فن النحت في السعودية (الحاضر الغائب)
بقلم: سامي جريدي
تحاول بعض الفنون أن تنسج لها مخيلاً لها في هذا الوجود بينما يحاول بعضها أن ينسخ الواقع تصويرا للعدم، وبين هذه الرؤيتين يجيء فن النحت بأساليبه ورؤاه نسجاً ونسخاً عبر ذهنية بصرية جديدة للواقع. وفن النحت كما يعرفه أحد الباحثين هو "إخراج الكتلة النحتية بأبعادها الثالثة، أي معالجة الكتلة من جميع زواياها لتأخذ حيزا دائماً أو مؤقتاً في الفراغ"، وهو تعريف لا أراه تعريفاً نهائياً أو ثابتاً لمفهوم النحتية في الشكل، وجعله مفتوحاً على كثير من النحت المتغير لأن الفن المعاصر قام بكسر الرتابة الرؤى والأفكار التي تؤيد فلسفة النحت المستقبلي، لا النحت المحصور على كتلة مصغرة وإنما هو نحت فلسفي لجسد الكون، تلك الكتلة الأكبر. ولقد طرح الناقد (هربرت ريد) فكرة النحت المستقبلي فيما أسماه الفنان (بوتشيوني) بالتخطي الفيزيائي؛ أي ما ينبغي على النحت أن يمنح الحياة للأشياء بوساطة نظام من التداخلات، حيث تقوم فلسفته على أن الأشياء لا تولد في عزلة وإنما تقطع وتقسم الفضاء المحيط بها بزخرفية الانحناءات الموجهة؛ أي أنها نظام بصري يكشف عن الشكل الإنساني. والفلسفة النحتية بطبيعتها تمتحن المخيلة البشرية، حيث تغيب في اللاوعي تصورات الواقع، ليغدو الجنوح مفتاحاً لقول المحال عبر كتلة ويسترق روحها الفنان عبر مادية الخامة، قد تكون الأشكال النحتية صامتة. فليس الشكل المنحوت إلا إعادة شكلانية لنماذج حية يسرق مشابهه للحقيقة، وقد تكون مقاربة لها إلى حد أنها هي، وفي مرات أصعب تكون إلغاء لها. وهنا تكمن خطورة النحت ال في مشابهته فقط وإنما في الإلغاء، حيث الإلغاء/العمق، لا المشابهة القصد التي هي نسخ للمرئي. ومن طرق وأساليب النحت: الحفر المباشر. والتشكيل الذي هو إضافة المادة للوصول إلى شكل نهائي؛ أي أنه بناء من الداخل نحو الخارج للشكل النحتي . وهناك النحت الإنشائي والصب .ومن يتأمل الأعمال النحتية في السعودية سوف يلاحظ الهيمنة التجريدية للشكل، التي هي نوع من الهروب البصري للمواجهة وتجسيدها. وهذه المسألة الأخيرة يمكن اعتبارها سبباً من أسباب ضعف وقلة الاشتغال النحتي في السعودية. وفي الواقع أن ليس هناك نشأة واضحة لهذا النوع من الفنون في السعودية، كي يتسنى لنا أن نربطه بتاريخ معين أو محدد، لكن هناك تراكمات بصرية تنقسم إلى قسمين الأولى: تتعلق بالمشاهدة البصرية اليومية للبيئة البكر التي ينتمي إليها الفنان من مشاهداته للبيوت الطينية والحجرية، وبيوت سعف النخيل، وللقلاع والحصون في مدن مختلفة من مناطق السعودية، وللمباني التاريخية والأثرية كمدائن صالح والعلا وغيرها، إضافة إلى ذلك الكتابات والرسوم على الأواني الغائرة والبارزة، وفي الزخارف والنتوءات والالتواءات للأشياء، وفي قطع الحديد المفرغة والحديد الصدىء والمصفح، والأخشاب في مباني الرواشن الحجازية، هذه وغيرها كانت من العوامل