المؤرخ السعودي وتعزيز القيم الوطنية
أ.د/ خالد بن عبدالكريم البكر(*)
يُنظر عادة إلى " المؤرخ" على أنه الحفيظ على الماضي البشري، البصير بتحولاته وصيرورته وهذا الاستحفاظ والاستبصار إنما يتحقق في ما يكتبه المؤرخ من بحوث ودراسات في تاريخ أمته أو في تاريخ غيرها من الأمم والجماعات، يكتشف فيها فكرة جديدة أو يدفع فكرة خاطئة فيصحح وينقح ويُقاربُ الحوادث التاريخية بأدواته العلمية والمنهجية.
ذاك هو الواجب الأصلي للمؤرخ ولا شك، لكنه ليس واجبًا تامًّا كاملًا فالاعتقاد بأن المؤرخ هو من ينغمس في الماضي لأجل الماضي فحسب ، وينقطع إليه انقطاعًا تامًّا يفصله عن متطلبات حاضره وتطلعات مستقبله إنما هو اعتقادٌ يصح إطلاقه على ( المؤرخ السارد ومن في حكمه من الرواة) الذين يصنع لهم التاريخ كينونتهم الثقافية ، لكنه لا يستقيم وعمل ( المؤرخ المفكر) الذي يصنع بنفسه كينونته الثقافية من التاريخ، فهذا يُنتظر منه المشاركة الفاعلة في تعزيز قيم الولاء والانتماء لأرضه، وفي بناء وعيه المجتمعي أعني المؤرخ المفكر، من يربطُ ربطًا متسقًا بين خطوط الزمن الثلاثة ( الماضي والحاضر والمستقبل) وهو من يبحث في ( ما كان) وينظر في (ما يكون) ويتأمل ( ما سيكون) . تلكم هي مهمته العملية والفكرية وفي ثناياها مسؤوليته المجتمعية التي تنطلق عادة من مسؤوليته الوطنية وتجلياتها في استيعابه للحقوق التاريخية لبلده على كامل أرضه، وغرس هذه المفاهيم الحقوقية في أذهان النابتة من الأجيال لتكون بمثابة خط الدفاع الأول في حراسة الوطن، وبموازاة هذه المفاهيم الحقوقية يُعنى المؤرخ بالتاريخ الوطني لبلاده وإظهار عراقته وإشراقاته في مراحل التكوين والازدهار ، يستطيع المؤرخ المفكر حين يقف على هذا الصعيد أن يستنطق عبقرية الأرض وأن يقرأ بطولة المكان بصوتٍ عالٍ ، وأن يظهر شخصيتها التاريخية المتفردة عبر مراحل زمنية متعاقبة ، هذا عمل المؤرخ فوق كل أرض فكيف إذا كانت أرضه هي بلاد الحرمين الشريفين حماها الله ، حيث كانت ولا زالت رائدة في بناء الأمة ، قائدة في توجيه مسيرتها مؤثرة في محيطها الإقليمي والعالمي ، ومثل هذا الطرح التاريخي الموثق من شأنه تحفيز ساكنة هذه الأرض المباركة على التسامي وملامسة السحاب ومعانقة المجد وقد فعلوا ذلك غير مرة في تاريخهم الوضّاء.
ووجه آخر من وجوه مسؤولية المؤرخ المجتمعية وهو تعزيز السلم الاجتماعي بين فئات المجتمع وعناصره ومكوناته، فهو يعي مفهوم ( الفتنة) وقد وقف على حالات متنوعة من الفتن عبر التاريخ ورصد انبعاث غيومها الداكنة ومراحل تشكّلها، ورأى كيف خبطت المجتمعات المستقرة خبط عشواء، فتركت حليمهم حيرانًا وفتنتهم فتونا، هنا يستطيع المفكر أن يعزز الوعي المجتمعي ضد هذه الآفة المدمرة فيستدعي المثل التاريخي ، ويقيس الشاهد بالغائب، ويضع الأشباه بجوار نظائرها حتى يرتفع بالعقل الجمعي إلى درجة من الحصانة والوقاية ، تحوطه من الانزلاق إلى دركات الردى وتعصمه من مثيري الفتن أينما كانوا فيغدو فاعلًا لا منفعلًا ، مؤثرًا لا متأثرًا .
وللمؤرخ المفكر نصيب معلومٌ في محاربة الإرهاب بفكره ولسانه وقلمه، فلطالما اتكأت الحركات الإرهابية على مفاهيم تاريخية مغلوطة ترجو بذلك شرعنة مواقفها وتأصيلها تاريخيًّا ولذا تقع على كاهله مهمة تفكيك هذا الفهم الخاطئ لمواقف تاريخية معينة، وكشف عواره بالحجة الدامغة بالكلمة الهادية وتلك هي إحدى ركائز ( الأمن الفكري) .
وغني عن البيان أن المؤرخ الحصيف لا تنتهي حصافته عند إطفاء الحرائق الفكرية ولا تقتصر مهمته على تنبيه العاقل وتذكير الغافل ، وإنما يقارب بخطوه خطى المجتمع ، فهو إن بقي خلفهم لبعض الوقت موثّقًا لآثارهم ومسيرتهم فإنه أيضا يمشي بين أيديهم ويتقدمهم أحيانا مرتادًا لنفسه ولمجتمعه آفاقًا ذهنية جديدة، ويتحقق له هذا في ( مفهوم البطولة والأبطال) وما أضافوه لأممهم من مكاسب ومنافع ، وليس شرطًا هنا أن يكون البطل فارسًا مناضلًا عن أرضه ، فهذا وإن كان ذو قيمة وفضيلة لها خطرٌ وأثر إلا أن هناك ألوانًا أخرى من البطولة يبصرها المؤرخون ويُرشدون إلى مسالكها ذوي الهمم العالية ، إذ ربما يكون البطل عالمًا أو طبيبًا أو مخترعًا سعدتْ بهم أوطانهم ومجتمعاتهم، ويتصل بهذا

