تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

زهرات اللوتس .. تتفتح فوق الصحن النبوي الشريف

زهرات اللوتس .. تتفتح فوق الصحن النبوي الشريف

بقلم: سعيد نوح


تمدنا كتب الأولين وقصصهم المليئة بالتفاصيل بالفهم والبصيرة النافذة لكي نميز ونلتقط الخيط الأول الذي بدأت به هجرة الرسول «صلى الله عليه وسلم» من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، حيث كان أول عمل قام به هو بناء المسجد، وكان هذا المسجد في غاية البساطة، جدره من الطين اللبن وسقفه من الجريد وعمده من جذوع النخل.

وبعد انقضاء عصر الخلفاء الراشدين الذين مالوا أكثر للتقشف، ربما كنوع من البساطة والبعد عن المظاهر الدنيوية وربما لأن الدولة الإسلامية كانت منشغلة بالفتوحات وبناء الدولة، ثم أتى عصر تفنن فيه المسلمون بعد ذلك بسنوات طويلة في إقامة المساجد وزخرفتها، فصارت العمارة الإسلامية لها طابعها الخاص ُّ المميِّز يمازج بين التصميم الجمالي وقوة البناء.ومن عظمة العمارة الاسلامية وتكاملها أنها لم تغفل عامل الجمال كقيمة مهم َّ ة في حياة الإنسان؛ فقد تعاملت معه من منطلق أن الإحساس بالجمال والميل نحوه مسألة فطرية متأص ِّ لة في أعماق النفس الإنسانية السوية، تلك التي تحب ُّ الجمال وتنجذب إلى كل ما هو جميل، وتنفر من القبح، وتنأى عن كل ما هو قبيح. 

لقد مر المسجد النبوي بمراحل من التجديدات والتعمير كان خلالها القائمون بالعمارة يحاولون المحافظة على المعالم التقليدية التي ترجع إلى أيام النبي «صلى الله عليه وسلم» وعهود الخلفاء الراشدين وعدم تغييرها تمسكا بالسنة النبوية الشريفة وفي نفس الوقت كانوا حريصين على تزويد المسجد بأحدث ما وصل إليه فن العمارة في عصورهم رغبة منهم في إضفاء أكثر ما يمكن من مظاهر الجمال المعماري

والإبداع الفني على المسجد، فقد ظل المسجد النبوي رغم العمارة الكبيرة التي أجريت عليه محتفظاً بطرازه المعماري القديم وبمعالمه وحدوده دون تغيير إلى أن اجتاحه حريق مروع عام 654 هـ «1256م» حدث هذا الحريق ليلة الجمعة أول رمضان حيث امتدت النار إلى أنحاء المسجد كله، ولم ينج من النار سوى القبة التي كان قد أقامها الناصر لدين الله بصحن المسجد وكان بها المصحف العثماني ، وتم بناؤه.

وقد حدث حريق آخر في عهد الملك الأشرف قايتباي سلطان مصر في آخر ليلة الثالث عشر من رمضان عام 886 هـ، وذلك على إثر صاعقة انقضت من السماء ونزلت على المئذنة الرئيسية في الركن الجنوبي الشرقي من المسجد، ثم انتقلت إلى سقف المسجد ثم مختلف أجزائه، وكان نتيجة ذلك أن تصدعت جدران المسجد وبعض مآذنه وتحطمت معظم أعمدته واحترقت المقصورة والمنبر، وما أن وصل خبر هذا الحريق إلى مصر حتى سارع السلطان قايتباي إلى تدبير أمر عمارة الحرم النبوي من جديد، وكان قايتباي محباً للبناء والتشييد ، ولا سيما المساجد والمؤسسات الدينية. واعتنى قايتباي بصفة خاصة بعمارة المساجد الثلاثة التي يشد إلى ها الرحال، فأرسل مجموعة من المهندسين والعمال المتمرسين وكلفهم ببناء الحرم النبوي كأحسن ما يكون البناء، وأمرهم بأن يزودوه بالفخامة المعمارية والفنية التي تليق بمقام المسجد العظيم. وقد أخذ العمال الأحجار والأعمدة من هضاب وادي العقيق ونقلوها على عربات إلى الحرم النبوي بعد أن مهدوا لذلك طريقا للعربات يمتد من المحاجر إلى المسجد؛ وحتى لا تتعطل الصلاة في المسجد أخذوا يعمرون المسجد جزءاً بعد جزء حتى تمت عمارة المسجد كله من جديد فأصبح من أعظم الأبنية في ذلك الزمان، حتى قيل إن السلطان قايتباي أنفق على بنائه نحو مائة ألف ألف دينار؛ كما أنشأ مدرسة مطلة على الحرم النبوي الشريف، وظل الحرم النبوي الشريف موضع عناية سلاطين مصر، غير أن الحرم النبوي الشريف بقي بعد قايتباي قرابة أربعة قرون دون أن تجري به عمارة كبيرة إلى أن كان عهد السلطان عبدالمجيد العثماني فأمر بتعميره عام 1265 هـ / 1848 م.