البيئية التي ّساعدت وأثرت في تشكيل شخصية النحات السعودي. والثانية: التأثير المدرسي، والتي بدأت بعد ظهور الممارسة الفعلية للفن التشكيلي في المدارس والتعليم النظامي وتلقيه كنشاط فني يمارس من ضمن الأشغال الفنية دون أن يكون مستقلا عن غيره. ومن الفنانين السعوديين الذين لهم بصمتهم النحتية الفنان ضياء عزيز، حيث أستطاع أن يقوم بعدد من الأعمال النحتية محليا وعالميا، والتي منها على سبيل التمثيل ال الحصر مجسم السالم الذي قام بتمويله الأمير فيصل بن عبدالله، وهو مجسم من البرونز نصب أمام نادي الفروسية بجدة، كما نفذ مجسم الصخرة، وهو المقام حاليا أمام مجمع الحرس الوطني بجدة، كما قام أيضا بعمل مجسماً لمركز التدريب الخاص بالحرس الوطني بطريق مكة المكرمة، وله عمله النحتي التركيبي بوابة مكة يقع ما بين جدة ومكة والذي أخذ في شكله البنائي المصحف الشريف. وسوف أذكر هنا على سبيل التمثيل لا الحصر عدداً من الفنانين السعوديين الذين اشتغلوا على فن النحت، جمع أكثرهم ما بين الرسم والنحت، منهم: عبدالحليم رضوي، ومحمد السليم، عبدالله العبد اللطيف، ضياء عزيز ضياء، كمال المعلم، علي الطخيس، نبيل نجدي، بكر شيخون، صديق واصل، أحمد الدحيم، محمد الثقفي، سعود الدريبي، حمدان محارب، منصور جان، فهد الأزوري، هاشم سلطان، صالح الزاير، أحمد البار، سامي البار، عبدالحميد الطخيس، محمد الفارس، طلال الطخيس، عبدالعزيز الرويضان، زكي نواوي، عادل خيمي، عبدالرحمن العجلان، عمار سعيد، سلطان نانيه،، وآخرين. ومن الفنانات النحاتات على سبيل التمثيل ال الحصر: مهديه آل طالب، وهيا الرشود، وسناء عباس، عبير الفتني، خلود البقمي، نهى الشريف، منال الضويان، سوزان الصايغ، منال الحربي. وهؤلاء جميعاً من نحاتين ونحاتات تنوعت طبيعة استخداماتهم لخامات ومواد فكرة العمل النحتي، فمثال يلاحظ أن هناك من اشتغل على الخزف، وهناك من اشتغل على الخشب، وهناك من قام بصب القوالب وتفريغها ضمن خامات برونز، ومنهم من جعل الحديد خامة لفكرته النحتية، وهناك من الفنانين من قام بصهر مجسمات وأشكالا بلاستيكية. ومنهم من اشتغل على الطين والصلصال، وهناك من حصر اهتمامه بنحت الأحجار بأنواعها، ونحت الرخام بنوعيه الطبيعي والصناعي. ّ وهذا التنوع من خلال هذه التعددية في استخدام المواد والخامات من شأنه أن يعطي لهذا الفن حريته في احتضان الأفكار والتعبير عن حساسية الفنان تجاه الواقع الأمر الذي جعل كثير من الأفكار النحتية هي أعمال مفاهيمية عند كثير من الفنانين سواء أكان ذلك بوعي أو بدون وعي. وقد ارتبط فن النحت في تحولاته المعاصرة بكثير من الأفكار والرؤى كاللعب على أبعاد الحيز والفراغ والمغلق والمفتوح في الفضاء المكاني، بعد أن كان محصوراً على حيز الكتلة المصغرة، وهي أبعاد لا يمكن حصرها فقط في فن النحت الحديث وإنما تنتمي في حقيقتها إلى فنون ما بعد الحداثة والمفاهيمية وفن ما بعد المنحوتة.

