التصنيف عند العرب
بقلم ياسين صويلح
حاول الإنسان منذ أقدم العصور أن يصنف المعرفة الإنسانية وكتبها فتاريخ تصنيف الكتب والمكتبات تاريخ طويل وعريض وهو لا يتحدد بقطر من أقطار أو أمة من أمم العالم القديم أو الحديث وإنما هو يتبع مراكز الإشعاع الثقافي وينتقل معها على مر العصور من قطر إلى قطر ومن وطن إلى وطن.
وفي أرض الشرق القديم تمتد أعمق جذور هذا التاريخ الطويل .فالعرب هم أصحاب حضارة وتراث، ولم يكونوا مجرد ناقلين لحضارة ما قبلهم ،ولكن أسهموا إسهاما أصيلاً في مختلف العلوم والفنون والآداب ،فقد وجدت دار الكتب في مصر القديمة قبل الميلاد بما يقرب من ثلاثة آلاف عام .في حدود سنة 2000 ق م وكانت هناك مكتبات تحوي برديات مطوية ومحفوظة في جرار معنونة ومصفوفة على رفوفها ،وفي بلاد ما بين النهرين نجد كتب البابليين والأشوريين منذ الألف الثالث قبل الميلاد ،فقد كانت الألواح الطينية المحفوظة في جرار مصنفة ومرتبة على رفوف تملأ عدداً كبيراً من المكتبات في هياكل الدولة البابلية وقصورها.
أما السومريون الذين سكنوا جنوبي العراق فكانوا يصنفون كتبهم حسب الموضوعات، فكانت اللوحات المحتوية على الشعر في مكان والمحتوية على الملاحم في مكان آخر.
وعندما ظهرت المكتبات عند العرب وتطورت نتيجة لانتشار العلم والمعرفة. اهتمّ العرب بتصنيف المكتبات وكانت الفهارس على نوعين، فهي إما أن تكون مكتوبة في مجلدات تستعمل كالكتب فيرجع إليها المطالع من أجل معرفة محتويات المكتبة، وإما أن تكون أسماء الكتب والمؤلفين مكتوبة على لائحة معلقة على مدخل كل قسم من الأقسام.
واستخدم العرب التصنيف وسيلة رتّبوا بها المواد في مكتباتهم ،فقد كانوا يرتبون الكتب حسب الموضوعات ،فقد خصصت غرفة أو أكثر لكل فرع من فروع المعرفة الإنسانية ،وذلك في المكتبات الكبرى، كمكتبة الحكم الثاني المنتصر بالله الخليفة الأموي الأندلسي الذي حكم الأندلس من سنة 350 حتى 366 هــ، و كمكتبة دار الحكمة في القاهرة التي أسسها الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله سنة 395هــ، أو يفردون الكتب الباحثة في موضوع واحد من موضوعات المعرفة الإنسانية في خزانة خاصة بها أو يضعونها على رفًّ مستقيل وذلك حتى يسهل تناولها ولا يتعب مناولها.
تصنيف العلوم عند العلماء العرب
يعتبر «جابر ابن حيان» أول من وضع تصنيفاً عربياً للعلوم، وجاء بعده «الكندي» الذي صنّف علوم عصره وقسم هذه العلوم إلى قسمين: دينية وفلسفية، أو دينية ودنيوية، حيث قسم «الكندي» علوم الفلسفة إلى ثلاثة أقسام: العلم الرياضي، علم الطبيعيات، علم الربوبية. وقسم العلوم الرياضية إلى:
أ- ما كان مركبا من مادة وصورة كالنبات والحيوان والإنسان والجماد،
ب- ما كان مستغنياً عن الطبيعة، كالنفس.
وإذا منتهى «الكندي» من العلوم الإنسانية بما فيها من رياضيات، ومنطق، وطبيعة، وما بعد الطبيعة، وأخلاق وسياسة، ذكر أن هناك نوعاً من العلوم ذلك الذي يتم بلا طلب، ولا تكلف ولا بحث.. وهو علوم الإسلام.
أما تصنيف «الفارابي» فيعتبر من أقدم التصانيف العربية، وأكثرها تأثيراً في جميع التصانيف التي جاءت من بعده. قد أدرج «الفارابي» تصنيف للمعرفة في كتابه (إحصاء العلوم) الذي قسمه إلى ستة أقسامٍ يحوي كل قسم عدة أجزاء، وكل جزء عدة مراتب، وهذه الأقسام هي:
1- علوم اللسان، 2- المنطق، 3-الرياضيات، 4- العلوم الطبيعة، 5- العلوم المدنية، 6-علوم وراء الطبية.
