فضل العرب على الإنسانية في المجالات العلمية
بقلم الأستاذ الدكتور: عبدالله بن محمد الشعلان
( أستاذ الهندسة الكهربائية – جامعة الملك سعود)
كان العرب في جاهليتهم يعرفون شيئًا غير قليل من شئون الطبيعة والحياة والذي يعود أكثره إلى النجوم التي كانوا يعرفونها بأسمائها ويهتدون بها، كما كانوا يعرفون الأبراج ومطالعها والسحب ودلالاتها من ألوانها وكثافتها ومن سيرها واتجاهاتها وما إذا كانت ماطرة أم جدباء مثلما كانوا يبحثون في أحوال الرياح والعواصف ويسمون كل نوع باسمه كما كانوا يذكرون جميع ذلك في أشعارهم ويتحدثون عنه في ندواتهم ومجتمعاتهم.
ولعلنا لو أمعنا النظر في أشعارهم ولا سيما في المعلقات لوجدنا غير قليل من الحكمة والرشاد وبعد النظر والذوق الفني الرفيع في التشبيه والوصف والتعبير البديع مما يدل على إعمال الفكر قبل إطلاق الكلام على عواهنه. ويجد المدقق في معلقة زهير بن أبي سلمى - ولا سيما في أبياتها الأخيرة - ما يدل على العقل المفكر والرأي السديد مثل ما يجد ذلك في معلقتي: امرئ القيس وعنترة وفي الخطبة الشهيرة لقس بن ساعدة التي يصف بعضهم ما جاء فيها بما يشبه أقوال الأنبياء.
أثر الإسلام في الحث على العلم:
هذه كانت حالة العرب من الناحية العلمية في العصور الجاهلية، فلما جاء الإسلام برسالته السماوية وبتعاليمه السمحة سواء ماورد في القرآن الكريم أم ما جاء في الحديث الشريف أو ما أتى به العلماء المهتدون والفقهاء المحدثون والأدباء والباحثون تبدل الأمر واختلفت الحال وتحررت العقول من الظنون والشكوك والأوهام وعكف كثير من هؤلاء على العلم والبحث والتنقيب عملاً بقول الله عز وجل في الحث على التأمل والتفكر والتذكر والسير في الأرض والنظر في السماء كل ذلك في آيات محكمات مشفوعة بتكريم العلم والعلماء، (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)، و(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)، (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)، (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ) (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا). وكان ذلك أكبر حافز في الحث على العلم والبحث والتنقيب، ثم كان العصر الأموي حيث بدأت خيوط الفجر المضيء تلمع في سماء العرب ، ثم أخذت الدعوة إلى العلم والبحث والتنقيب بالانتشار والتوسع فكان هناك من بدأ بنقل العلوم إلى العربية والانكباب عليها والعمل على تجويدها، ثم كان العصر العباسي عصر النقل والترجمة فأقيمت الدواوين واستقدم العلماء وأكرموا فانكبوا يبحثون وينقبون في أفضل الكتب العلمية اليونانية والفارسية والسريانية والهندية وفتحوا بذلك أبوابًا جديدة في العلم والبحث والتنقيب بما جددوه وجودوه وأتقنوه من علوم وفنون ومعارف.
إسهام العرب في البحث العلمي والحضارة الإنسانية:
والبحث العلمي عند العرب محيط خضم واسع ومترامي الأطراف من جزيرة العرب وبلاد الشام ومن العراق وما بين النهرين إلى شرقي آسيا وما ورائها حتى الأندلس والشمال الأفريقي وبقية الأصقاع التي فتحها العرب من جنوبي إيطاليا إلى صقلية وجنوبي فرنسا حيث ازدهرت في جميعها علوم العرب وذلك يحتاج إلى مجلدات ضخمة ودراسات طويلة لأن معظم العلماء العرب كانوا جهابذة تحيط بالطبيعيات والرياضيات والطب والفلسفة والفلك إلى جانب ما برعوا فيه وبزوا فيه غيرهم من الأمم في مجالات الشعر والأدب.
