هل اختفت الريادة والرواد؟ أديبات وأدباء سعوديون يحددون الصورة ما بين الأجيال الرائدة وعصر المنصات المفتوحة
· محمد الشقحاء: مفهوم الريادة ما يزال هو نفسه.
· د. زكية العتيبي: لا نعيش غياب الريادة، بل نعيش تحولًا في بنيتها وتعريفها.
· د.عبدالمحسن القحطاني: مفهوم الريادة القديم نفسه تغير وتطور .
· د. زينب الخضيري: الريادة اليوم فتميل إلى التأثير التفاعلي.
· د. عبدالمحسن الحقيل : لم يعد هناك رواد بالمعنى الثقافي.
· عبدالواحد الأنصاري: الرواد في الأدب اختُزلوا في الطبقة التي احتفى بها النقاد.
· كفى عسيري: الريادة تتمثل في الأسبقية بالحضور عند البعض وليس بتميز التجربة.
أحوال المعرفة: خاص
يشكّلُ مفهوم الريادة الأدبية والفنية، جانبًا مهمًّا من جوانب المشهد الثقافي ، بل إن كلمة ( الريادة) نفسها تنطبق على مختلف المجالات العلمية والفكرية والوطنية ولا تقتصر على ما هو أدبي أو فني فحسب، وقد برزت في المملكة العربية السعودية شخصيات رائدة في مختلف المجالات قبل تأسيس المملكة وبعد تأسيسها، فحلقت أسماء كثيرة في الشعر والأدب والرواية والفنون والعلوم وغيرها، ومع تحولات المشهد الثقافي وتطور النهضة في المملكة من جيل إلى آخر ، ومع تعدد الأجيال الأدبية السعودية وانتشارها في زمن الميدياهل اختفت الريادة الكبرى وتراجع حضور الرواد في الأدب والفن؟ عطفا على وجود رواد وشخصيات معروفة في الأجيال السابقة؟وأن الريادات تظهر وتتجدد في كل جيل؟ أم أن مفهوم الريادة القديم نفسه تغير وتطور؟
وتحدث لأحوال لمعرفة عدد من الأديبات والأدباء، حيث رأى الكاتب والقاص محمد منصور الشقحاء – وهو أحد رواد القصة القصيرة بالمملكة- أن الريادة لم تختفِ، والحكم هنا يحسب بالعمر، وهم اليوم شهود عصر تقوده وزارة الثقافة السعودية عبر هيئاتها ووثائقها الالكترونية ومنصة الشريك الأدبي، بينما الأجيال التي قبلها شريك في الميديا بكتابه الورقي: إبداعًا ودراسات عبر ساحة ثقافية متحركة ونابضة بالحياة .
وأوضح الشقحاء: أن مفهوم الريادة القديم مايزال هو نفسه، وتطوره اليوم بمثابة حركة غير منتظمة تعيش فوضى أهداف أحادية البعض، وهم كثرٌ، وغير معنيون بها .
سرعة رقمية:
وتقول أ.د.زكيّة بنت محمّد العتيبي الأديبة والأكاديمية السعودية :
في الأجيال السابقة، كانت الريادة ترتبط غالبًا بأسماء بعينها يفرضها الإعلام في ظل محدودية النشر وقلة الدوائر الثقافية؛ لذلك كان حضور الرائد أكثر رسوخًا واستقرارًا في الأذهان.
أما اليوم، فقد تغيّرت شروط التلقي والإنتاج معًا؛ فاتّسعت مساحات النشر، وتكاثرت الأصوات، وتفككت المركزيات، وأصبحت الثقافة تتحرك بسرعة رقمية لا تسمح ببقاء الريادة لفترة زمنية طويلة كما كان في السابق. ومن ثمّ لم تعد الريادة تعني السبق الزمني وحده، بل أصبحت مرتبطة بالقدرة على إنتاج خطاب نوعي مؤثر وخلق أثر معرفي يتجاوز اللحظة العابرة.
