تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

عبر روايات العنف والأقلية .. كيف حدد الدكتور سعد البازعي مصائر الرواية ؟

عبر روايات العنف والأقلية .. كيف حدد الدكتور سعد البازعي مصائر الرواية ؟

يُبرزُ الدكتور سعد البازعي في كتابه:" مصائر الرواية " الدور الذي تلعبه الرواية في عالم اليوم ، والتي تمتد من مرحلة الطفولة حيث متعة الإنصات لحكايات الجدات والأمهات، إلى المراحل الأخرى التي نصبح فيها أسرى لتوالي الأحداث مأخوذين بحيل التشويق والمفاجآت، وأحيانا بالعجائب وشطحات الخيال عند الروائيين، ليس في الخيال العلمي وحده، أو الواقعية السحرية وحدها، وإنما حتى في ألوان القص اللصيق بالواقع. 

في ظلال هذا الوعي يقدم الدكتور البازعي رؤيته النقدية حول انشغال الروائيين بقضايا مثل: العنف والأقليات، والتعبير عن المجتمعات وغيرها،  فيتناول عشرين رواية في كتابه الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. 

ويرى الدكتور البازعي أن قضايا العنف والأقليات من القضايا التي تقتضي مقاربتها السردية ليس مهارة فنية فحسب، وإنما وعيًا بتلك الخطوط : أنواعها ودرجاتها وتداخلاتها، هنا تكتسب مفردة " مصائر" دلالة مختلفة وأكثر مباشرة حين تشير إلى مخاطر السرد. 

ومن هنا تم تقسيم الكتاب إلى أربعة أقسام تتمثل في : رواية العنف ، رواية الأقلية، الفكر الروائي، الرواية المترجمة. 

وفي كل قسم من هذه الأقسام إضاءات بازغة تبرز عددا من القضايا الروائية، التي أبرزها المؤلف في مقالات كتابه التي كانت قد نشرت من قبل، ووثقها في هذا الكتاب بعنوان:" مصائر الرواية" . 

 

رواية العنف: 

في هذا القسم يقدم د. البازعي مدخلا أوليًّا لمفهوم العنف ويرى أن العنف ظاهرة ملازمة للوجود البشري، رغم ذلك فقد تحول العنف إلى ظاهرة مدروسة في العقود الأخيرة، وتناولت الدراسات من بين ما تناولت علاقة العنف بالأدب سواء كان العنف في شكل إرهاب أو في أشكاله الأقدم كالحروب والجريمة، ويرى د. البازعي أن العنف كان حاضرا دائما في الشعر والتشكيل والأدب والسينما بل والموسيقى، على اعتبار أن الأدب حالة تفاعل فردي لغوي مع ظواهر الحياة والمجتمع ومن بينها: العنف. 

وهنا يقوم د. البازعي بالنظر في التناول السردي للعنف من خلال مجموعة من الروايات الصادرة في السنوات الأخيرة التي فازت بجوائز متعددة، من خلال كيفية تمثلها للعنف ، وهذه الروايات هي: " طائر أزرق نادر يحلق معي" للمغربي يوسف فاضل، و" حامل الوردة الأرجوانية" لأنطوان الدويهي و" غراميات شارع الأعشى" لبدرية البشر، و" فرانكشتاين في بغداد " لأحمد سعداوي ،و" الطلياني" لشكري المبخوت و"زيارة سجى" لأميمة الخميس و" سماء قريبة من بيتنا" لشهلا العجيلي و" مصائر"  لربعي المدهون و" حرب الكلب الثانية"  لإبراهيم نصرالله.  

ويحترز د. البازعي في توصيف الروايات التي تناولت العنف بالقول:" إلى جانب اختلاف درجات العنف أو كثافته في تلك الأعمال فإن هناك فوارق هي الأهم : فوارق في نوع العنف ومصادره وآثاره، ولا شك أن تلك الأعمال مؤشر على الأوضاع الاجتماعية التي يمر بها العالم العربي " / ص 29 

على أن من المهم في تناول موضوع العنف " ألا يضيع الأإبداع الروائي ، حرفية الفن وجماليات السرد، في معمعمة الانشغال بتأمل العنف ودلالاته وأنواعه ودرجاته" / ص 30 

واستهل د. البازعي رؤيته للعنف في الرواية برواية:" طائر أزرق يحلق معي" للروائي المغربي يوسف فاضل، وخلص إلى أن الرواية ترسم عاما من العنف بنوعيه السياسي والاجتماعي ، " فالعنف يتواصل على مدى فصول الرواية ... ولأن الروائي على ما يبدو يدرك أنه يقارب موضوعا حساسا من ناحية ولكنه موضوع من السهل ، من ناحية أخرى، أن يأخذ بتلابيب القارئ بعيدا عن الجوانب الفنية من السرد" / ص 33 