 أما العمارة الكبيرة والتوسعة العظيمة للمسجد النبوي ومن قبله المسجد الحرام فقد تمت في عهد الدولة السعودية الحديثة ومرت بمراحل عدة، منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه ثم عهد الملوك سعود وفيصل وخالد رحمهم الله إلى أكبر توسعة شهدها المسجد الحرام والمسجد النبوي في عهد الملك فهد والملك عبدالله رحمهما الله ،إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله الذي وجه باستكمال توسعة المسجد الحرام والمسجد النبوي ،وأمر يرعاه الله- خلال زيارته للمدينة المنورة في منتصف شهر رمضان 1436 هـ باستكمال مراحله بعد اعتماده مراحل المشروع الثانية والثالثة من الجهة الشرقية والغربية للمسجد الشريف ليستوعب نحو إجمالي 1.8 مليون مصل ِ بعد الانتهاء من كافة مراحل مشروع التوسعة. 

وفي كل تلك التوسعات التي تمت على يد ملوك المملكة العربية السعوية ،تم الحرص على الحفاظ على المظهر الجمالي، وتجديد المحراب النبوي الشريف. قامت الحكومات السعودية بمضاعفة مساحة المسجد عدة مرات وأضافت إلى ساحة المسجد ساحات محيطة بالمسجد وأصبح المسجد حالياً يتسع لأكثر من مليون مصلي في أوقات الذروة كما قامت بزيادة عدد المآذن من أربع إلى عشر مآذن ارتفاع كل منها 104 متراً، وزاد عدد مداخل المسجد إلى ستة عشر مدخلاً رئيسياً  وأربعة عشر مدخلاً فرعياً،حين نفذت مشروعات التوسعات السعودية، لم تغفل حكومة المملكة العربية السعودية البناء القديم للمسجد النبوي فقد أبقت عليه وواصلت اهتمامها به محافظة على تدعيم جميع أعمدة الروضة الشريفة وتكسيتها بالرخام الأبيض الجديد.

كما عمدوا إلى تدعيم جميع أعمدة البناء القديم واستكمال قواعدها النحاسية وعمل أطواق نحاسية حولها على ارتفاع «2.5» متر من الأرض. ثم قاموا بتغطية الواجهات الشرقية والجنوبية والغربية بالجرانيت. كذلك تم إعادة دهانه من الداخل باللون البيج لينسجم مع المظهر الداخلي للتوسعات الحديثة. وقد تم ترميم المنارة الرئيسة ومنارة باب السلام. كذلك تم فتح باب في الزاوية الشرقية الجنوبية سنة 1408هـ وسمي باب البقيع. أيضا تم فتح باب في الرواق القبلي يدخل منه إمام المسجد، كما تدخل منه الجنائز ليصلى عليها كما يستخدم لخروج المصلين وقت الازدحام. وفي عام 1407هـ تم تركيب قناديل وثريات لها من الفخامة والجماليات ما يجعل المسجد تحفة عمرانية شديدة الجمال. كذلك تم إقامة مظلات في صحن المسجد تحمي المصلين من الشمس الحارقة، وهذه المظلات ليست للحماية من الشمس فقط، فهي تحفة جمالية فريدة أقيمت على شكل زهرات اللوتس المتجاورة التي تتفتح في الصباح وتضم وتنغلق في

