رحلة القصيدة .. من الديوان إلى الوتر
استطلاع / أكابر الأحمدي
غالبا ما كانت القصيدة دعامة الغناء على امتداد الزمن ولكن رحلتها من دواوين الشعراء إلى دائرة الغناء مليئة بعواصف التغيير الأمر الذي يثير فضول المستمع ويطرح التساؤلات: هل ولادة الأغنية يعني تغير ملامح النص أم العكس؟ هل اللحن هو من يجمل القصيدة ويخفي كسورها وعيوبها ويساعد على انتشارها؟ من يملك القدرة علي التغيير الشاعر أم الملحن أم المغني؟
ثمة أسئلة كثيرة يجيب عنها هذا الاستطلاع.
هكذا بدأ الغناء...
يستهل الحديث الباحث والملحن ومؤلف موسيقي محمد السنان قائلا: عبر مراحل التاريخ الموسيقى الصرفة كانت الكلمة هي أحد أسلحة العرب التي كانوا يتفاخرون بها فيما بينهم. وكان أمضاها وأشدها تأثيرا هو الشعر الذي كان يعرف ب (ديوان العرب). وكان الشعر يوظف توظيفا رائعا في الغزل والهجاء والمديح، والتغني بالشعر كان يساعد على انتشاره بين القبائل ويتم ترديده بين العامة وبالتالي كان يحقق الشهرة لقائله.
هكذا بدأ الغناء في الجزيرة العربية باختيار أبيات من الشعر الغزلي التي تصلح للغناء والتي يوجد بها جرس موسيقي ومن ثم صياغتها في ألحان يتم غناؤها.
قصيدة أنشودة المطر..
ويؤكد السنان أنه في الاتجاه المقابل، هناك مطربون مشهورون وملحنون ناجحون قد فشلو فشلا ذريعا في التعامل مع القصيدة، ولنأخذ على سبيل المثال لا الحصر: قصيدة (أنشودة المطر) للشاعر العراقي (بدر شاكر السياب)، فسوف نجد أن هذه القصيدة الرائعة قد تم التعامل معها لحنيا بصورة لا تتوازي مع قيمتها الفنية.
الشاعر.. الملحن.. المغني...
ويبين السنان أن التفاعل بين الثلاثي (الشاعر+ الملحن+ المغني) مهم جدا لإجراء إي تعديل في القصيدة من استبدال مفردات أو حذف بعض الأبيات، وفي نظره يري أن أي تعديل يجريه المطرب أو الملحن للقصيدة دون الرجوع للمؤلف يعتبر اعتداء وتشويها للنص حتى لو كان التعديل أجمل من الأصل...
عناصر دقيقة..
وينظر الشاعر احمد عليوي للقضية من زاوية أخرى تجلت في قوله إن عناصر قصيدة الأغنية عناصر دقيقة تهتم بالموسيقى الداخلية للقصيدة والرتم والإيحاء اللفظي في جوهرها وتهتم بالالتقاطة التعبيرية العاطفية المؤثرة في شكلها.
ويضيف عليوي: إبداع كتابة شعر الأغنية إبداع بالغ التعقيد بقدر بساطته في الأذن وبقدر تأثيره في الوجدان.
ويبين عليوي أن شاعر الأغنية هو مصور فوتوغرافي يلتقط الحالة الوجدانية العاطفية ويعبر عنها، ويقول: أؤكد أن كل الأغنيات الخالدة في الأذهان عبر التاريخ جرت بها الكثير من التغييرات والتحديثات التي أثرتها في النهاية لكن برأي وتعاون ومشاورة مشتركة بين الشاعر والملحن والمغني.
الصدق في الطرح...
من جانبه وصف الشاعر الغنائي محمد القرني انه مع قصيدة المعاناة قبل أن تكون قصيدة مغناه. فيقول: القصيدة الجميلة هي نتاج معاناة وإحساس بالموقف وقبل ذلك كله الصدق في الطرح... عندما اكتب القصيدة لا أفكر هل تغنى أم لا.. كل همي أن اكتب معاناتي.. يأتي بعد ذلك التفكير في طرحها كأغنية.. وهذا سبب نجاح الأغنية عندي وهناك تغيرات طفيفة لا تذكر.. بحكم أن بعض الكلمات قاسية في الطرح أو غير موسيقية في السماع... أو أنها ثقيلة النطق وهكذا.. ولكن التغيير لا يخل بالمعنى أو بالسياق.. وهذا ينطبق على الشعر عموما سواء غني أم لم يغنى...
