تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

الأدب .. بوصفه سلاحنا الأخير

الأدب .. بوصفه سلاحنا الأخير

ندى حطيط *


انتزعت الأعمال الروائية - وإن في وقت متأخر نوعاً ما الاعتراف بقدرتها العجائبية بالتأثير الإيجابي على البشر- لدرجة إدراجها في بعض الدول بوصفها علاجاً مسانداً أو حتى بديلاً للعقاقير التي يمكن أن يصفها الأطباء لبعض الحالات المرضية النفسية والجسدية. إذ بعد مراحل طويلة من التعامل السلبي مع تلك الأعمال ووصمها بأنها «مضيعة للوقت» و «مظلمة» و«سـماً زعافاً يدفع بقرائها الى حد تقمص شخصيات وهمية يمكنها تحقيق المستحيلات فينتهون إلى فقدان إحساسهم بالواقع»، انتقلنا إلى مرحلة الاعتراف بالأدب بوصفه واحداً من أفضل الوصفات التي يمكنها الإستثمار في تحسين نوعية التجربة الإنسانية لمواجهة ضغوط الحياة، والعلاقات، وتغول الماديات. لكن مثقفين معاصرين اليوم - ليس أقلهم الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما - يرون أن الأدب باستطاعته تشكيل أدوار بارقة بالإيجابية في حياة الأفراد تصل أفقاً أبعد من مجرد تجميل إحساسهم بذواتهم وعلاقاتهم بالعالم.

«عندما أفكر بدوري كمواطن، أجد أنني تعلمت معظم أبعاده من خلال قراءة الروايات»، يقول الرئيس أوباما في حديثه مع الروائية الأمريكية مارلين روبنسون. «لا بد أن ذلك يتعلق بالتعاطف، فالروايات تجعلنا أكثر ثقة في تقبل فكرة العالم كمكان ٍ شديد التعقيد ومليء بالمساحات الرمادية، لكن ثمة حقيقة يتطلب البحث عنها التزاماً وجهداً وتقبلا ً لواقع حتمية التواصل مع الآخرين بالرغم من اختلافهم». الرئيس أوباما بالطبع ليس أول من تحدث عن قدرة الأدب على خلق التعاطف وتقبل الآخر، لكن ما قاله يكشف عن ارتفاع سقف التوقعات بشأن دور محتمل شديد الإيجابية للأدب في منح الأفراد القدرة اللازمة للعب أدوارهم كمواطنين عالميين في قرية كونية، تتضاءل المسافات بين منازلها يوماّ بعد يوم.

تجادل الفيلسوفة الأمريكية مارثا نسابوام في كتابها «استزراع الإنسانية» أن الأدب متطلب أساسي اليوم أكثر من أي وقت مضى، لتأهيل المواطنين كمساهمين بأدوار إيجابية في قلب العالم المعاصر، حيث التعاطف هو بوابة تفهم واستيعاب الآخر. كما تعتقد أن قدرة الأدب على إستثارة الخيال لا شك هي سر قوته في المساهمة بتكوين مجتمعات متحضرة تتسم بالرقي أثناء تعامل أفرادها مع بعضهم ومع الآخرين المختلفين. فالتجربة الحياتية لوحدها تعطي البشر خبرة محدودة للتعاطي مع فضاء الحياة، وخبرة أقل في تفهم المشاعر والعواطف خارج التجربة الذاتية. ومن هنا يأتي دور الأدب الذي - كما تصوره الفيلسوف اليوناني أرسطو - «لا يتحدث عن أشياء حدثت بالفعل، بل يفتح لنا بوابات الخيال المتدفق لتصور ما يمكن أن يكون»! فالقارىء يسقط لحظة غرقه في الرواية متورطا بتقمصات مشاعر وتناقضات شخصيات مختلفة عنه تعيش تجارب وعواطف أبعد من قدرته على التعرض لها، وهذا كله يحملنا لنستدرك فهمنا للآخر، فنستوعب دوافعه، ونستدعي تعاطفنا معه لا سيما في مواجهة إشكالات التجربة الوجودية.

ويبدو أن الأدب يقــدم أيضاً أدوات فاعلة من خلال إطلاق العنان للخيال، في التقليل من مشاعر الغضب والتوتر التي هي سمة واقعنا المعاش، إذ أن كثيراً من المصاعب التي تواجهها مجتمعات اليوم متأتية من محدودية قدرتنا كأفراد على تفهم دوافع وخيارات الآخر، الأمرالذي يجعل توقعاتنا منه تتسم عندئذ بكثير من سوء التقديروالنرجسية وغياب التعاطف. ولذا فإن دعوة الفيلسوفة نســابوام لإدراج القراءات الأدبية في كافة أشكال التعليم على اختلاف مدرجاتها ولكافة قطاعات المواطنين تكتسب - في ظل هذا الفهم لدور الأدب - أهمية فائقة لما يمكن أن يسهم به في إطارعملية بناء مجتمعات واعية لدور أفرادها وممارستهم حياة مجتمعية مشتركة سليمة. وهو ما يؤيد على نحو تام ما طرحه عدة نقاد أدبيين معاصرين عن عميق الارتباط بين (ظاهرة) الرواية الحديثة وإمكانية تكون النظام الديمقراطي في صيغته الغربية المعاصرة. فمن دون القدرة على التخيل، وبالتالي تقبل الغير، يستحيل ربما الإعتراف بوجود حقوق للآخرين، وهكذا تصبح العملية الديمقراطية تجييشاً مفلساً من أي قيمة فعلية في البحث عن القواسم المشتركة ونقاط الالتقاء وبناء الثقة اللازمة لتبادل آمن للسلطة.