المساء وساعة التفتح والانغلاق تشكل مشهدا جماليا غير مسبوق كما أن تيجان الأعمدة صنعت من النحاس الأصفر المنقوش والمفرغ بأنواع بديعة من الزخارف المختلفة، وأما قواعد الأعمدة فقد كسيت بالرخام المجذع، وغلب على العمارة اللون الأبيض المطعم بقليل من اللونين الأحمر والأسود.واستخدمت في التوسعة الثانية النقوش والزخارف بأبعاد تحقق التناسق والانسجام مع نظيرتها بالتوسعة الأولى، وذلك لإبراز الدور الجمالي في الفن المعماري الإسلامي، واشتملت أعمال الزخرفة على الحليات والزخارف والكرانيش لتجميل الجدران، وأعمال النحاس المشغول كالمشربيات والشبابيك والدربزينات، والأبواب الخشبية المطعمة بالنحاس، وتيجان الأعمدة، والثريات المطلية بالذهب وشكلت هذه الأعمال الهندسية والتجميلية لوحة هندسية ومعمارية مبهرة وخلابة تزيد بهاء القناديل والثريات الجميلة، وتعد القباب المتحركة بزخارفها ورسومها من المعالم والمنجزات الفنية الرائعة. وأما الغلاف الخارجي للقباب فهو من السيراميك الألماني المثبت على قواعد من الجرانيت الصلب، ويعلو القبة رأس يكون نقطتها العلوية وهو من البرونز المغطى بالذهب.

المنبر:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في المسلمين بمسجده الشريف وهو واقف عند أحد الجذوع التي تحمل السقف متكئا على عصا من خشب «الدوم» ولاحظ المسلمون أن هذا الموقف يشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعبه ، فاقترحوا عليه أن يتخذ شيئاً يجلس عليه ويستريح فوافقهم صلى الله عليه وسلم على ذلك ، وصنع له رجل يدعى «كلابا» كان في خدمة عمه العباس بن عبدالمطلب منبراً من خشب الأثل، يتألف من ثلاث درجات : الأولى والثانية منها لصعوده، والثالثة لجلوسه· وارتفاعه ذراعين وثلاثة أصابع وعرضه ذراع واحد· وكان ذلك في السنة السابعة للهجرة. وبات «المنبر» جزءاً أساسياً من مقومات المسجد الجامع وهو يصنع - في الأغلب - من الخشب وأبدع الفنانون المسلمون في نقش المنابر وزخرفتها، واستخدمت الأخشاب الثمينة في صنعها.

المحراب:

تعارف العلماء على إطلاق كلمة «المحراب» على جدار القبلة، وقد استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة والعنزة في تحديد اتجاه القبلة أثناء الصلاة في الفضاء ولم تعرف الكلمة بمعناها المعروف اليوم إلا بعد أن انتشر الإسلام مشرقاً ومغرباً، وباتت هناك حاجة ملحة لتحديد اتجاه القبلة التي أمر الله تعالى عباده بالاتجاه إلى ها في صلواتهم.

ويروى في هذا الشأن أنه عندما أعاد والي المدينة المنورة عمر بن عبدالعزيز رحمه الله بناء المسجد النبوي الشريف دعا علماء المدينة ورجالاتها لتحديد مكان القبلة في البنيان الجديد قائلاً: تعالوا، احضروا بنيان قبلتكم، لا تقولوا غيَّرَ عمر قبلتنا. وحين بنى عمرو بن العاص مسجده الذي سماه مسجد الفتح في الفسطاط «القاهرة القديمة» شارك ثمانون رجلاً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحديد مكان القبلة.