الخيال الموسيقي...
ويضيف القرني: الأغنية هي المصدر الذي يكاد يكون الوحيد في هذا الزمن للانتشار في هذا العالم كما أن القصيدة تبقى قصيده لا تفقد هويتها (إذا) تعامل معها الملحن والمطرب معها بحرفيه وتم تصويرها موسيقيا بما يليق بها.. ويؤكد أن الثلاثي: الشاعر والملحن والمطرب... همهم الكبير خروج العمل إلى النور وهو في أجمل حالاته...
العمل المتكامل...
من جهة أخرى أيد الملحن محسن جسار تحويل القصيدة إلى أغنية مبينا مدى مساهمة ذلك في انتشار النصوص الشعرية ومتى ما أحس المتلقي بالعمل المتكامل من كلمة ولحن وصوت سيساهم ذلك حتما في انتشارها.
ثلاثة عناصر...
الشاعر الدكتور محسن الشيخ آل حسان يرى أن القصيدة المكتوبة لها متذوقوها وتعتمد على كلماتها فقط وأحيانا على الإلقاء ولكن الأغنية المغناة تعتمد على ثلاثة عناصر لتنجح: الكلمات.. اللحن.. وصوت المغني، إذا توافرت هذه العناصر لأي قصيده فإنها ستكون ناجحة و أبلغ دليل.. قصائد نزار قباني والتي غناها عبد الحليم حافظ – نجاة الصغيرة وكاظم الساهر وغيرهم..
اشتراطات معينة...
من جانبها أوضحت الشاعرة سعدية مفرح أن هناك بعض القصائد تصلح لأن تتحول إلى أغاني وبعضها لا يصلح وبالتأكيد فإن الكثير من الأغاني الناجحة كتبت أساسا كأغان وليس كقصائد.. فللموسيقى أحيانا اشتراطات معينة يمكن أن يلبيها كاتب الأغنية بشكل مسبق ويضعها في الاعتبار وهو يكتب كلمات الأغنية.. أما الشاعر فيكتب قصيدته بشكل حر من أي اعتبارات مسبقة لا موسيقية ولا غيرها، وبالتالي فهناك الكثير جدا من القصائد التي لا تصلح لأن تتحول إلى أغاني أو يجب إجراء تعديلات عليها قبل أن تتحول إلى أغاني والقصيدة قبل أن تتحول إلى أغنية هي إبداع مستقل بذاته أما إذا تحولت إلى أغنية فهي في هذه الحالة تكون ضلعاً من ثلاثة أضلاع تكون الأغنية بشكلها الأولي، ولهذا فأهميتها تقل. والتغييرات التي تطرأ على القصيدة كثيرة بالتأكيد أهمها نوع الإحساس بهذه القصيدة أثناء التلقي لها كأغنية، كما أن هناك تغييرات على صعيد الكلمات أحيانا يطلب المغني أو الملحن من الشاعر تغييرها بنفسه أو يقومان هما بتغييرها، ولا غبار على هذا الأمر أحيانا فبعض المفردات لا تصلح لأجواء الأغاني، وكانت أم كلثوم تفعل ذلك دائما إما بنفسها أو بمساعدة الشاعر احمد رامي، وقصيدة الأطلال لإبراهيم ناجي نموذج كبير لمثل هذا التدخّل...
ويكشف الشاعر ضياء خوجه عن رأيه في سياق قوله مؤكدا صعوبة تحويل القصيدة إلى أغنية، ويري أن القصيدة الغنائية يفصلها لكي تلحن وتغنى لذلك تعتبر القصيدة الغنائية أكثر سلاسة من أنواع القصائد الأخرى ويؤيد خوجه التغيير في بعض الأحيان في القصيدة الغنائية ولكن بشرط أن يتم التعديل من قبل كاتبها سواء كان التعديل في مفردة أو في أحد الأبيات.
القصيدة لغة...
