تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

عَوْلَمةُ ثَقافتِنا العربيّة

عَوْلَمةُ ثَقافتِنا العربيّة

د. هبة الله نصر حسن 


هل العولمة ظاهرة تاريخية حديثة؟ 

إن الاتجاه إلى تقريب العالم اتجاه قديم، والدعوة لدمجه ارتبطت تاريخيًّا بالأديان السماوية، التي دعت الناس إلى التعارف والتقارب، إلا أن الدمج والتقارب الذي يعيشه عالمنا الآن، مختلف نوعيًّا عن دعوات الاندماج السابقة، وهو مرتبط أساسًا بقوى أطلقتها الثورة العلمية والمعلوماتية الراهنة. 

العولمة هي وليدة سياسات معينة، بوعي وإدارة، والعولمة ظاهرة متعددة الأبعاد، فللعولمة أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والإعلامية والتكنولوجية، وهي تسعى لاحتواء الزمان والمكان والفضاء الكوني . 

وللوقوف على الظاهرة لنا أن نقف على المعاني الحقيقية للعولمة والثقافة والهوية الثقافية ، للوصول إلى مكانة الثقافة العربية في هذا العالم الصغير، فالعولمة لغة: هي تعميم الشيء، ليكتسب صفة عالمية، واصطلاحًا: سيادة نموذج سياسي واقتصادي واجتماع وثقافي موحد على الصعيد العالمي، أما الثقافة فهي منظومة مركبة ومتجانسة من القيم والتقاليد والعادات والأحلام والآمال والإبداعات، وهي المعبرة عن خصوصية مجموعة بشرية معينة في الزمان والمكان، وليست هناك ثقافة واحدة وإنما تسود أنواع وأشكال ثقافية منها ما يميل إلى الانغلاق والانعزال، ومنها ما يسعى إلى الانفتاح والانتشار ، والهوية الثقافية هي نظام من القيم والتصورات والتمثلات التي يتميز بها مجتمع ما تبعا لخصوصياته التاريخية والحضارية، وكل شعب من الشعوب البشرية، ينتمي إلى ثقافة متميزة عن غيرها، وهي كيان يتطور باستمرار، ويتأثر بالهويات الثقافية الأخرى، ولهذه الأخيرة مستويات ثلاثة: هوية فردية، هوية اجتماعية، وهوية وطنية. 

والهوية الثقافية والحضارية لأمة هي القدر الثابت والمشترك السمات والقسمات التي تميز حضارة أمة عن غيرها من الحضارات، والتي تجعل الشخصية الوطنية أو القومية طابعًا تتميز به عن الشخصيات القومية الأخرى. 

والعولمة الثقافية تعني إشاعة ومبادئ ومعايير الثقافة الغربية، وفي مقدمتها: النموذج الغربي، وجعله نموذجًا كونيًّا يجب تبنيه وتقليده، فقد استفادت هذه الثقافات من التطور الهائل السريع الحاصل في وسائل وأجهزة الإعلام والتقنيات العلمية والمعرفية في نقل وتقديم هذا النموذج إلى المجتمعات والثقافات الأخرى.

وتسعى العولمة إلى تصدير وفرض القيم الليبرالية الغربية على كل أمم وشعوب الأرض ، مما أدى وسيؤدي إلى قولبة /نمذجة الثقافة العالمية وفق الثقافة الغربية المنتشية بانتصارها على التجربة الاشتراكية المحققة، كما مثلتها بيروقراطية الاتحاد السوفيتي السابق، والحدود بين الدول لا يمكنها أن تمنع العولمة الثقافية من الانتشار لأنها ظاهرة واقعية تفرض نفسها بحكم النفوذ السياسي والضغط الاقتصادي والتغلغل المعلوماتي والإعلامي الذي يمارسه النظام العالمي الجديد، لكن تستطيع أن تتحكم في الآثار السلبية لهذه العولمة، إذ بذلت جهودا مضاعفة للخروج من مرحلة التخلف إلى مرحلة التقدم في المجالات كلها وليس فحسب في مجال واحد، نظرا للترابط بين عناصر التنمية الشاملة ومكوناتها. 