ويأتي «الخوارزمي» (القرن العاشر الميلادي) وهو غير «الخوارزمي» صاحب علم الجبر والمشهور، ليقدم لنا دائرة معارفه التي أسماها (مفاتيح العلوم)، وفيها قسم المعرفة تقسيماً شكلياً إلى قسمين:
الأول: علوم شرعية (علوم العرب)، وتقسم إلى:
أ- علوم الشرعية، وتبحث في الفقه والكلام.
ب- علوم تتصل بالشريعة، وتبحث في النحو والكتابة، والشعر، والعروض، والأخبار.
الثاني: علوم فلسفية (علوم اليونان)، وهي علوم الداخلية، وتشمل: الفلسفة، المنطق، الطب، الحساب، الهندسة، الفلك، الموسيقى، الحيل الكيميائية.
أما «ابن خلدون» فقد قسم العلوم إلى قسمين رئيسين: علوم طبيعة، وعلوم نقلية. فأما العلوم الطبيعة فهي علوم يهتدي إليها الإنسان بفكره. وأما العلوم النقلية فهي علوم يأخذها المرء عن وصفها. وهو يقسم العلوم النقلية أو الشرعية كما يسميها أحياناً أخرى، إلى علوم مأخوذة من الكتاب والسّنة، وهي علم التفسير، علم القراءات، علم الحديث، علم الفقه، علم الكلام، علم التصوف، وإلى علم اللسان العربي: اللغة والنحو والبيان والأدب. وتعتبر مقدمة «ابن خلدون» من أفضل ما كتبه العلماء المسلمين في تصنيف العلوم الإسلامية.
ويأتي «القلقشندي» (1353 - 1418 م) ليفرد في كتابه (صبح الأعشى في صناع الإنشا) باباً يتحدث فيه عن تصنيف المعرفة، ويجعل أصول هذا الباب سبعة، كما يجعل فروع العلوم فيه أربعة وخمسين. وهذه الأصول والأبواب وهي:
1- الأصل الأول: الأدب، وفيه عشرة علوم.
2-الأصل الثاني: العلوم الشرعية، وفيه تسعة علوم.
3-الأصل الثالث: العلم الطبيعي، وفيه أثني عشر علماً.
4-الأصل الرابع: علم الهندسة، وفيه عشرة علوم.
5-الأصل الخامس: علم الهيئة، وفيه خمسة علوم.
6-الأصل السادس: العلم العرض، وفيه خمسة علوم
6-الأصل السابع: العلوم العملية، وفيه ثلاثة علوم وهي: السياسة، الأخلاق، تدبير المنزل.
وإذا ما انتقلنا إلى العصور الحديثة نجد «طاشكيري زاده» (1495 إلى 1595م) صاحب كتاب (مفتاح السعادة ومصباح السيادة) الذي يُعدّ من أهم كتاب تصنيف عربي. وقد جعل المؤلف التصنيف أحد العلوم الثلاثمائة التي عالجها في كتابه وسمّاه «علم تقسيم العلوم »وفيه نتعرف على طرقتين لتكوين الأقسام، هما :
1- التدرج من الأعم إلى الأخص .
2- التدرج من الأخص إلى الأعم .وقام المؤلف بتقسيم كتابه إلى سبع دوحات، في كل دوحة عدد من الشّعب وهذه الدوحات هي :
1- الدوحة الأولى : في بيان العلوم الخطية وكل الكتب التي تبحث في فضل الخط ، وفيها مقدمة و شعبتان .
2- الدوحة الثانية : العلوم المتعلقة بالألفاظ ، وفيها مقدمة و ثلاث شعب .
3- الدوحة الثالثة : العلوم العقلية ، وفيها مقدمة و شعبتان .
4- الدوحة الرابعة : العلوم الحكمية و الرياضية و الطبيعية ، وفيها مقدمة و عشر شعب .
5- الدوحة الخامسة: علوم الحكمة العملية ، وفيها أربع شعب .
6- الدوحة السادسة :في العلوم الشرعية ،وفيها مقدمة وثماني شعب .
7- الدوحة السابعة :في علوم الباطن ، وفيها مقدمة و أربع شعب .
