هل سحبت ق.ق.ج البساط من تحتها ؟ لماذا انصرف نقاد الأدب عن الاهتمام بقراءة القصة القصيرة ؟ الشقحاء والصقعبي والمناصرة يحددون لأحوال المعرفة الأسباب
عبدالله السمطي
حظي فن القصة القصيرة طوال تاريخه في الأدب المعاصر عربيا وعالميا بعناية كبيرة من قبل النقاد العالميين والعرب، قياسا إلى الأسماء الكبيرة التي أبدعت في هذا الفن، فألفت مئات الكتب والموسوعات حول هذا الفن العريق الذي سيطر لمراحل كثيرة على المشهد الأدبي.
لكن هذا الفن رغم انتشاره الإبداعي الكبير تراجع الاهتمام النقدي به إلى حد كبير، على الرغم من انبثاق فنه الصغير الحجم الكبير في الدلالة: " القصة القصيرة جدا" واتجاه عدد كبير من الكتاب لكتابتها.
وإذا كانت القصة القصيرة قد شكلت مساحة كبيرة من الاهتمام في بداياتها بالمملكة وفي الأدب السعودي لكن الاهتمام النقدي أيضا تراجع إلى حد بعيد. فالقصة القصيرة التي سيطرت على جانب كبير من المشهد الأدبي السعودي في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين . لم يعد لها حضور أو صدى اليوم.
ويتحدث لأحوال المعرفة القاص محمد المنصور الشقحاء وهو من رواد القصة القصيرة الحديثة بالمملكة حيث يرى أن الحياة حكاية ، والموت قصة قصيرة يرويها نحن ومن هنا القصة لاتموت وبالتالي كما قيل بهجة الإبداع نواسي بها انكسارنا ونكتبها لندون لحظة فرح تلبستنا.
ويضيف صاحب:" البحث عن ابتسامة" :
إن القصة أو الحكاية مروى الشعوب منذ جاءت قصة خروج آدم من الجنة ، وحكاية تنافس هابيل وقابيل على الفوز بأنثى اغرقتهم عشقا وقصة مريم البتول وسورة القصص السورة رقم 28 في القرآن الكريم.
ويضيف الشقحاء: " أما عن موضوع النقد والنقاد والانصراف عن التحليل والدرس والعرض مصدره هذا الكم من المطبوع من المجاميع القصصية وتزاحمها في فترنيات البيع بالمكتبات التجارية والسوبر ماركت وعبر الانترنت وهذا مرهق. بسبب تشابه النصوص التي فقدت البناء الفني والتكثيف وجزالة اللغة وهاجس المضمون.
ويختتم الشقحاء صاحب " النور الأزرق" بالقول: " القصة مزدهرة أسماء ومتألقة نصوص ومولدة للفكرة متجاوزة ما درسه الناقد إن وجد منذ أيام كنت في منتدى احتفل بأحد كتاب القصة القصيرة وتحدث حتى الملل أستاذ جامعي عن محطات تستحق الدراسة في نتاج القاص بينما كان في إمكانه توجيه الطلاب في اعتماد هذه المحطات في أبحاث تخرجهم وحصولهم على درجات علمية متقدمة. ختاما القصة باقية بقاء الحياة .
إعادة تشكيل:
القاص والروائي المبدع عبدالعزيز الصقعبي الحائز على جائزة وزارة الثقافة في الأدب السعودي 2021 وصاحب التجربة المعروفة في القصة والسرد والرواية تحدث لأحوال المعرفة قائلا:
ربما هنالك صعوبة لرصد الحركة النقدية لعدة أسباب أهمها : توقف كثير من المجلات والملحقات الثقافية ولم يبق إلا بعض المجلات الشهرية أو الفصلية والتي ينشر فيها بشكل محدود بعض القراءات. بالمقابل وجود كم هائل من الإبداع القصصي مع تفاوت مستويات تلك القصص وجودتها.
من جانب آخر هنالك بعض المواقع الإلكترونية وغالبيتها عربية تهتم بالقصة ويشارك فيها كثير من النقاد.
نحن نحتاج إلى إعادة تشكيل قنوات النشر وربما مجلات دورية مهتمة بالسرد وتنظيم المواقع الحالية لتواكب الحركة القصصية.
لن أكون متشائما وأقول إن الحركة النقدية غير موجودة حاليا بالذات في المملكة ولكن هنالك بعض الاجتهادات ولكنها محدودة جدا.