ويكمن خطر العولمة في المجال الثقافي كونها تتدخل مباشرة في صياغة الفكر والقيم وتؤثر بالتالي في السلوك الإنساني، وتظهر العولمة في محاولة لإلغاء التنوع الثقافي وصياغة ثقافة عالمية ، وهي ثقافة لها قيمها ومعاييرها، وهناك تخوف من إذابة الخصوصيات الثقافية، وتعتبر العولمة من التحديات الكبرى التي تهدد خصوصيتنا الثقافية من خلال وسائل الاتصال كالتليفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي التي تحاول تنميط الثقافة وجعلها واحدة، والعولمة هل هي تبادل حضاري أم صراع حضاري؟ إن التبادل الحضاري هو أن يكون هناك تبادل لكل طرف من أطراف الحوار بحق إبداء الرأي ، وتوضيح موقفه من الأمور التي يتم الحوار حولها، مهما كان هناك اختلاف في وجهات النظر والثقافة تعد من أهم شروط نجاح الحوار الحضاري الذي يعبر عن العديد من الحضارات، بالإضافة إلى النشاط الإنساني والأعمال التي تمثل معاني الثقافة كما يجب ابتعاد الحوار الحضاري عن المواضيع السياسية والتبادلات الاقتصادية والاختلافات الدينية، وتفاعل الثقافات أو التبادل الحضاري يركز على العلاقات وصناعة المعنى وتشكيل القوى والطبيعة الانتقالية للثقافة ، إلى جانب قدرتها على التحول، كما يهتم بآثار الاستقرار الناتجة عن الترابط الاجتماعي، ولا يمكن أن يتجنب تفاعل الثقافات قوة التعاليم الأخلاقية الخاصة بها والعامل الديناميكي المتمثل في الثقافة، ولا يمكن أن ينحاز تفاعل الثقافات إلى منظور أخلاقي واحد ضد غيره، بل يسعى إلى فحص هذه المناظير دون استبعاد النسبية الأخلاقية أو نقطة الالتقاء التحولي الأخلاقي. 

أما حوار الحضارات فهو التشاور والتفاعل الثقافي بين الشعوب، والقدرة على التكيف مع الأفكار المخالفة والتعامل مع جميع الآراء الثقافية والدينية والسياسية، وتعدد أهداف الحوار الحضاري، كما يعتبر الحوار الحضاري وسيلة أساسية لتجنب الصراعات ، والهوية البشرية تتشكل أساسا بالحوار والحوار يتطلب وجود الآخر، والفكر يولد من خلال العلاقة بين الأفراد والمعاملات التي تتم بين البشر ويدرك الإنسان نفسه عن طريق الحوار، كما يتعرف على هويته. 

والهدف من التبادل الثقافي هو إثراء الثقافة الوطنية وسوقها نحو التكامل، والتفاعل الثقافي يعبر عن ضرورة تحتاج إليها الشعوب فليس ثمة شعب من الشعوب يستطيع الاستغناء عن الإفادة من معارف الشعوب الأخرى، وفي المقابل يكون الغزو الثقافي الذي يهدف إلى استئصال الثقافة الوطنية واجتثاثها ، والغزو الفكري هو مصطلح قديم يعني مجموعة الجهود التي تقوم بها أمة من الأمم لاستيلاء على أمة أخرى أو التأثير عليها حتى تتجه وجهة معينة، وهو أخطر من الغزو العسكري لأن الغزو الفكري ينحو إلى السرية والسلوك الخفي في بادئ الأمر، فلا تحس به الأمة المغزوة ولا تستعد لصده والوقوف في وجهه حتى تقع فريسة له، وتكون نتيجته أن هذه الأمة، تصبح مريضة الفكر والإحساس تحب ما يريده لها عدوها أن تحبه، وتكره ما يريد منها أن تكرهه، وهو ما يؤدي إلى تدمير الأمم ويذهب شخصيتها ويزيل معاني الاتصال والقوة فيها. 

والعولمة في ظل التراخي في الحفاظ على الخصوصية الثقافية تعد غزوا للعقول، غزوا فكريا وثقافيا، إن أول خطوة في طريق الحفاظ على الخصوصيات الثقافية هي إثبات الهوية والحفاظ عليها، ونشر التوعية بين أفراد المجتمع . إن هاجس الخصوصية الثقافية هو نفسه هاجس الأصالة والمعاصرة معا، ومحاولة تنميط سلوكيات البشر وثقافتهم في المجتمعات كافة وإخضاعها لقيم وأنماط سلوك سائدة في ثقافات معولمة، الأمر الذي يحمل إمكانية تفجير أزمة الهوية التي أصبحت من المسائل الرئيسية التي تواجه المجتمعات الإنسانية على المستوى العالمي وذلك ببيان مدى خطورة الغزو الثقافي على الأمة، وانتهاج الأساليب نفسها المستخدمة من قبل الجهة الغازية وتوعية الأمة بخطرها، وتقييد الوسائل والضوابط الشرعية المستخدمة في توعية الأمة حول الغزو الثقافي. 

