أكد أن الشعر يسير للأمام .. محمد الشهاوي: المعنى لم يعد في بطن الشاعر والمتذوقون يقيموننا!
أجرى الحوار: محمود عبدالمنعم سلام
يتحدث الشاعر الكبير محمد محمد الشهاوي بشكل تجريدي عن نفسه قائلا: الشهاوي مواطن مصري ولد في الخامس والعشرين من عام 1940م ويضيف في حوار خص به أحوال المعرفة أنه بدأ تعليمه في كتاب الشيخ محمد الشافعي الوكيل فحفظ القرآن الكريم كاملا ومجودا ثم التحق بالسنة الأولى الابتدائية بمعهد دسوق الديني عام 1954م ومنذ نعومتي وأنا منجذب بحب فطرى إلى الأناشيد الشعرية التي كانت تقرر على تلامذة المدارس آنذاك وفى السنة الأولى الابتدائية أتاحت لي المقادير وحدها شراء كتاب ( المنتخب من الأدب العربي ) بأجزائه الأربعة وقرأت الكتاب كله حيث كان يحتوى على رموز الشعر العربي بداية من امرئ القيس حتى شوقي وحافظ. وبعد ذلك سمحت لي الأيام بقراءة الكثير من الإصدارات، إما عن طريق
الاقتناء أو عن طريق استعارة بعضها من أصدقاء كانوا يقدرونني خاصة الشاعر المرحوم عبدالفتاح إبراهيم شتا صاحب ديوان (أصداء الحري)، ويتناول حوار الشهاوي هموم الكتابة مؤكدا أن الشعر يسير إلى الأمام كما ومشددا على أهمية القراءة، مشيرا إلى تأثره بالقرآن الكريم في كتابته الشعرية، فيما يؤكد على أهمية تجارب الحياة من أجل تطوير العمل الشعري لأي شاعر، وفيما يلي نص الحوار:
كيف كانت بداية الشهاوى الشعرية؟
كانت علاقتي بالشعر علاقة المحب العاشق بذلك النوع من الإبداع. كنت أقرأ وأحفظ دون أن يمر بخاطري أن تلك القراءة ستقودني يوما ما لأصير واحدا ممن يكتبون الشعر. وفجأة في عام 1956م أثناء العدوان الثلاثي على مصر أعطونا إجازة مفتوحة أسوة بكل دور التعليم في مصر وكل عاد إلى حيث يقيم أهله وفى هذه الأثناء وجدتني ممسكا بالورقة والقلم لأكتب كتابات لا أعرف ما نوعها أو قيمتها فقط هي خواطر فجرتها بداخلي الأحداث. وبعد انتهاء الحرب عدنا إلى الدراسة وعرضت تلك الأوراق على المرحوم الشاعر إبراهيم شتا فسألني من أين أتيت بها ؟؟ فأجبته بأنها لي ولكنه لم يصدق لكنني أقسمت له مؤكدا ذلك. فقال إن هذه القصائد من بحر متعدد التفعيلات ولا يكتب به إلا متمرس وأنت لست متمرساً ولا تعرف شيئا عن بحور الشعر. فقال عجبا ليس هناك خطأ لغوى واحد، فقلت له أنا كتبت ما ترى وأنت أول شخص أعرض عليه ما كتبت، فقال لي هذا شعر حقيقي ومن يومها وأنا المأخوذ من نفسي للشعر.. لن أحدثك عن
حجم الفرحة التي عشتها وما زلت أحياها كلما كتبت قصيدة وهناك فرق كبير بين أن تعطى الشعر من نفسك كل ما يجب عليك وبين القصدية فى كتابته..
أقول لك اننى أعيش فى حالة رباط دائم ومقدس مع الشعر دون ان أقع يوما فى حبائل القصدية.. فالشعر أحوال ومكافآت سماوية تتفضل بها السماء على من أخذ بالأسباب واتخذ من الشعر محبوبا ومعشوقا.
هل أثرت ثقافتك في اختيار توجهك الشعري ؟
ثقافتي هي مجموع قراءاتى ومعارفي وخبرتي ولأن كل إنسان هو منتج طبيعي لمجموع ما ذكرت ولأن الإنسان مزيج من التأثير والتأثر ولأنه لا يوجد مبدع نبت شيطاني فإنني أعترف أننى أحرص كل الحرص على ألا أكون صدا لصوت آخر أو صورة لشاعر مهما كان شأن ذلك الشاعر..... فأنا حريص دائما على ألا أكون إلا سواى وأعتقد أنه لا تناقض بين اعتراضى واستفادتى بكل تجاربي وبين أن أكون منفردا في كتاباتي كما أنني أؤكد أن القراءة هي الضرورة وأنها كبرى الضروريات لمن يود أن لا يشيخ ويتيبس وأعنى بالقراءة القراءة الجادة والشمولية التي تنظم كل ما أبدعته القريحة الإنسانية لا العربية وحدها.
كيف كانت صورة السياق الشعرى عند بداية الكتابة ؟
قلت لك أننى لم أحاول الكتابة ولذلك لم تكن هناك صورة محددة بل هناك عشق يبلغ حد الجنون بفتنة جماليات الشعر على نحو خاص والابداع على وجه العموم. كل الذى أعرفه أن الصفحات الأولى التي كتبتها قد عرفت بعد كتابتها كما قلت لك أنها شعر خليلى أى أنه شعر ملتزم بقوانين وتقنيات شعرنا العربى القديم، وللعلم فمازالت حياتى الشعرية مزيجا من التفعيلى والعمودى. كل قصيدة تولد مختارة أطارها دون أى تدخل منى فى اختياراتها للشكل أو الإيقاع.