وتضيف الدكتورة زكية العتيبي: لم تتراجع الريادة – من وجهة نظري – بل تغيّر معيارها؛ فهي اليوم أقل صخبًا وأكثر تعقيدًا.
كما أن الميديا نفسها لعبت دورًا مزدوجًا؛ فقد منحت فرصًا أوسع للظهور، لكنها في المقابل ساهمت في تسطيح بعض التجارب وتسريع استهلاكها، مما جعل التمييز بين الانتشار والريادة ضرورة نقدية ملحّة.
لذلك يمكن القول إننا لا نعيش غياب الريادة، بل نعيش تحولًا في بنيتها وتعريفها ووظيفتها. وعليه، لا أرى أن الريادة قد اختفت بقدر ما أرى أنها تحوّلت من المركزية إلى التعددية.
وفي كلمة واحدة موجزة قال الدكتور عبدالمحسن القحطاني: " مفهوم الريادة القديم نفسه تغير وتطور"
تفكك الريادة:
وتحدثت الناقد والروائية د. زينب الخضيري بالقول: السؤال لا يتعلّق بالأسماء بقدر ما يتعلّق بالبنية الثقافية التي تُنتج هذه الأسماء.
وأضافت: في الأجيال السابقة، كانت الريادة ترتبط بندرة المنبر وضيق المساحة، فلم تكن الصحف كثيرة، ولا دور النشر متاحة للجميع، ولا المنصات مفتوحة بلا حراس. لذلك كان ظهور اسم واحد لامع يعني بالضرورة فراغاً حوله، فالندرة تصنع الهالة، ولهذا بقيت أسماء مثل غازي القصيبي وعبدالله الغذامي وتركي الحمد حاضرة بوصفها علامات فارقة لا لأنهم وحدهم كتبوا، بل لأن المشهد كان أقل ازدحاماً وأكثر مركزية، أما اليوم فتغيّرت البنية الاجتماعية والثقافية حيث أصبحت المنصات مفتوحة، والكتابة لم تعد تمرّ عبر بوابة واحدة، ففي زمن إكس وإنستغرام وتيك توك لم يعد الصوت ينتظر اعتراف المؤسسة، بل يصنع جمهوره مباشرة، هنا لم تختفِ الريادة، لكنها تفككت و لم تعد رأساً واحداً في قمة هرم، بل شبكات متعددة التأثير.الريادة القديمة كانت تقوم على السبق الزمني والاختراق الثقافي: أول رواية، أول طرح نقدي، أول مواجهة فكرية، أما الريادة اليوم فتميل إلى التأثير التفاعلي: من يصنع موجة؟ من يغيّر ذائقة؟ من يحرك نقاشاً عاماً ؟
واستدركت الدكتورة زينب الخضيري مبينة الفارق بين الرواد والجيل الجديد حيث ذكرت : لكن ثمة فارق دقيق: الرواد السابقون كانوا يكتبون في سياق صراع وجودي مع المجتمع أو السلطة أو المؤسسة،أما الجيل الجديد فيكتب في سياق تنافسي مع الخوارزميات، هناك من كان يواجه المنع، واليوم يواجه النسيان السريع، في الماضي كان الخطر أن تُقصى، واليوم الخطر أن تُستهلك بسرعة..!
وتساءلت الدكتورة زينب الخضيري:
إذن، هل تراجع حضور الرواد؟ لا بالمعنى القيمي فأعمالهم باقية لأنها تأسيسية لكن حضورهم الرمزي لم يعد يحتكر المشهد لأن المشهد نفسه لم يعد مركزياً، فتعدد الأجيال لا يلغي الريادة، بل يعيد توزيعها... ربما الأصح أن نقول: لم يتغير حجم الموهبة، بل تغير تعريف الريادة، فمن كان يُرى قمةً ثابتة، أصبح اليوم أحد محاور شبكة واسعة، الريادة لم تختفِ.. هي فقط لم تعد عرشاً، بل صارت فعلًا مستمراً لإعادة التأثير في زمن سريع التحول.