أما «حاجي خليفة » (1608 – 1657 م) قد وضع أشهر كتبه (كشف الظنون في أسامي الكتب والفنون ) وهذا الكتاب أهم الكتب المصنفة وأوسعها في بيان أحوال الكتب .وفيه كتب المؤلف ما يزيد عن (9500 ) من أسماء المؤلفين ،و تكلم فيه عن ثلاثمائة مئة علم وفن ، وقد رتّب الكتاب على حروف المعجم ،فأورد فيه (15000 ) كتاب ، ذاكراً اسم مؤلفه وسنة وفاته وموضوع الكتاب أو شيئا من مقدمته وعدد مجلداته أو أوراقه، ثم ذكر مفصلاً العلوم في حروفها وأعقبها بذكر المؤلفات فيها. ويعتبر كتاب «حاجي خليفة» معجماً للمؤلفات العربية، جامعاً لأخبار الكتب المصنفة في الإسلام وما قبله وأحوال مصنفيها ووفاتهم.
أهمية التصنيف
يحتل التصنيف مركزاً هاماً بين العمليات الفنية التي تقوم بها المكتبات في سبيل تنظيم مجموعاتها، وتقديم هذه المجموعات لجماهير الكراءة بوسائل سهلة وميسرة.
فإذا ما أريد للمجموعات المختلفة من كتب والمواد المكتبية الأخرى أن تستعمل بسهولة وبصورة واسعة ومنظمة، فيجب أن تنظم وتصنف بطريقة منطقية ومعقولة ،كأن تنظم أبجديا حسب موضوعاتها وحسب عناوينها ،وبذلك تكون منفعتها أكبر وأعم مما لو تركت في فوضى من غير تصنيف أو تنظيم. ومجاميع الكتب والمواد المكتبية الأخرى تطلب عادة على الأغلب حسب موضوعاتها والقراء ورواد المكتبة يفضلون أن يجدوا كافة الكتب التي تعالج موضوعاً معيناً في مكان واحد يسهل الوصول إليه، واختيار ما يناسبهم بأسرع وقت وأقل جهد. وإذا ما أريد للكتب والمواد المكتبية الأخرى أن تنظم وتصنف حسب موضوعاتها كان على المكتبة – إذا – أن تتبنّى تصنيفاً معيناً يؤمن لها هذا التنظيم.
ويفيد التصنيف القارئ والمكتبي، فهو يهيّئ للقارئ مجاميع مواحدة متشابهة في ذات موضوع واحد متسلسل تتصل حلقاته بعضها ببعض بعلاقات العموم والخصوص، بحيث تتناهى في الصغر حتى تصل إلى حد لا تجد موضوعاً خاصاً يندرج تحتها. ويدرك المكتبي الخبير عن طريق التصنيف مدى ما يستوعب ذلك الموضوع من مواد ثقافية لتغطية المواضيع الناقصة، ويقوم التصنيف بتقريب العلوم المتشابهة وتسلسلها بعضها مع بعض، فيتألف من مجموعها جسما واحد لا يتجزأ، وكلها تهدف إلى تسهيل مهمة القارئ في البحث، وإشباع رغبته في الحصول على معلومات منتظمة ومرتبطة ترتيباً منهجياً في أي علم من العلوم.
وهذا العمل الشاق الكثير الصعوبات، جعل العلماء والفلاسفة لا يتفقون على طريقة واحدة في التصنيف، إذ ارتأى كل منهما طريقة معينة تختلف عن الأخرى، ولم تتخذ التصنيفات شكلاً ثابتاً مستقراً ذا روابط وضوابط، وهي نظراً إلى تقدم العلوم والفنون لا تزال عرضة لبعض التبديل والتعديل وستبقى كذلك.
طرائق التصنيف
1- طريقة الهجائية: وهي الطريقة التي تُرتّب فيها الكتب حسب الحروف: الأول، فالثاني، فالثالث.. للكلمة أو العبارة التي اختيرت لأن تكون عنواناً للكتاب، أو لاسم المؤلف، فتأتي الكلمة المبتدأة بحرف الألف، ثم التي تبدأ بحرف الباء.. وتُرتّب الكلمات المبتدئة بحرف الألف فيما بينها حسب الحرف الثاني من الكلمة، فإذا اتفقت فيه رتّبت حسب الحرف الثالث وهكذا، ويتبع هذه الطريقة في جميع الحروف، وطبقاً لقواعد الترتيب الهجائي توضع الكتب على الرفوف. وهناك عدة عيوب لهذه الطريقة، منها:
أ- أن الرفَّ المخصص لحرف معين كثيراً ما يمتلئ مما يستدعي لنقل الكتب الى رفّ آخر.