وبعد أن أصبح المحراب جزءاً أساسياً في عمران المساجد استقر معنى كلمة «المحراب» على أنها تجويف في جدار المسجد باتجاه الكعبة المشرفة، على أن تحديد القبلة كان أول - وأهم - ما وجه بناة المساجد إلى ه في مختلف الأقطار التي دخلت في الإسلام. وتجويف مكان المحراب في الجدار المتجه نحو القبلة فأغلب الظن أن أول من نفذه هو والي المدينة المنورة عمر ابن عبدالعزيز عندما أعاد بناء المسجد النبوي الشريف في خلافة الوليد بن عبدالملك. وقد استأثر «المحراب» باهتمام بناة المساجد من الخلفاء والملوك والسلاطين والأمراء والولاة في سياق عمارة المساجد·

القباب:

عندما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده في المدينة المنورة كان سقفه من السعف المحمول على جذوع النخيل. وظل الحال على ذلك فيما بني من مساجد. ولم تكن القبة قد دخلت بناء المساجد. أما أول قبة بنيت في الإسلام· فهي قبة مسجد الصخرة المشرفة في القدس التي بناها الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان عام 72 هجرية، والتي تعتبر - إلى اليوم - أجمل القباب الإسلامية . والثابت أن القباب باتت -بعد ذلك -جزءاً أساسياً في معظم المساجد مع إعطائها لمسات عربية إسلامية جعلتها تختلف بشكل واضح عن القباب المستخدمة في المعابد غير الإسلامية وفي القصور والدور الكبيرة· في البلاد غير الإسلامية. وقد تفنن المعماريون المسلمون في بناء القباب بأشكال هندسية تلفت الانتباه ، وتعبر عن روح فنية مرهفة. فهناك القباب المستديرة والمضلعة والمؤلفة من دور واحد أو دورين أو أكثر. وهناك القباب ذات الزخارف الدقيقة والأخرى المغطاة بصفائح الذهب أو الرصاص.

المآذن

لم يكن للمسجد النبوي الشريف على عهد الرسول «صلى الله عليه وسلم» مآذن وإنما كان يؤذن من على سطح دار عبدالله بن عمر التي كانت بظهر القبلة وكان سيدنا بلال بن رباح يرتقي ظهر هذا الدار ليؤذن من عليها، ولما جدد الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك المسجد النبوي أمر عامله عمر بن عبدالعزيز أن يبني أربع مآذن بزوايا المسجد الأربعة ولا يوجد بقايا لهذه المآذن حاليا والموجود بالمسجد حاليا عشر مآذن منها خمس أثرية والباقي من تجديدات حكومة المملكة العربية السعودية.

صحن المسجد النبوي

صحن المسجد هو المساحة المكشوفة منه والتي تتصل بحرم المسجد وأروقته وجدرانه الخارجية، وفي كثير من المساجد يضم الصحن مصادر للمياه يتوضأ منها الناس ، وهي - في الأغلب - على شكل «بحيرات» يندفع إلى ها الماء الجارى ، وتشكل - إضافة إلى مهمتها الأساسية - لمسة جمالية على صحن المسجد ،كذلك يستفاد من الصحن في استيعاب المصلين إذا زادوا عن طاقة حرم المسجد وفي المساجد الكبيرة وصحن المسجد النبوي بعد التوسعة الحديثة يعتبر تحفة معمارية عالية الجمال والجلال، فالتوسعة السعودية الأولى كان يوجد صحنان واسعان مفروشان بالرمل الأحمر أو ما يسميان بالحصوتين والقصد منهما تهوية المسجد، ويمر أثناء العام أوقات تشتد فيها البرودة وأوقات تشتد فيها الحرارة ويتأذى بسبب ذلك المصلون أثناء تواجدهم فيهما، لذا فقد تضمنت التوسعة في عهد الملك فهد رحمه الله فرش أرض صحن المسجد بالرخام البارد الذي لا يمتص حرارة الشمس ويحتفظ بدرجة حرارة لطيفة لا تؤذي المارين ولا الجالسين عليه. ثم أمر بإقامة اثنتي عشرة مظلة في كل صحن ست مظلات تلف وتنشر تلقائياً بارتفاع سقف المسجد يتم فتحها لحماية المصلين من حر الشمس وحفظ برودة التكييف، وغلقها ولفها إذا انحسرت الشمس وتلطف الجو الخارجي وهي عبارة عن شمسيات من القماش الأبيض تغطي كل واحدة ما مساحته 18م×18م.


زهرات اللوتس .. تتفتح فوق الصحن النبوي الشريف
Ehsan Logo