والحديث عن الهوية العربية هو الخصوصية الذاتية والتفرد بصفات وخصائص معينة تعكس هذه الخصوصية، والتحول الذي أصاب المجتمعات العربية هو الانتقال من الوحدة إلى التعدد الذي أصبح الهدف العالمي، وتبني العولمة يؤدي إلى تحطيم القيم والهويات التقليدية للثقافات لوطنية والترويج للقيم الاستهلاكية ، فرض التبعية على الثقافة العربية من خلال عملية التذويب الثقافي وفرض التبعية على الثقافات الأخرى في إطار المكون الثقافي المعولم المتمثل في الثقافة الغربية ، وإزاء إشكالية العلاقة بين النموذج الثقافي المعولم والخصوصية الثقافية للأمة العربية نجد أن الغرب اتبع عدة أساليب لإلحاق ثقافة العربي إلى ثقافته التي لا تتلاءم والبيئة العربية. 

وقد اكتسب الإعلام أهمية خاصة بعد ظهور الثورة الاتصالية الحديثة التي تتيح للإنسان المعاصر وسائل غير مسبوقة للاتصال والحصول على المعلومات واكتساب المعرفة، بجانب أنها أضافت إلى رصيد وسائل الإعلام المعاصرة وسائل جديدة فيما سمي بالإعلام الجديد أو الإعلام البديل. 

ونتيجة لهذه الثورة الاتصالية فإن التفكير في الدور الذي تلعبه وسائل الاتصال في تشكيل الوعي الكوني والوعي الاجتماعي والوعي الفردي، يمثل إحدى التحديات المعرفية والثقافية التي تواجهنا. 

وأصبح الصراع الثقافي في المرحلة الراهنة صراعا واسع المدى بين أطراف متعددة ومختلفة ، يحاول كل طرف أن ينتج خطابًا يهيمن فيه على الآخرين ، سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا ، والمتتبع لهذا الصراع الثقافي يجد أن أبرز مجالات الصراع هو الصراع الأيديولوجي والذي يعتبر الأيديولوجية قوة فكرية تعمل على تطوير النماذج الاجتماعية الواقعية، وفقا لسياسة متكاملة تتخذ أساليب ووسائل هادفة وتساندها عادة تبريرات اجتماعية أو نظريات فلسفية أو أحكام عقائدية أو أفكار تقليدية. 

ووجودنا الثقافي سيكون بمثابة الحصن الذي يحفظ خصوصيتنا وهويتنا من خلال التفاعل مع المناخ الحضاري العالمي وإثبات الهوية الثقافية العربية أمام الآخر وتحويل ثقافتنا من ثقافة استهلاكية إلى ثقافة منتجة مثلها مثل مثيلتها من الثقافات الغربية، والأخذ بيد الأمة والعودة بها إلى طريق الهداية بكافة السبل والطرق الممكنة. إذن للقضاء على الهيمنة الثقافية وما أفرزته العولمة لابد من خلق أدوات لتحريك وجودنا الثقافي والمحافظة على خصوصياتنا وهويتنا أمام الآخر وتحقيق وحد الهوية الثقافية العربية من خلال بناء نموذج ثقافي وطني قومي من جهة، والانفتاح على العالم الخارجي من جهة أخرى، فمواجهة العولمة تقضي التعامل معها، وليس الذوبان فيها الأمر الذي يؤدي إلى إذابة خصوصياتنا وهويتنا. 

والعالم العربي يهيئ الفرص السانحة أمام تغلغل التأثيرات غير الإيجابية للعولمة الثقافية لأن مقومات المناعة في الثقافة العربية ليست كافية لتقف في وجه العولمة القادرة على اكتساح المواقع وتحطيم أقوى الحصون. 

ولذلك لم يختلف المفكرون العرب على أن ظاهرة العولمة تشكل مرحلة جديدة في التاريخ الإنساني ، فالبعض يراها مرحلة طبيعية من مراحل التطور الرأسمالي وآخرون يرونها ظاهرة لم تستكمل بعد دورتها، لذا لم تتضح معالمها بعد لكن بالتأكيد إنها ظاهرة ، القوة فيها هي اللاعب الرئيسي. 

والسرعة اللا متناهية لظاهرة العولمة لم تترك لأحد الفرصة أن يقف ويفكر طويلا، لأنها ستتجاوزه، وبالتالي فإن مفكري العالم العربي عليهم دراسة الظاهرة، والخروج بأفضل الطرق والسبل للتعامل معها منطلقين من الظروف الذاتية والخصوصية الثقافية ، وذلك من أجل خلق رؤية عربية قادرة على الوقوف أمام العولمة وتضع نصب أعينها المصالح العربية التي لا يمكن أن تكون ضد ظاهرة عالمية، إذا كانت تحكمها القيم والمبادئ والأخلاق الإنسانية، ولكن ليس العولمة القائمة على السيطرة والاستتباع الحضاري.  


عَوْلَمةُ ثَقافتِنا العربيّة
Ehsan Logo