ويحدد الناقد المعروف الدكتور حسين المناصرة المتخصص بالفنون السردية إشكاليات نقد القصة القصيرة حيث يرى أن هناك أسبابا عديدة أدت إلى قلة الاهتمام النقدي بالقصة القصيرة اليوم، علمًا بأنها لم تحظ بكثير من الدراسات النقدية منذ مطلع عصر النهضة قياسًا إلى ما حظي به الجنسان الأدبيان اللذان حظيا باهتمام لافت كمًّا ونوعًا وهما: الشعر والرواية، ويضيف الدكتور المناصرة : إن القصة القصيرة دائمًا تكون في موقع الأدنى أهمية في المستويات النقدية المختلفة، رغم كونها تتداخل كثيرًا مع الرواية والشعر، ففي كل قصيدة قصة قصيرة، وفي كل رواية قصص قصيرة.
اهتمام غير ملائم:
هكذا وعلى الرغم من أن شخوص القصة القصيرة يأتون من قلب الحياة حيث تشكل الحياة اليومية الموضوع الأساسي للقصة القصيرة وليست البطولات والملاحم. إلا أنها الاهتمام النقدي خاصة في عالمنا العربي لا يتلاءم وحضورها الكبير في المشهد الإبداعي مع أن القصة القصيرة من الأجناس الأدبية التي ازدهرت عالميا ومن روادها: إدجار آلان بو وهاردي وأنطون تشيكوف وتورغينيف وإميل زولا وموباسان ، وفي العالم العربي يوسف إدريس وزكريا تامر وأحمد بوزفور وإبراهيم أصلان ومحمد البساطي وفي السعودية توجد عشرات الأسماء المبدعة في مجال القصة القصيرة التي عاشت ازدهارا ملحوظًا في مرحلتي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين ومازالت تعيشه على مستوى الأعمال المطبوعة، ولعل أسماء مثل: حسين علي حسين، ومحمد علي علوان، ومحمد الشقحاء، وعبدالله باخشوين، ويوسف المحيميد وعبدالحفيظ الشمري وفهد العتيق ، وقماشة السيف وخالد اليوسف وعبدالعزيز الصقعبي وبدرية البشر ونورة الغامدي وأميمة الخميس – على سبيل المثال - قد قدموا مجموعات قصصية تؤكد على تميز هذا الفن وتحليه بجماليات سردية ثرية.
وكما تذكر الويكيبيديا يصل عدد كتاب القصة القصيرة في القرن الواحد والعشرين إلى الآلاف,
ولا تزال المبيعات العالمية من القصص الخيالية القصيرة قوية. فقد قفزت مبيعات المملكة المتحدة 45٪ في عام 2017، مدفوعةً بمجموعات لأسماء عالمية مثل أليس مونرو، والكتاب الجدد لهذا النوع مثل توم هانكس، وإحياء صالونات القصة القصيرة، مثل تلك التي تنظمها شركة القصة الخيالية القصيرة، واستديوهات بّن دروبّ.
وبِيع أكثر من 690,000 نسخة من القصص القصيرة والمختارات الأدبية في المملكة المتحدة عام 2017، محققةً 5880000 يورو، وهي أعلى مبيعات لهذا النوع منذ عام 2010
وتجذب جوائز القصة القصيرة البارزة مثل جائزة صنداي تايمز للقصة القصيرة وجائزة استديوهات بّن دروبّ للقصة القصيرة المئات من المشاركات كل عام. إذ يشارك فيها كتاب سبق لهم النشر وآخرون لم يسبق لهم، فيرسلون قصصهم من جميع أنحاء العالم.
وفي عام 2013 ، مُنحت أليس مونرو جائزة نوبل في الأدب – وقُرأ في الإشادة بها أنها «سيدة القصة القصيرة المعاصرة.» وقالت إنها تأمل في أن تجلب الجائزة القراء للقصة القصيرة، وكذلك التعرف على القصة القصيرة لاستحقاقها ذلك، بدلاً من كونها «شيء يفعله الناس قبل أن يكتبوا روايتهم الأولى». وقد ذكرت قصصًا قصيرة فيما يتعلق بالحائزين الآخرين أيضًا، بول هيس عام 1910 وغابرييل غارسيا ماركيز عام 1982.