ولقد أسهم علماء العرب بجهد كبير في الحضارة الإنسانية والكشف العلمي فابتكروا نظريات علمية جديدة وصححوا ما في بعضها من أخطاء وطوروا الكثير منها، لقد كان لا بد من ظهور ابن الهيثم والبيروني وابن سينا والخوارزمي والرازي والغافقي وابن يونس والكندي وابن رشد وابن زهر كي يتسنى ظهور لابلاس وفارادي ونيوتن ودالتون وآينشتاين وغيرهم، والأمة الإسلامية ما وصلت لهذه المستويات إلا بوجود الدوافع والحوافز المختلفة التي أخذت بيد المبرزين والموهوبين من أبنائها، ففي مجال الترجمة بدأ العرب في خلافة الأمويين يأخذون بالتدرج ما عند الأمم الأخرى بالترجمة المنظمة فنقلت أفكار علماء اليونان المشهورين أمثال أبقراط وجالينوس وهيروغليس وإقليدس وأرخميدس وبطليموس، وبعد الترجمة بدأ عصر الإبداع العلمي للعرب يسطع بأسماء لامعة مثل الخوارزمي والفارابي وابن الهيثم وابن سينا والبيروني والغافقي وابن ماجد وابن زهر والمقدسي وابن رشد والكندي وجابر بن حيان وغيرهم.، وغيرهم كثير في شتى المجالات مثل :
الطب: وهو المجال الذي أبدع فيه العرب في بداية نهضتهم العلمية الرائعة سواء على المستوى النظري أو العلمي فاهتموا بدراسة الكيمياء والصيدلة والنباتات والبيئة بالإضافة إلى دراسة الجسم البشري ووظائف الأعضاء وفهم الأمور النفسية المتعلقة بالمرض وتأثيرها أيضا، وذلك بعكس أمور السحر والشعوذة التي كانت سائدة في أوروبا آنذاك، هذا ويكفي أن نقرأ كتابًا واحدًا من كتب الطب للرازي كان يشتمل على عشرين مجلدًا جمعت كل المعلومات الطبية التي كانت معروفة آنذاك، ولقد اعترف علماء الغرب أنفسهم بتفوق الرازي في الطب إلى جانب المنطق والهندسة وقد كانت مؤلفاته التي فاقت المائتي كتاب المرجع المعول عليه عند أساتذة جامعات الغرب حتى أوائل القرن السابع عشر الميلادي.
الكيمياء : كان هناك عالم عربي مبدع هو خالد بن يزيد بن معاوية الذي أوجد العلاقة بين الطب والكيمياء كأول رائد في هذا المجال، كما أن الرازي الطبيب العالم والمهندس المبدع كان له كتاب (الأسرار) الذي ترجم إلى اللاتينية وأصبح أهم مرجع في الكيمياء عند الأوروبيين، كما أن جابر بن حيان كان من أعظم الأساتذة في هذا المجال حيث اتجه إلى اتباع المنهج العلمي والتحليل الفكري والبرهان الحسي واستعمال الأفكار الرياضية وقد تتلمذ على يديه علماء راسخون أمثال الرازي وابن سينا والفارابي.
الرياضيات والفلك: يمكن اعتبار القرنين الثالث والرابع الهجريين (التاسع والعاشر الميلاديين) القرنين الذهبيين للرياضيين المسلمين الذين استطاعوا أن يقدموا خدمات كبرى للعلوم مثل تلك التي قدمها فارادي وأينشتاين ونيوتن وأيلز وجاوس وغيرهم، ومن هؤلاء العلماء الرياضيين: الخوارزمي وثابت بن قرة وعمر الخيام والكاشي وابن حمزة المغاربي وبهاء الدين العاملي، لهذا كله كانت العقلية العربية كريمة معطاءة أفاضت بخيرها وعطائها على الدنيا بأسرها، وهذه هي المكتبات في العديد من الدول تكتظ بالمخطوطات العربية والعلمية والفلسفية والأدبية التي تفصح عن روح البحث والابتكار والتجديد. ففي حقل العلوم الأساسية لمع العرب في الفيزياء حتى كانت كتب الكندي أساس مؤلفات بيكون وقصة الساعة التي أهداها الخليفة هارون الرشيد إلى الإمبراطور شارلمان والتي ظنوها ضربًا من السحر تدل على طول باع العرب في الفيزياء والميكانيكا.
وفي حقل الرياضيات نبغ كثيرون لعل من أشهرهم الكاشي واضع أسس الكسر العشري ، والخوارزمي الذي ظل كتابه (الجبر والمقابلة) منهلا ثرا لعلماء الغرب ردحا من الزمن، حتى ليصح أن يقال : إن الخوارزمي يعد رائد وواضع علم الجبر ، ومن هؤلاء أيضا ثابت بن قرة وابن حمزة ومحمد البغدادي والطوسي الذي ألف في الرياضيات ولا سيما في الهندسة وحساب المثلثات.
وظهر في العرب أعلام من الجغرافيين منهم : الإدريسي الذي ألف كتابا في الجغرافيا يعد أعظم وثيقة علمية وجغرافية في القرون الوسطى، وفي ميدان البحار ظهر منهم أحمد بن ماجد الذي استرشد به المستكشف البرتغالي فاسكو دي جاما وهو في طريقه لكشف رأس الرجاء الصالح عام 1498م
وبعد ، فهذا غيض من فيض من فضل العرب على الإنسانية في الميادين العلمية، فالعقلية العربية أضاءت بمشاعل هديها وأفاضت بإسهاماتها الخيرة على الدنيا بأسرها مقدرة أن رسالتها لا تقف عند حدود نفسها، بل تتعداها إلى الواجب الأسمى، نحو المساهمة في تشييد وترسيخ الحضارة الإنسانية.