ب- لا تحدد مكاناً ثابتاً للكتاب; لأن الكتاب لا يأخذ رقما، وهو الذي يحدد المكان الثابت للكتاب.
ج- تحتاج لمجهود كبير في ترتيب الهجائي في الرفوف، كما أنها تحتاج لنفس المجهود عند البحث عن الكتب لاضطرار الباحث إلى أن يتبع الأسماء حرفاً حرفاً لوصول الى الكتاب المطلوب.
د- أن استخدام هذه الطريقة قد يعرض لاحتمالات الخطأ وهذا يترتب عليه تكرار الكتب وازدواجها، وذلك في حالة ترتيب الكتب في غير أماكنها الصحيحة من الترتيب.
2- الطريقة العددية: وهي الطريقة التي تنشأ بموضع رقم على كل كتاب، حسب تسلسل وردوده في سجل المكتبة، ويقوم أمين المكتبة بترتيب الكتب على الرفوف حسب أرقام التسلسل. وهذه طريقة سهلة وبسيطة لا تكلف المسؤول عن المكتبة أي جهد فكري. لكن اعتماد الأرقام المتسلسلة لترتيب الكتب هو نظام سقيم لجأت إليه بعض المكتبات لجهل القائمين عليها بالأسس السليمة والنظام الصحيحة التي يجب اتّباعها في تصنيف الكتب. وقد يقول البعض: إن هذه الطريقة في الترتيب تساعد على عملية الجرد. والجواب واضح، فالهدف من وجود أي مكتبة لا ينحصر في جرد كتبها، بل الغاية من وجودها هي تقديم المعارف البشرية في مختلف ميادينها وحقول تخصصها إلى المجتمع الذي تخدمه المكتبة.
3- الطريقة الهجائية العددية: تُرتّب الكتب من هذه الطريقة في المجموعات هجائية، وترقم الى مجموعة بأرقام متسلسلة، ولا يشترط أن تكون الكتب في المجموعة الهجائية الواحدة في ترتيب هجائي، ويكون ترتيب الكتب على الرفّ التي تكون المجموعة الهجائية الأولى، أي: مجموعة حرف (الألف) بعد ترقيمها كالتالي: ب/1، أ/2، أ/3.... إلخ.
ويكون ترتيب المجموعة الهجائية الثانية (ب) بعد ترقيمها كالتالي :ب/1،ب/2 ،ب/3 ...إلخ.
وللوصول إلى الكتاب في هذه الطريقة يتوجب تسجيل كتب كل مجموعة هجائية على بطاقة كبيرة من الورق المقوى، أو على صفحات دفتر كالتالي : (ف) فنون- فقه - فلك (ر) رياضة -رياضيات... إلخ.
4- الطريقة الموضوعية: تصنف الكتب في هذه الطريقة حسب موضوعاتها، باعتبار أن موضوع الكتاب ثابت لا يتغير، فالكتب التي تبحث في الفلسفة سيبقى موضوعاتها صفة موروثة في هذه الكتب مهما اختلفت أسماء المؤلفين أو العناوين أو أرقام التسلسل، والكتب التي تبحث في الفقه الإسلامي مثلاً، تكون مجموعة مع بعضها، وكذلك بالنسبة لكتب الرياضيات أو الزراعة أو الآثار .... إلخ.
أيضا هناك الكتب ذات المواضع المتشابهة في تقارب نسبي والتي يجب أن تكون قريبة من الكتب التي لها علاقة بالموضوع الأول، وبذلك يستطيع الباحث أو القارئ أن يصل الى مجموعات من الكتب تبحث في موضوعات لها علاقة بالموضوع المبحوث فيه، فنجد -مثلاً- كتب الحساب قريبة من كتب الجبر والهندسة، وكتب الفيزياء قريبة من كتب الكيمياء ...وهكذا. ومن هذا يتضح أن المكتبة التي ترغب في استغلال كتبها وما تحويه من مطبوعات مختلفة، وترغب في أن تفيد روّادها ، وأن يستفيد الباحثون والدارسون من محتوياتها ،لابد لها من أن تصنف كتبها حسب موضوعاتها المختلفة ،حتى تصل إلى النتيجة المطلوبة وهي: ترتيب الكتب بشكل سليم وصحيح ، ليصل القارئ إلى بغيته في معرفة الكتب وبأيسر سبيل وبأسرع وقت.
وهناك أيضاً عدة طرق لترتيب الكتب في المكتبة على الرفوف ،مثل:

