعمل على توفير أقصى درجات المخاتلة الماتعة في سبيل الوصول إلى حالة من التمظهر الذي يشي بالمكنون وفق شلالات كثيرة لن تأتي دون فهم لكيفية نشوء معمار النص وارتقائه، ولعل القصة القصيرة جدا تأتي في مقدمة الفنون السردية ذات الطابع الخاص والأساس الفنية الحديث المتكئة على تكثيف المنتج اللغوي والاقتصاد فيه مع البراعة في أن تكون المحمولات دلالية ذات أفق واسع وفضاءات متاحة للقراء والتأويل ومن ثم إعادة إنتاج النص من لدن قارئه الذي ولا شك تورط شغل في إيحاءاته مشتبكة به وأصبح م خيالا خاصا به.
وفي العدد السابق من هذه المجلة طالعنا من نصين قصصين قصيرين القاصة نوف الثنيان كأنه أحدها بعنوان" وجه آخر" وفي هذا النص المتقن دلالة وفنية استطاعت اللغة أن تحيل الواقع المؤلم للحياة الاجتماعي أو على الأصح لشريحة منتقاة منها إلى مشهدية تفصيلية على الرغم من اكتناز النص بالمعنى، لتعمل القاصة هنا على استفزاز مقروئية المتلقي، وتحفيز مدركه المعرفي وثقافي ليكمل الصورة المتحركة أمامه ويشرع فيه استجلاب دلالاته الخاصة مما يحيل هذا النص إلى نص ممتد التأثير، فمنظر الزوجة التي قتلت زوجها بعد أن استكان ونام واصلة ثم شق صدره لتتأكد من وجود قلب داخله وهو لا شك نص مفتوح على أفقه لكل التأويلات وهنا يحضر ما نسميه التعاليق البنية الداخلية للنص مع إطارها الخارجي، حيث ممتدة جسر وهمي بين فنية اللغة وبين المعطى الاجتماعي وما يعترك في إطاره من خير وشر.
النص الآخر نشر بعنوان" نهاية رجل مشاع" هنا أشد على يد القاصة في اختيار العنوان حتى وأن كان يمتاح من عنوان الرواية الشهيرة حنا منيه " نهاية رجل شجاع" غير أن العتبة الأولى للنص قصة وحدها وتبعث على أن يقف المتلقي عندها يعمل فيها رؤيته فما المقصود الرجل المشاع؟ المعلوم لدينا جميعا أن المشاع هو عام المستباح في العام خبره، وفي هذا النص يأخذ السرد طابعه التقليدي حيث يبدأ من نقطة المنحنى الأولى للحكاية فيتفق السرد مع الحكاية لكنه السرد يغادر الحكاية يستهل لعبته فالبداية" في الخارج عقدة صفقته الأخيرة" وهي استهلال تقليدي سارة عليه الحكاؤون جميعا، غير أن لعبة السرد تأخذ دورها بجملة" حين عاد مقسمة أبناؤه إلى فريقين" هنا النتيجة مباشرة وصادمة أو مبشرة في لحظة الإدهاش، لنكتشف سريعا ودونما مغامرة باستخدام الدلالة الواضحة إن انقسام الأبناء كان أيضا سببا شغل نتيجة أخرى هي موت الرجل ليغلق النص أبوابه " فريق بانتظار تابوته، وفريق بانتظار حقيبته" أغلق النص فيما المتلقي يترك مشدوها على مختبر إعادة النظر التعميق القراءة وتحليل المشهد محاولا تفكيك هذا الارتباط الذي ورطه النص فيه بين التابوت وما يحيط به من هول الموت وقداسته، وبين الحقيبة الموحية بالثراء.
ولقد تمكنت القاصة من الإمساك بالزمام النص القصير جدا خاصة وأخوة نص غاية في التفلت والتمرد عنا كتابه، بل والانقلاب عليه من خلال تمظهورات خادعة تأتي في شكل الخاطرة حينا وعلى صورة الشعر أحيانا غير أن نوف الثنيان هنا لم تتح لهذا التمرد أن يحدث فنجحت وأبدع النصان.