واختتمت بالقول:
السؤال الأعمق الآن: هل نبحث عن رموز كبرى لأننا نحتاج يقيناً ثقافياً، أم لأننا لم نعتد بعد على مشهد بلا مركز واحد؟
دورات تسويقية:
وأكد الشاعر والناقد د. عبدالمحسن الحقيل على أنه لم يعد هناك رواد بالمعنى الثقافي ربما وجدت ابن ثلاثين يقود مؤسسة فيها الآلاف ممن يزعمون أنهم مثقفون إذن هو رائد.
وأضاف: نعم في الأجيال السابقة كان هناك احترام للمنجز الثقافي فأنا كنت أقف أمام عبد الله الزيد - رحمه الله - ورأسي للأسفل لا أرفعه.
اليوم - دون ذكر أسماء- يحضر بعض مبدعي جيل الثمانينات وهو الجيل الذهبي في الشعر السعودي لكن يحضرون على استحياء لأن الحل والربط والتقدير والقياس والقرار بيد الشباب.
هذا ما رأيته رغم أني شبه منقطع ، نعم ربما أنا غاضب لكنه غضب شخصي لا يعني أحدا غيري.
ويرى الأديب والقاص عبدالواحد الأنصاري أن الرواد في الأدب اختُزلوا في الطبقة التي احتفى بها النقاد.
فأصبح الأديب المميز هو من يخرج من تحت عباءة ناقد حداثي أو ما بعد حداثي، أو من تتوّجُه المبيعات أو الجوائز، وهذا يجعل لكل دورة تسويقية نجومها وفق ذاكرة مؤقتة قصيرة المدى، وهذا يتلاءم مع نمط الأزياء والصيحات والماركات التي لا تكتسب أي منها مفهوم الريادة أو الخلود، ويبقى رصد الريادة محصورًا في الأسبقية الزمنية ومرصودًا في الأنطولوجيات والببلوغرافيات.
واختتم الأنصاري: نتطلع إلى وسط ثقافي يتلاقح وتتم مناقشة الأفكار فيه وتعريضها للضوء والنقد والتمحيص والمساءلة، لأن الريادة بلا مقومات البقاء تتحول إلى مجرد أحداث لا يتم التمييز بينها إلا بالأسبقية، فيكون السؤال عنها: متى، وليس: ماذا وكيف؟؟
أنواع الريادة:
وتحدثت الأديبة والقاصة كفى عسيري بالقول : لا نستطيع الجزم باختفاء الريادة بالكلية ، وإن كنت أرى أن الريادة تتمثل في الأسبقية بالحضور عند البعض وليس بتميز التجربة مع ذلك بقي من بقي ورحل من رحل باختلاف تجاربهم.
وقسمت كفى عسيري الريادة إلى أربعة أنواع حيث أكدت على أن الريادة باقية بمفهومها القديم ولكن حضورها من عدمه على عدة أنواع:
النوع الأول: من اختار الإنزواء أو القطيعة بينه وبين مجايليه ومن عقبه من الجيل الجديد، وبقي مرتبطا بالحالة الإبداعية.
النوع الثاني: من قطع المشروع بالكامل واختفى أو نشط في جانب آخر غير الأدب والفن .
النوع الثالث: الذي لم يستطع التكيف مع القوالب الثقافية الجديدة بصورها المتعددة سواء: المؤسسات الحديثة ، أو وسائل التواصل الحديثة ، أو الاتساع الجغرافي الثقافي لذلك بقي محبوسا في زمنه وبين أداوته محاولا الاستمرارية.
النوع الرابع: المتجدد والمواكب لأي تحديث للحالة الثقافية وأدواتها وبالتالي هو مستمر في الحضور على كافة الأصعدة.