يقدم الأدب نماذج سلوكية وخبرات مجتمعية يمكن استعادتها على نحو متماثل من قبل جمهور واسع ، فكأنها حكم وأمثال (شعبية) متداولة على مائدة عريضة، تقدم أدوات لتصنيف التجارب والأحداث والأفراد بالاستفادة من الخبرة المتراكمة لعدد شخوص لا نهائي، لكنها في حالة الأدب تنحو لتكون أعمق وأشمل وأبعد أثراً في الحياة المشتركة.

فقراءة الروايات التي تصف عذابات الحياة البشرية القصيرة غالباً ما تعطي القارىء المقدرة على امتلاك استجابة أكثر فعالية لمواجهة مآسيه الشخصية وتمنحه صيغاً لخلق لغة إنسانية مشتركة في فهم واستيعاب التعامل مع تحديات نواجهها جميعاً كبشر لكننا نعيشها كأفراد.

هذه التوقعات الشديدة التفاؤل بشأن دور الأدب في الحياة المعاصرة كلازمة حتمية لا بد منها لتمكين العملية الديمقراطية برمتها تجد أيضاً، وكما في العصور السابقة، مشككين مرتابين. إذ ينقل أندريه داو عن الكاتب الأمريكي المعروف كينيث بروك قوله، وبالرغم من يقينه بأن الأعمال الأدبية أداة مهمة لإدارة الحياة الإنسانية، إلا أنها قد تتسبب أيضاً في بناء انطباعات متسرعة وغير واقعية عن الآخرين وتوقعاتنــا منهــم. «فالتعاطف والتفهم الزائد، وربما البحث عن القواسم المشتركة معهم»، يقــول داو، «قــد يعمي على مســتوى معين - القارىء من غير ذوي الدربة عن رؤية - الاختلافــات الحقيقية بين الأشخاص، وبيــن المجتمعات، وحتى بين التجارب المعاشة»، والتي بعضها كالعنف المجاني، أوالعبودية أو الإغتصاب أو التطهير العرقي لا يمكن لمن لم يعان ِ منها مباشرة فهم عمقها الحقيقي ، لأنها تجارب تغير البشر، فيصبحون بعدها أشخاصاً مختلفين تماماً عن ذواتهم السابقة قبلها، ولذا ينبغي دائماً قراءة الأدبيات التي تصفها كونها محاولات لوضع القارىء في سياق الإختلاف - لا سياق المشترك. فالأدب يجب، كما تقول الفيلسوفة نسابوام «أن يمتلك القدرة على إزعاجنا» وأن يحتفى به بوصفه قادراً على تحدينا، وإخراجنا من مناطق المشاعر المألوفة نحو فضاء إحساســات مغايرة، ومحفزة للإنتباه فوق اليومي والثابت والمتوقع.

ولذلك فإن المســؤولية الجماعية عن المصير البشري تتجاوز قضية توعية مستهلكي العمل الأدبي مــن مخاطر القراءة الزائدة للنصوص - إذا جاز التعبير - إلى تشجيع التنوع في إنتــاج النصــوص الأدبية عبر حماية المبدعين من كل منابتهم وأصولهم، ومنع تغول المنظومة الرأسمالية الإستهلاكية المزاج على عملية نشر الأعمال المكتوبة في قنواتها المختلفة التي ستنتهي حتماً إلى التركيز على الأعمال التي لا تمس وجدان القراء، وتمتعهم وتمنحهم العزاء بدلا من تلك التي تصدمهم وتخالف توقعاتهم وتطالبهم ببذل جهد لفهم ما قد جرى في مقلب ٍ آخر. هذا الأمر لا يمكن تركه بالطبع لقوى السوق لتتولاه، بل يجب أن يكون قضية عامة ومسألة تقودها المؤسسات الوطنية وتخصص من أجلها ميزانيات وافية وبرامج ترويج فعالة.

ليس ما وصفناه ترف فكــري زائد فالوقائع تشير بما لا يدع مجالا للشك إلى أن أي مجتمع معاصر اليوم، يمتلك رؤية مســتقبلية تتضمن النهوض بتجربة العيش المشــترك لمواطنيه والانخراط بإيجابي ّ ة في تفاعل ٍ شامل مع المجتمع العالمي لا يمتلك إلا أن يوظف الأعمال الأدبية كجزء أساس من أي استراتيجيات يختارها لبناء صيغ تعاطف وتفهم وتقبل للآخر، سواء في المجتمع ذاته أو عبر الحدود، أو في أعالي البحار. الأدب في راهن أيامنا، ساحنا الأفعل، وربما الأخير، لمواجهة العنصرية والتزمت والإرهاب بكل أشكالها في قريتنا الكونية المتصاغرة يوماً فيوم.


* كاتبة وشاعرة وإعلامية لبنانية- بريطانية مقيمة في لندن.


الأدب .. بوصفه سلاحنا الأخير
Ehsan Logo