كيف توازن فى تجربتك الشعرية بين موقف الشعر وموقف الشاعر ؟
أحاول دائما ألا أقول إلا ما أعيشه وألا أتناقض مع نفسى وأحاول دائما أن يتوحد شعرى وسوف أظل أحاول.
هل المعنى في بطن الشاعر حسب المقولة المأثورة ؟
المعنى يبدأ دائما من بطن الشاعر أى من خفايا وأطياف تموج بها جوانح وجوارح الشاعر. لكن المعانى عندما تخرج الى الحياة مجسدة في كلمات وحروف أعتقد أن المعنى لم يعد فى بطن الشاعر وإنما اصبح مطروحا أمام عيون الآخرين للقراءة والتقييم ودائما الحكم للقارئ فهو المهيأ لأن يكون صاحب رأى فى خبايا وخفايا القصيدة. ويجب الا نخلط بين مقولة ( المعنى فى بطن الشاعر ) وبين الغموض غير
المبرر فنيا.
بصفتك شيخ شعراء مصر: كيف تصف شعراء المهرجانات ؟
المهرجانات فى حد ذاتها شيئا جميلا جدا وحين تحتفى المهرجانات بمن يستحق من الشعراء فهذا أيضا شيئ جميل لكن الشئ غير الجميل أن يكون هناك من يربط حياته الشعرية ووجوده الشعرى بالمهرجانات والمؤتمرات وبخاصة اذا كان هناك من يكتب شعرا تلبية لما يملى عليه من كتابات فى موضوعات بعينها. لأنه مثلما قلت الشعر أحوال وتجليات.
هل تشكل الجوائز نوعا من الهاء الشاعر عن مهمته الشعرية؟
إن كان هناك من يكتب من أجل الجوائز فقط فهو لا شك تلهى بالجوائز عن حقيقة الشاعر بداخله. لكن الجوائز عندما تعطى أو تمنح تقديرا وأعترافا فإن ذلك يعد أمرا محمودا لأنه من باب ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) وإحسان الشاعر يعنى الإتقان وليس التفضل.
هل أثر التجريب سلبا على القصيدة العربية ؟
الشعر كان وسوف يظل هو ابن المغامرة والمغايرة ولولا التجريب لظل الشعر العربى وكل الشعر يعيش فى دائرة مغلقة ولكن المهم ألا يجرب إلا من هو أهل للتجريب وأعنى به الإنسان المبدع، الذى أثبت جدارته واستحقاقه وتاريخه الإبداعى أن يكون. وهناك فرق شاسع بين التجريب وبين الفوضى.
هل تتقدم الشعرية العربية للأمام أم أنها تعود للوراء ؟
الدنيا كلها تتقدم الى الأمام والشعر جزء من تلك الدنيا فكيف يشمل التقدم كل شئ إلا الشعر. هو أيضا فى سيرورة دائمة إذن فهو يسير الى الأمام.
أوقفت حياتك على الشعر فهل أعطاك مثلما أعطيته ؟
ليست كل العطايا مقصورة فى تجسيدات مادية. فالعطايا أنواع وأنا أكتفيت من تلك العطايا بومضات الفرح والإشراق الروحى والنفسى مع ما أعيشه من متع واستمتاع وفرح كونى وأنا أعيش أحوال القصيدة. كل ما أرجوه أن أظل فى حالة تواصل مع أحوال الكتابة فليس بالخبز وحده يعيش الإنسان. نعم الخبز شئ ضرورى ولكنه ضرورى عندى بقدر الضرورة وفقط.
هل يشعر الشهاوى بأنه ظلم نقديا ؟
لا أحب الشكوى حتى في شعري ولي مختارات من الشعر العربى بعنوان ( المصطفيات ) لم أصطف فيها بيتا واحدا من شعر الشكوى لأى شاعر،المهم ليس فيما يكتب عن المبدع ولكن ما كتبه المبدع من إبداع، ومن يظلم اليوم فسوف ينصف غدا ما دام يستحق الإنصاف فعلا وعلى نحو حقيقي.
أنت أزهرى فإلى أى مدى أسهمت الدراسات الأزهرية فى بنية ومضمون الحس البلاغى فى قصيدتك ؟
ــ أنا ابن كل ما عشته فى الحياة من تجارب وقراءات ومن حوارات مع ظواهر وخفايا الوجود لكن يظل للقرآن الكريم شموخه وتأثيره القوي فى تجربتى الشعرية، نعم لو لم أكن أزهريا لتمنيت أن أكون أزهريا.
كيف تفكر فى النص الشعرى ؟ وهل هناك توازن بين لحظة الانفصال ولحظة الأداء ؟
قلت لك أننى كتبت الشعر فى البداية دون أن أعرف ما كتبت وعندما أكتب الشعر تكون الكتابة بدواعى وجدانية وانفعالات وتفاعلات بين الأنا والكونية. ولا أذكر أننى يوما ما قد عشت أنواعا من التهيئة للدخول فى حلبة الكتابة. لذلك فإن انتفاء القصدية هو شئ يلازمنى فى كل أحوالى الكتابية. إننى انتشى بالإشراق لا بالصهباء وأعيش بالحضور لا بالتغييب وأرابط فى معية الإخلاص والمثابرة. فاذا لاحت الغزالة الشاردة أسرع فى محاولات الإمساك بها. لأظل فى ملاحقاتى مدركا أن الامساك بها حلم مستحيل التحقق..
أخيرا كيف تقرأ المشهد الشعرى العربى اليوم؟
أقرأه مثلما أقرأ المشهد الشعرى فى كل زمان.. ساحة كونية كبرى تموج بالشئ ونقيضه وبالحقيقى وغير الحقيقي والآصيل والزائف مرددا قول الله تعالى (أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض).