رواية الأقلية:

في القسم الخاص برواية الأقلية يحدد د. البازعي بدءا معنى الأقلية، ويرى أن تحديدها في أي مجتمع أمر نسبي : الأقلية ليست دائما بالعدد وإنما هي أيضا بالقوة والتأثير، كما أن العدد الذي يكون أقلية في مكان قد يكون أكثرية في مكان آخر وهكذا" / ص 87 

ويتناول الكتاب مجموعة من الروايات التي يرى المؤلف أنها تعبر بشكل أو بآخر عما يسميه ب: رواية الأقلية، وهي حسب ترتيبها في الكتاب: 

" كتاب خالد" لأمين الريحاني، و" أوسترلتز" و.ج. زيبالد و" فرانكشتاين في بغداد" لأحمد سعداوي ليعالجها مرة ثانية من زاوية رواية الأقلية، و" الإسكندرية في غيمة" لإبراهيم عبدالمجيد و" فهرس" لسنان أنطون،  و" في حضرة العنقاء والخل الوفي" لإسماعيل فهد إسماعيل، و" طشاري" لإنعام كجه جي و" باب الطباشير" لأحمد سعداوي، و" المتهمن" لإليف شفق، و" تغريبة العبدي" لعبدالرحمن لحبيبي و" موت صغير" لمحمد حسن علوان. 

ويتناول القسم الثالث تحت عنوان: "الفكر الروائي" :  الرواية والفلسفة ، والرواية بين الرؤية والأيديولوجيا، وصورة المثقف في الواية العربية، والتكيف الروائي حسب أورهان باموق، أما في القسم الرابع فيتناول رواية :" سيدات القمر" للكاتبة العمانية جوخة الحارثي الفائزة بجائزة المان بوكر البريطانية التي تُمنح عالميًّا لرواية مترجمة إلى الإنجليزية. 

ويتحدث د. البازعي عن رواية سيدات القمر فيقول: " إننا أمام عمل احترافي من حيث قصدية الإبداع السردي، فواضح منذ البدء أن الكاتبة لم ترد أن تحكي قصة تشدنا أحداثها فحسب، وإنما أيضا أن تحكي قصة تشدنا كيفية سرد تلك الأحداث، وهذا شرط أساسي في أي عمل أدبي ينشد الأدبية... إلى جانب ذلك تؤرخ الرواية لحاضر عمان، أو تصفه إن شئت: طموحات أبنائه وبناته، وجوه المعاناة تجاه الثقافة المحلية والثقافة القادمة، وما يشوب ذلك من نجاحات ومآس، جماليات وقبح، هي من طبيعة الاجتماع الإنساني حيثما وأينما كان، إلى جانب ذلك سيدهش القارئ لتداخل الموروث الشعبي وعلى نحو مكثف بالأحداث والأشخاص : المعتقدات والعادات والممارسات الجميلة والحميمة إلى جانب العنيفة والشديدة القسوة" / ص ص. 214-215 

ويرصد د. البازعي عدة ملاحظات على ترجمة الرواية للإنجليزية، منها تغيير عنوان الرواية من " سيدات القمر " إلى   Celestial Bodies  " أجرام سماوية" ويتساءل د. البازعي : هل يحمل العنوان الأجنبي الإيحاءات نفسها التي يحملها العنوان العربي؟ يستحيل ذلك بالطبع، لأن المسألة ليست مسألة مطابقة وإنما مقاربة أو اقتراب" / ص 226 

كما يلحظ أن هناك إضافات لافتة على الرواية منها: وضع عناوين للفصول بأسماء الشخصيات المتحدثة، مثل: عبدالله، ظريفة، أمومة، أزواج، ولاشك أن هدف المترجمة – فيما يرى د. البازعي – مساعدة القارئ الأجنبي على المتابعة ووضوح الصورة. 

إن كتاب:" مصائر الرواية" يضعنا حيال جملة من الروايات العربية المتعددة الرؤى، عبر قراءات نقدية مكثفة تصبو إلى الكشف عن جملة من القضايا في روايات تتحلى بالتقنية العالية والأداء السردي الرفيع الذي يشف عن انشغال بمصائر الإنسان حيث تلتحم تلك المصائر بمصائر السرد نفسه. 

 

عبر روايات العنف والأقلية .. كيف حدد الدكتور سعد البازعي مصائر الرواية ؟
Ehsan Logo