تسجيل الدخول
تسجيل الدخول

رسالة قصيرة في الجدار

خالد عثمان البلوشي - كاتب وأديب عماني

لقد سألتني عن عظيم:

أما الجدار لقد كان أكبر بنيان حجريا في حارتنا يومها، لا نلعب إلا عند الجدار.. كل الشجرات تبدأ وتنتهي عنده.. ومن هناك تتبع خصوماتنا وعنده نتصالح.. تجد الأمهات والآباء أطفالهم التائهين عند الجدار وأركانه.

كانوا يقولون لنا: إن الجدار وجد من ذات نفسه، وربما قالوا: على الجدار كانت قبل الحارة، يزعموا بعضهم ويحلف بأغلظ الأيمان ويضرب الجدار بقبضته قائلا: إن الجدار بناها البرتغاليون، أيام احتلالهم مسقط، ومنهم من يقول: أن الجدار بقية باقية من كنيسة هدمت بعد رحيل الإنجليز من مسقط.. الكل يتشدق عن الجدار، ولكن لا أحد يعرف حقيقته.

عند الجدار يرتاح الغريب ساعة دخوله حارتنا، والأحداث والآثار لا تؤرخ إلا قبل الجدار أو بعده، يقولون: إن فلان هو ولد قبل الجدار، وإن فلان تزوج بعد الجدار، وأنه مات بعد الجدار، الجدار يحبنا ونحبه.. الجدار صديقنا.. عندما تريد الأمهات معاقبة أولادهن يربطونهم عند الجدار.. والهروب إلى الجدار ملاذنا من عصا الآباء ومعلم القرآن.. وفي المساء نتسامر عند الجدار، صغيرنا وكبيرنا، وفي آخر الليل يبدو الجدار مضيئا بذاته.. قال القادمون إلى بلدتنا: إنه يبدو كطور سيناء.. ويحكي خالي بأنه كان قادما في ليلة مظلمة باردة من سهرته، فمرة بمحاذاة تجارنا فسمع صوتا من الجدار يقول له: لا تسهر كثيرا، فصار خالي من ليلتها من كبار عباد الحارة.

ويقولون إن الحكومة أرادت أن تحتم الجدار وتبني مكانه حديقة عامة، ولكن آلياتهم خابت والعمال أصيبوا بأمراض جلدية شوهت وجوههم، وبقي الجدار في شموخه حتى الآن، مرة قال لنا مسن في الحارة: هذا الجدار مذكور في القرآن وهو الجدار الذي أراد أن ينقض فأقامه سيدنا موسى عليه السلام مع العبد الصالح، فسخرت منه الحارة: خرفت يا شيخ ربيع وإن الجدار ما أعلم قديم من معالم حارتنا أسمعهم يقولون: تعال عند الجدار.. نلتقي قرب الجدار.. هل بيتكم قريب الجدار؟ والماشية عند الرجوع من الجبل تمسح رؤوسها في الجدار يمنة ويسرة وربما وضعت وليدها هناك.

لا أحد يعرف عمر هذا الجدار الضخم.. وحفر عمال الآثار حوله فتفاجئوا بأن الجدار يغوص في باطن الأرض ويتمدد جذور الأشجار النخيل.

خرافات كثيرة نسجت حول جدارنا هذا، يقولون: إن الجن هم الذين شيدوا هذا الصرح الممدود بأمر من سيدنا سليمان عليه السلام.

أما أنا فلن أصدق كل ما قيل ويقال عن هذا الجدار الأبكم سوى حكاية واحدة لأنها حدثت أمامنا ونحن صغار نلعب عند جدار حارتنا كالعادة.

كنا ساعتها نصبة من الأطفال نركض ونلهو ونجعل من الجدار بداية الانطلاقة لعبتنا ونهايتها، كان عمري حينها تسع سنوات، أي سنة 1941 ميلادي، سمعنا جلبة عظيمة من عسكر والي مسقط، كانوا يركضون وبنت الوالد تركض قبلهم بلحافها حتى وصلت إلى الجدار، فلما أراد العسكر الإمساك بها وجدنا أن الجدار انفتح وبلعه بنت الوالي كما ابتلع السمكة الطعم خطفة واحدة لكن ظلت خصلات من شعرها الناعم متدلية خارج الجدار.. وتقول الحكاية: عن ابنة الوالي كانت تحب شابا من حارتنا في السر فلما علم الوالي بالأمر من خلال بصاصيه وعسسه الأوفياء أرادها وأدها في أحد جدران الحصون، فهربت وحدث ما حدث.

قد تبدو الحكاية أقرب إلى الخرافة، وأظنك تضحك الآن وأنت تقرأ رسالتي هذه، لكن الأمر الأغرب من هذه الحادثة عن الخصلات أخذت في النمو كنمو الأغصان، وصار الأمر يرهق الوالي والحكومة يومها، فتصرفت السلطات بعد كل الحلول الفاشلة ومنها هدم الجدار، فقررت أن يقوم العمال بحلقة الخص ولات كلما طالت على الحد المعقول.

إنها خصلات جميلة، ذهبية ناعمة جدا، لو أتيت بخاتمك وسكبت فيه تلك الخصلات انسكب ك العسل الجبلي.

وللجدار رواته وساردوه وأما أنا إلا واحد من هؤلاء الكاذبين الذين يقولون ما يسمعون من آبائهم وأجدادهم وجدائهم بزيادة أو نقصان.. هذه حكايات جدارنا والله أعلم والسلام ختام.


رسالة قصيرة في الجدار
Ehsan Logo