من جماليات الأفق السردي عند محمد الشقحاء قراءة في مجموعة:" السكينة"
عبدالله السمطي
مديدة هي التجربة السردية الإبداعية للقاص محمد المنصور الشقحاء التي استهلها بمجموعته القصصية :" البحث عن ابتسامة " (1396هـ/ 1976م) متابعا إصداراته مثل: معاناة، بقايا وجود، حكاية حب ساذجة، انتظار الرحلة الملغاة، الزهور الصفراء، قالت إنها قادمة، الغريب ، الانحدار، حتى : مرآة الصحراء، وأيها السرمدي لا تقاوم الصحراء، وغيرها من الأعمال، ومنذ هذه المرحلة وأعمال الشقحاء تتوالى في الصدور حتى بلغت أكثر من ( 40) عملا سرديًّا تندرج كلها في مجال القصة القصيرة والنثر الشعري أحيانا.
إن هذه التجربة المترعة بتجليات سردية متنوعة، وبتحولات فنية وجمالية تشف عن أن الخطاب السردي لدى الشقحاء حافل بجماليات متنوعة، ومستويات متعددة من الآفاق السردية التي تنطوي على مثل وتجارب وخبرات وتنوع التقطه من الواقع الحافل بعشرات الشخصيات ، ومن التخيل السردي الذي يصنع القصص ويتأملها ويسائل بها العالم.
في ظل هذا الوعي نقرأ المجموعة القصصية الجديدة :" السكينة" التي صدرت عن النادي الأدبي بالرياض في طبعتها الأولى (2020) وهي ترتكز على هذا الميراث السردي الذي جرب فيه القاص مختلف الأنماط والأساليب والرؤى.
تتضمن المجموعة (25) قصة قصيرة تتعدد مداراتها السردية في موضوعات ومجالات مختلفة، ما بين القضايا اليومية الواقعية التي تعبر فيها الذات القاصة بتفاصيل الحياة اليومية وهمومها وإشكالياتها، والقصص من وجهة مضمونية تنتمي لتفاصيل الواقع وتجاربه الاجتماعية المتعددة التي يبرز فيها القاص واقعًا سرديا، سوف يعتريه بالتأكيد قدر من الرؤية المبدعة التي تغير وتبدل وتصنع المفارقات الفنية في القصص مما يهبها أبعادًا أخرى غير سيرورتها الواقعية الاجتماعية، ويدمجها في مجرى الفن القصصي.
يستهل القاص محمد الشقحاء مجموعته بقصة بعنوان:" مواطن" ويركز فيها على الهموم اليومية، والانشغال بالهاجس اليومي من شجون الحياة، من خلا قصة مواطن يذهب لسداد فاتورة المياه المبالغ فيها التي جعلته يفقد الوعي:ط شعرت فجأة بحاجة مؤلمة ليد تسندني فانسحبت بصمت، وعند الباب الخارجي لمكتب شركة المياه أنقذني الرصيف، جلست على طرفه المترب أتأمل الشارع والسيارات العابرة، وظل يلاحق أجساد مارة من عوالم أخرى، البعض يحدق في والبعض يلوح بكفه" / ص 9
القصة تعبر عن هذا القلق اليومي وهموم الحياة، وهو ما يفيض في قصص كثيرة في المجموعة مثل: المسافر، ورحيل، ويتم، وأرواق، والكتاب، والرقص في الوقت الضائع، وأغلب قصص المجموعة حقيقة التي يركز فيها القاص على البعد الاجتماعي الواقعي، مع مزجه ببعض الرؤى الغرائبية من عالم الأحلام والتخيل، وتشعير بعض العبارات السردية كأنها تقل الوعي إلى مقام آخر تتفتح فيه التأملات الشاردة والأسئلة.
في قصة ( المسافر) يسرد القاص وقائع تحول الزمن والسفر، ومباغتات الحب، وفي قصة:" ( الرحيل) تلعب الوساوس والهواجس دورها الدلالي في تفكك الذات عبر البوح والأسئلة عبر جملة من المشاهد المكونة للقصة:" لما شعرتُ بالهدوء وتزايد العتمة في جنبات الغرفة، حيث أموتُ ببطء، تخيلتُ أن أحدهم يفتح الباب، وخيط من النور يتسلل عبر الفرجة التي شكلت مساحتها وساوسي، وقفتُ باحثا عن المكان الذي يمكنني من الاختباء فيه، أترقبُ من يدفع الباب ويقتحم الغرفة فلم يحدث شيءط / ص 18
الشقحاء في قصصه في هذه المجموعة يعتمد على جملة من الجماليات في تكوين الأفق السردي تتمثل في التنقل ما بين المشاهد المتجاورة متلائمة أم مفارقةى بين مشهد وآخر في القصة، وعلى لغة مباشرة يتخللها غطاء شعري أحيانا في المشاهد البوحية الذاتية التي تتطلب ذلك، اعتماد المفارقات السردية يشكل رؤية دائمة في قصص الشقحاء نظرا لأنه يعبر دائما عما هو واقعي واحجتماعي وما يحدث من مواقف متضادة أو ذاهبة في سورياليتها أحيانا.
ومن بين البوح تالذاتي تأتي بدايات قصة :" الرهبة" : " ما الذي ستقولينه ردًّا على أسئلة البارحة ، لستُ مهتما بمعرفة ما يدور في داخلك، ولن أعرف لوقت طويل، أنا لستُ بائسًا إلى هذا الحد ، أية حياة سعيدة التي قد نجدها معا، نعم لقد تحطمتُ لما أسأتُ فهم أمور فعلتُها بقصد وتراكمت في أعماقي ، وأنا أشعرُ بالمرارة في لساني، سأنهارُ تحت وطأة الفقد، وأنا أتحمل بثبات مزيف هل تغادرين الطائف؟"
للأمكنة حضورها في قصص الشقحاء، وهي تتأدي بكل جمالياتها وميراثها السردي خاصة ما بين (الطائف) والرياض، وللسفر، وللهموم اليومية، للشخصيات البسيطة حضور يستلهم منه القاص رؤيته للواقعيّ، في لغة سردية يمتزج فيها السردي بالشعري، خاصة وأن القاص أصدر ثلاثة دواوين في الشعر المنثور، وهو ما يجعل لسرده بعدًا له شعريته المركزة التي لم ينقص منها عنايته باليومي والواقعي.