وللشاعرة لينا أبو بكر فلسفة أخرى إذا أنها تعتبر القصيدة لغة واللغة أول الإيقاع، وتقول: بدأ الشعر من خلال الحس الموسيقي للغة كونها تشكيل إيقاعي في نظم موزون، يختطف الروح، إلى منطقة وسطى بين النغم والكلم، من هنا جاء الشعر.... هنالك ما يجعل الشعر حيزا مفتوحا على الامتداد نحو عوالم موسيقية تنبعث من صلب القصيدة والقصيدة التي تستطيع أن تكون قالبا منتظما على هيئة بناء عمودي إيقاعي أو أن تكون موشحا أو قصيدة تفعيلية أو نثرية لا تفلت من زمام الشعر طالما أنها تبقى متشبثة بالإيقاع... دائما كانت تنتصر القصيدة للذائقة أولا وللغة ثانيا.
وتتساءل لينا: ما الذي تقدمه الأمة العربية كوجه حضاري لفن الغناء أمام الأمم والشعوب الأخرى؟ إلى أي مدى استطاع الشعر أن ينقذ الأغنية ؟ بل أن ينقذ الأمة ؟ عندما تكون القراءة هي باكورة الوعي والمعرفة والرسالة السماوية الأولى التي بعثها الله لأنبيائه، ففي البدء كانت الكلمة، فكيف تتحول الكلمة من رمز للتخاطب والتفاهم والوعي إلى مجال غوغائي مبهم، لا يصلح حتى كسلوك تعبيري مع المجانين أو الطرشان.
الشعر غناء الروح...
ويشارك الشاعر معيض بقوله في البداية علينا أن نفهم أن الشعر غناء الروح وأن بحور الشعر أو الجمل الشعرية في النص الحديث هي إيقاع لنبض الأرواح تسمو به وتطرب نفوس الشاعر والمتلقي معا ويري معيض أن قصائد نزار قباني لأنها تكتب بلغة وسطى بين الفصيح والشعبي ومع هذا تظل القصيدة الجميلة التي يغلب على أسلوبها السهل الممتنع بقية كل الملحنين.
تغييرات سلبية
أما الشاعر الدكتور عبد الله الفيفي فيقول أن الشِّعر العربي غنائيٌ بطبيعته غير أن الإشكال ينشأ في أداء الشِّعر الفصيح غناءً فكثيرًا ما يكسر المغني الوزن ويَلْحَن في اللغة أمّا لو حسُن الأداء وسلِم من العيوب اللغويِّة والعروضيَّة، فلا بأس وهناك تغييرات سلبية أحيانًا تجني على الشِّعر يرتكبها المطرب جهلًا أو استخفافًا بالشِّعر والأصل أنه لا يحقّ للمغني التغيير إلا باستئذان الشاعر لأن الشِّعر فنٌ له قواعده كما للغناء والموسيقى قواعدهما ويبين د. الفيفي أن الموسيقى نشأت تاريخيَّا في ظل الكلمة الشاعرة، ثم انفصلت الموسيقَى، فأصبحت فنِّا صوتيِّا قائمًا بذاته.
أما الملحن والمطرب جميل محمود فيقول لا توجد قصيده لا تغنى إلا إذا كانت ألفاظها قويه يصعب تلحينها و اللحن يجمل القصيدة وضمن لها أبدية الانتشار وخير دليل على ذلك ما غنته أم كلثوم ونجاة وفيروز وظل راسخ في أذهاننا أما التعديل الذي يطرأ على القصيدة فهذا وارد بشرط أن لا يمس بالمعنى الأصلي لها والملحن يلعب دورا كبير في ذلك فإذا كان واعيا ومثقفا سوف يحافظ على الهيكل العام للقصيد
فقدان هوية
بينما أكد الشاعر أحمد إبراهيم بأن الشعر العربي الموزون يلبس الجو والمناخ الشعري الغنائي الغزلي الرومانسي ويتقمّص أيضا القصيدة الفكرية الفلسفية الفكرية وحتى الوطنية والعسكرية!
ويرى الشاعر الدكتور صالح الشادي أنه بالنسبة لتحول القصيدة إلى أغنية أو العكس فلا فرق في ذلك ففي كلا الحالتين يمكننا تقديم عمل جيد خاصة إذا كان هناك رسالة وإتقان فني إما التغيرات التي تعتري القصيدة أثناء رحلتها لعالم النغم لكل مستمع أسلوبه في الفهم وطريقته في التلقي والأمر متفاوت من ذائقة إلى أخرى، ومن وعي إلى آخر وبلا شك.. للأغنية أثر كبير في نشر النص الجيد وإيصاله للمتلقي أما تدخل المطرب في اللحن فلابد من تضافر الجهود للوصل العمل جيد يرضي كافة الأذواق.


