تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

من ذخائر الكتب عند العرب

عبد الله بن حمد الحقيل

تحرص الأجيال على أن ترتبط بتراثها وهذا يحتاج إلى يقظة ووعي واهتمام، إذ هو منهل عذب ودعامة من دعامات المعرفة والعلم.

ولقد كان الاهتمام بالعلم في مختلف عصور الحضارة العربية الإسلامية شعارا للحياة حيث كانت مهمة العلماء البحث والترجمة والكشف عن كل جديد كما هو حال الأمم المتطورة في هذا العصر.

ولقد كان أسلافنا فضلهم الكبير في بناء الحضارة التقدم الإنساني مدفع مواكب العلم وركاب الثقافة وخطى المعرفة إلى غايات ثقافية بعيدة.. في مرحلة من عزها فترات التاريخ حيث كان لهم دورهم المجيد في بناء الحضارة والنهضة العلمية والثقافية والأدبية منذ انبثاق الإسلام إلى العصر الثامن الهجري حيث انهارت الأندلس وسقطت في أيدي الأسبان، ورحم الله الخليفة الناطر الأندلسي يوم ألازم الناس بإنشاء مكتبة في كل بيت وقراءة يومية للكتب.

ويحفل التراث العربي الإسلامي برصيد ضخم من ذخائر المعرفة والثقافة والأدب والفنون حيث أخذت الأمة الإسلامية دورا قياديا في الحضارة البشرية فكانت نهضتها العلمية والفكرية من دعائم هذا الحضارة وكان اهتمامها بالمعرفة وحرصها على تشييد دور الكتب التي شع نورها على مختلف الآفاق، ومن يلقي نظرة على كتاب الفهرست لابن النديم وكتاب تاريخ الأدب العربي للمستشرق بروكلمان وكشف الظنون بحاجي خليفة وإحصاء العلوم للفارابي، وتراجم الأدباء ورسائل إخوان الصفاء مفاتيح العلوم للخوارزمي وهدايا العارفين في سماء المؤلفين وجامع التصنيف الحديث لسركيس وغيرها من الفهارس والكتب والسلاسل والمجموعات التي ينبغي الرجوع إليها باعتبارها من مناهل الأدب والتراث.

ومن يلقي نظرة على ذلك فإنه سيجد رصيدا ضخما وكنزا هائلا من التراث والمعرفة في شتى ميادين العلم الثقافة والمعرفة في التوحيد والفقه وفي التاريخ والجغرافيا وفي الفلك والجبر والهندسة والنبات وغيرها من فنون المعرفة لأن الحضارة الإسلامية كانت في أوج عطائها وإبداعها.

علما بأن المطابع لم تكن معروفة أو موجودة في تلك العصور بل تكتب الكتب بخط اليد والقلم يتكلف نسخها جهدا ووقتا ومالا ومع هذا فقد كانت بعض المكتبات تحتوي على أكثر من نص مليون مخطوط إلى جانب دور تنظيمها وتنسيقها ووضع الفهارس والقوائم لها إلى جانب احتوائها على الخرائط الجغرافية والأجهزة العلمية مما اخترع العلماء المسلمين الذين كانوا ملء السمع والبصر لعدة قرون متتالية، ومن شواهد كنوز المعرفة عند العرب مكتبة بيت الحكمة في بغداد التي أسسها الخليفة هارون الرشيد وكانت مكانا للعلم والدراسة والقراءة والتأليف والترجمة والمحاضرة وغير ذلك من الأهداف.

وكان تأسيسها في عام 170هـ حيث لاحظ حنا قصر الخلافة قد امتلأ بالكتب والمخطوطات ودفاتر المعرفة حيث كانت تحفظ في قصر الخلافة فعمل على إخراجها من القصر لتكون في مكتبة عامة وسماها بيت الحكمة فكانت من أضخم المكتبات أقدمها.. وقد خصص في هذه المكتبة جناح للترجمة حيث جلبت كتب الفلك والطب من مختلف البلدان وعهد بها إلى المترجم يوحنا بن ماسويه وما مجموعة من المترجمين والخطاطين كما جيء من مختلف الكتب التي ألفها علماء العربية والإسلامية الذين كانوا على إحاطة بمختلف الروافد الثقافية المتنوعة.

ولقد كانت هذه المكتبة فخر العاصمة وزينتها حيث كانت نزارا للعلماء والباحثين مقصد لطلاب المعرفة والدارسين، وحينما ولي الخلافة المأمون بذل جهودا جبارة في سبيل تطويرها وامتداد نشاطها وبعث الرسائل إلى مختلف العواصم لجلب الكتب إليها وتزويدها بنفائس المخطوطات فامتلأت بتراث ضخم وأصبحت مركزا من مراكز المعرفة والتوجيه في مختلف فروع المعرفة وميادين العلم.

ورقة تولى الإشراف على هذه المكتبة سهل بن هارون ومعه المئات من المترجمين والخطاطين والناسخين والمجلدين وقد ذكر ابن النديم في كتابه الفهرست أسماء عدد منهم ممن برعوا في الخط والتجليد.. ولقد استمرت هذه المكتبة تؤدي رسالة جليلة وتسهم بدور فعال وكانت مفخرة من مفاخر ذلك العصر الذهبي الزاهر ومقصد لأئمة العلم وأقطاب المعرفة الذين حملوا بشاعر الفكر ورفعوا لواء العلم في تلك العصر.

وواصلت هذه المكتبة دورها الثقافي كسراج الوهاج حتى واجهت المصير المؤلم والنكبة السوداء مع سقوط بغداد سنة 656هـ فألحقوا بها الخراب والدمار وصارت في مهب الإعصار التتري الذي نسف ودمر ذخائر الحضارة الإسلامية.


من ذخائر الكتب عند العرب
Ehsan Logo